القَبَلية: الدولة التي سبقت الدولة

القَبَلية في المجتمع الصومالي ليست مجرد انتماء عائلي أو رابطة نسب، بل هي نظام اجتماعي قائم بذاته. نظام عاش معه الصوماليون قرونا، واستطاعوا من خلاله أن يبقوا متماسكين، وأن يتعايشوا وأن يديروا شؤونهم حتى في غياب الدولة. ولهذا السبب تحديدا، كان للقبيلة وجهان متناقضان: أشياء كثيرة أنقذت بها المجتمع، وأشياء أخرى ساهمت بها في إضعاف الدولة.

ماذا أعطت القبيلة للصومالي؟

القبيلة وفّرت للصومالي أشياء تحتاجها أي دولة حتى تستمر: الحماية والتكافل والقواعد الاجتماعية والهوية والمساعدة والملجأ والدعم وقت الأزمات. إذا احتاج الإنسان إلى المساعدة، وجد أهله. وإذا وقع في مشكلة، وجد من يقف معه. وإذا احتاج إلى حماية أو دعم مادي، كانت القبيلة شبكة أمان جاهزة. بل إن القبيلة مكّنت المجتمع الصومالي من أن يعيش ويدير نفسه حتى عندما غابت الدولة.
وهذا يظهر بوضوح في التجارة أيضا. فجزء كبير من التجارة الصومالية بُني على الثقة والعلاقات الاجتماعية. شخص يقرض شخصا آخر مبالغ كبيرة لأنه يعرفه أو يعرف أهله، وتاجر يدخل في شراكة مع آخر اعتمادا على السمعة والضمان الاجتماعي، وأفراد يجدون فرص العمل داخل شبكات القرابة والمعرفة.
في كثير من هذه الحالات، لم تكن هناك حاجة إلى محامٍ أو مؤسسة حكومية لكي تبدأ العلاقة. الثقة نفسها كانت هي الضمان. وهنا تكمن قوة القبيلة.
لكن هنا أيضا تبدأ المشكلة.. الشيء الذي تستطيع القبيلة فعله، والشيء الذي لا تستطيع فعله:
القبيلة تستطيع أن تحمي أبناءها وتساعدهم وتوفر لهم شبكة اجتماعية واقتصادية قوية. لكن هناك شيئا واحدا لا تستطيع القبيلة أن تقدمه: أن توحّد جميع القبائل. فالقبيلة بطبيعتها تبني الثقة والتكافل داخل دائرتها، لكنها في الوقت نفسه ترسم حدودا بين دائرتها وغيرها. ولهذا تستطيع القبائل أن تتعاون في التجارة، وأن تعقد الصفقات، وأن تتبادل الأموال، وأن تتشارك المصالح، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما يتعلق الأمر ببناء سلطة سياسية واحدة ومؤسسات مشتركة وقواعد متساوية للجميع.
الدولة، في جوهرها، يفترض أن تفعل ما لا تستطيع القبيلة فعله: أن تجمع المختلفين تحت نظام واحد، وأن تجعل المواطن يشعر أن مصلحته مرتبطة ببقاء الدولة نفسها، لا ببقاء جماعته وحدها.
وهنا يبدأ الوجه الآخر للقبيلة.. المشكلة لا تكمن فقط في وجود القبيلة، بل في موقعها داخل ترتيب الولاءات. عندما يصبح ولاء الإنسان الأول لقبيلته، فإن الدولة تتحول من كونها الإطار الأعلى الذي ينتمي إليه الجميع إلى مجرد طرف آخر يمكن أن يتعارض مع مصلحة الجماعة.
وهنا تظهر معادلة خطيرة: إذا تعارضت مصلحة الدولة مع مصلحة القبيلة، فأيهما سيختار؟ في كثير من الأحيان، تكون الإجابة واضحة. قد يرى الإنسان مصلحته ومصلحة عائلته ومصلحة قبيلته، قبل أن يرى مصلحة الدولة. وقد لا يشعر بأن انهيار الدولة يعني انهياره هو، لأنه ما زال يملك قبيلة تحميه وتوفر له شبكة من العلاقات والدعم.
