جريمة لا دليل عليها : قراءة في دوافع المثقفين والسياسيين


كل إنسان في الحياة له أهداف؛ أحدهم يفكر بأن يكون مثقفا أو داعيًا أو مفكرا أو فيلسوفا، يهدي حياته لخدمة الأمة، وآخر يرى أن يكون سياسيا يخدم بلده لكي يجعل بلده عظيما ، وآخر يعمل في المنظمات الخيرية لإغاثة الفقراء وذوي الحاجة. وهناك فئة أخرى كل همها أن تكون ثرية، وأن تكون قوية وصاحبة مكانة ومنصب.
فدعونا نسأل أنفسنا: لو قيل للداعي والمفكرر والمثقف: لن تحصل جاها أو منصبا من وراء جهودك في خدمة الأمة، فتخيل كم سيبقى منهم في مجال الدعوة والفكر والتوعية ؟ وكذلك لو قلنا لسياسي دخل السياسة لخدمة بلده ولأمته : لن تحصل على منصب، ولا رفاهية في الحياة، ولن تكون لك أي ميزة، بل ستعمل من وراء الستار ولا يعرفك أحد؛ فكم نسبته بقائه في هذا المجال؟
الإنسان حُبِّب إليه المال والجاه، وأن يكون مرفَّها في الحياة، وصاحب منصب يحترمه الناس جميعا ويرونه عظيما. لذلك، فإن بعض الناس، مع أنهم يظنون أنهم يخدمون أمتهم، ترى أن كل همهم هو المال والجاه؛ يكتب كتبًا، ويسجل محاضرات، ويقيم ندوات علمية، والهدف من وراء كل ذالك هو المال والجاه، ومع ذلك يقنع نفسه بأنه يخدم الأمة، أو يتولى منصبا سياسيا، فتكون كل قراراته وإنجازاته مرتبطة بما سيجنيه من مال وجاه وثناء من الناس. فإذا حُرم من بعض ذلك، تراه ينسحب من كل ما كان يفعله، فإذا كان هذا الشخص خادمًا حقيقيا لأمته ، فلماذا ينسحب إذا تغيّر الوضع قليلا؟
أنا أعتقد أنه لا يمكن لمحتاج أن يخدم أمته؛ فمن لم يسد احتياجه المالي، ولم يتحكم رغبته في الجاه والمنصب، لا يمكنه أن يساهم في نهضة بلده وأمته، بل يكذب على نفسه ويخدعها، وكذبك على الناس أهون من كذبك على نفسك.
ومن يجري وراء المال والجاه لايهمه نفع بلده وأمته بل يهمه الكسب من ورائها وبإسمها ، ولا يوجد فرق بينه وبين من ذهب لكسب رزقه في متجره الخاص، بل هذا أفضل منه لأنه يكسب رزقه بطريقة صحيحة أما الداعي والمفكر والفيلسوف والسياسي وكل من يدعي انه يخدم بلده وأمته كسبهم من وراء خدمة بلدهم وأمتهم جريمة كبيرة لاتغتفر .
توظيفك عملك الدعوي أو الفكري او ايا كان لمصالحك الخاصة جريمة ترتكبها بحق أمتك، لأنك تظهر وجها وتفعل عكسها لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال : أوَّلُ النَّاسِ يقضى فيهِ يومَ القيامةِ ثلاثةٌ: رجلٌ استُشْهِدَ فأتيَ بِهِ فعرَّفَهُ اللَّهُ نعمةً فعرفَها فقالَ: ما علِمتَ فيها؟ قالَ: قاتلتُ في سبيلِكَ حتَّى استُشْهدتُ. فقالَ: كذبتَ إنَّما أردتَ أن يقالَ فلانٌ جريءٌ وقد قيلَ، فأمرَ بِهِ فسحبَ على وجْهِهِ حتَّى ألقيَ في النَّارِ. ورجلٌ تعلَّمَ العلمَ وعلَّمَهُ وقرأَ القرآنَ فأتيَ بِهِ فعرَّفَهُ نعمَهُ فعرفَها قالَ: فما عمِلتَ فيها؟ قالَ: تعلَّمتُ العلمَ وعلَّمتُهُ وقرأتُ فيكَ القرآنَ. قالَ: كذبتَ ولَكنَّكَ تعلَّمتَ العلمَ ليقالَ عالمٌ. وقرأتَ القرآنَ ليقالَ هوَ قارئٌ فقد قيلَ. فأمرَ بِهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ إلى النَّار. ورجلٌ آتاهُ اللَّهُ من أنواعِ المالِ فأتيَ بِهِ فعرَّفَهُ نعمَهُ فعرفها فقال: ما عمِلتَ فيها؟ قال: ما ترَكتُ من شيءٍ يجبُ أن ينفقَ فيهِ إلَّا أنفقتُ فيهِ لَكَ. فقالَ: كذبتَ إنَّما أردتَ أن يقالَ فلانٌ جوَّادٌ فقد قيلَ فأمرَ بِهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ حتَّى ألقي في النَّارِ.
وكذلك فإن توظيفك لصلاحيات منصبك السياسي لمصالحك الخاصة جريمة ترتكبها بحق بلدك وأمتك؛ لأنك تخون من رضي بك في هذا المنصب وظن أنك ستساهم في نهضة بلدك، وهذه جريمة سيحاسبك الله عليها.