وهذا يخلق مفارقة كبيرة:
الدولة تحتاج إلى المواطن، لكن المواطن قد لا يحتاج إلى الدولة بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه إلى قبيلته. ومن هنا يصبح بناء الدولة أصعب.
فالشخص الذي يعلم أن قبيلته ستدافع عنه إذا أخطأ، وأنها قد تتدخل لحمايته من العواقب، قد يكون أقل خوفا من سلطة الدولة وأقل ارتباطا بمؤسساتها.
وهذا لا يعني أن كل صومالي يفكر بهذه الطريقة، ولا أن القبيلة شر في ذاتها، بل يعني أن منظومة الولاء القبلية، عندما تصبح أقوى من الولاء للدولة، تصبح عائقا أمام بناء دولة يتساوى فيها الجميع.
وهنا تظهر المفارقة الصومالية الغريبة
إذا أردت أن تفهم المجتمع الصومالي، فعليك أن تفهم هذه التناقضات.
كيف يمكن لشعب أن يكون شديد الانقسام داخليا، ثم يتوحد بسرعة عندما يظهر خطر خارجي؟ كيف يمكن لمجتمع أن يفشل في الاتفاق على دولة واحدة، بينما يستطيع أفراده أن يتفقوا بسهولة على التجارة والشراكات والاستثمار؟ كيف يمكن للصومالي أن لا يثق تماما في مؤسسة الدولة، لكنه يثق بشخص يعرفه أو يعرف قبيلته، فيقرضه المال أو يدخل معه في مشروع دون ضمانات قانونية معقدة؟ وكيف يمكن لشعب عانى من انهيار دولته، ثم إذا هاجر إلى بلد آخر، أن يبني بسرعة واحدة من أكثر الجاليات نشاطا وتنظيما اقتصاديا؟
هذه التناقضات ليست عشوائية… إنها نتيجة طبيعية لمجتمع طوّر عبر الزمن نظاما قويا للبقاء خارج الدولة.
القبيلة أنقذت المجتمع… لكنها لم تستطع أن تبني الدولة.. ربما هذه هي المفارقة الأكبر.
في أوقات غياب الدولة، كانت القبيلة جزءا من الحل، لأنها منعت المجتمع من الانهيار الكامل، ووفرت للناس الحماية والتكافل والثقة. لكن عندما نريد الانتقال من مجرد البقاء إلى بناء دولة حديثة، فإن نفس النظام الذي ساعد الناس على البقاء قد يصبح جزءا من المشكلة. فالقبيلة تستطيع أن تقول لك: “لن أتركك وحدك.” لكن الدولة يجب أن تقول شيئا أكبر: “لن يكون أحد فوق القانون، ولن يكون أحد خارج الدولة.”
القبيلة تبني التضامن بين أفرادها. أما الدولة، فعليها أن تبني التضامن بين الجميع.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الصوماليين ليس بالضرورة القضاء على القبيلة، فهذا غير واقعي وربما غير ممكن. التحدي هو نقل مركز الولاء تدريجيًا من القبيلة إلى الدولة، دون تدمير شبكات التضامن الاجتماعي التي اعتمد عليها المجتمع قرونا.
فالمطلوب ليس أن يصبح الصومالي بلا قبيلة، وإنما أن يصبح لديه قبيلة ينتمي إليها، ودولة يثق بها، وقانون يخضع له الجميع.
وعندها فقط تتحول القبيلة من بديل عن الدولة إلى جزء طبيعي من المجتمع، وتتحول الدولة من شيء يحتاجه الناس عند الضرورة إلى شيء يشعرون أن لهم مصلحة مباشرة في بقائه. وهنا يبدأ بناء الدولة الحقيقي.

زر الذهاب إلى الأعلى