وهناك حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن الداعي والمفكر والفيلسوف والمربي وغيرهم من أصحاب الرسالات لهم احتياجات مالية والتزامات شخصية. فإذا انشغل الإنسان طوال وقته بمجاله الفكري أو الدعوي، فمن أين ينفق على نفسه ويسد حاجاته وهو محتاج؟
لذلك أقول: لا تدخل المجال الدعوي أو الفكري أو التربوي أو غيره من المجالات وأنت محتاج إلى المال. اشتغل على نفسك أولا، وطوّر مهاراتك، وابنِ مصدر دخل وراتب يكفيك ويسد حاجاتك. وبعد أن تستغني عن الحاجة، ادخل هذا المجال واعمل فيه ابتغاءً لمرضاة الله، وإسهامًا في نهضة بلدك وأمتك، لا بحثًا عن المال أو الجاه أو المنصب.
أما العمل السياسي والإغاثي، وغيرهما من الأعمال التنموية لخدمة البلد والأمة، فإن دخولك إليها وأنت غير مكتفٍ ماليا فخٌّ ستقع فيه، وستغرق فيه يوما بعد يوم، حتى يصبح الخروج منه أمرًا بالغ الصعوبة.
ليس هذا كلاما نظريا فحسب، بل شهدت له سير كثير من كبار العلماء والمفكرين ممن جمعوا بين الاستغناء المالي وصدق الرسالة منهم :
عبدالله بن مبارك كان تاجرا عابرا للحدود (بمفهومنا المعاصر)، يضارب بأمواله في البضائع العامة والسلع المتبادلة بين الأقاليم، فيسافر بتجارته من مرو (في تركمانستان حاليا) إلى خراسان، والعراق، والحجاز، والشام، ومصر.
سأله فضيل بن عياض يوما: يا زاهد الآفاق، تأمرنا بالزهد والتقلل وتأتي بالبضائع من خراسان إلى البلد الحرام؟! فقال ابن المبارك مقولته الإستراتيجية: «يا أبا علي، إنما أفعل هذا لأصون به وجهي، وأكرم به عرضي، وأستعين به على طاعة ربي، لا أراني لله حقا في عيب إلا سارعت إليه».
كان رأس ماله ضخما جدا، وتذكر الروايات التاريخية أن نفقته وعطائه في السفر الواحد للفقهاء والحجاج كان يتجاوز مائة ألف درهم.
كان ابن المبارك ينفق على الفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة (من كبار العلماء). وعندما عاتبه البعض قائلين: لو قسمت هذا المال على فقراء بلدك لكان أفضل، قال: «إني أعرف مكان قوم لهم فضل وِصدق، طلبوا الحديث فأحسنوا طلبه، ولحاجة الناس إليهم احتاجوا، فإن تركناهم ضاع علمهم، وإن أعناهم بثوا العلم لأمة محمد، ولا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم».
الإمام الليث بن سعد كان من أغنى أغنياء عصره، وكانت أرباح تجارته وأراضيه تزيد عن عشرين ألف دينار ذهبي سنوياً.
ورغم ثرائه الفاحش، لم تجب عليه زكاة قط! لأنه كان ينفق ثروته كلها أولاً بأول على الفقراء والعلماء، وكان يرسل صلات مالية سنوية لعلماء المدينة مثل الإمام مالك بن أنس ليغنيهم عن الحاجة.
الإمام مسلم بن الحجاج صاحب صحيح مسلم كان تاجراً كبيراً في الثياب والأقمشة (البزّ).
كان يملك متجرا شهيرا في “خان محمش” بمدينة نيسابور، وله أملاك وضياع واسعة. لم تمنعه تجارته من السفر لجمع الحديث، بل كان أحيانا يجلس في متجره يبيع للأملس والفقير، ويحدث الناس بالحديث النبوي الشريف في نفس الوقت.
علي عزت بيغوفيتش الرئيس والفيلسوف البوسني عمل مستشارا قانونيا ومديرا قانونيا في شركات تجارية كبرى ومؤسسات بناء لمدة 25 سنة. كانت هذه الوظيفة تمنحه دخلا محترما ومستقرا ومستقلا تماما عن أموال الجمعيات الدينية أو الدعم السياسي.
كان يمارس وظيفته نهارا بكل التزام، بينما يقضي ليله في القراءة وتأليف كتبه الفلسفية الكبرى مثل (الإسلام بين الشرق والغرب) .
محمد اقبال المفكر والفيلسوف والشاعر الإسلامي كان يرى القانون وسيلة كسب تحمي كرامته. مارس المحاماة من عام 1908 حتى 1934. وتميز بنزاهة مفرطة؛ فلم يكن يقبل القضايا المبنية على الباطل أو الكذب مهما كان المقابل المالي.
في بداية مسيرته القانونية واجه ظروفا مالية صعبة وضغوطا لإعالة عائلته الكبيرة. عُرِضت عليه رواتب ومنح ثابتة (مرتبات شهرية من بعض الهيئات)، فرفضها بقوة معتبرا أن “المرتب الثابت من جهة دعوية أو سياسية ينتقص من كرامة المفكر وحريته”.
بمرور الوقت، ذاع صيته كمحام ذكي، وأصبح يربح مبالغ ممتازة وجيدة جدا، وتحول بحلول عام 1917 إلى دافع ضرائب منتظم للدولة. كان لإقبال سلوك مالي عجيب كان يعمل في المحاماة فقط بالقدر الذي يكفيه ليعيش حياة كريمة ومريحة. فإذا كسب من القضايا ما يكفي لنفقاته ونفقات عائلته لأشهر، يتوقف عن استقبال القضايا الجديدة، ويغلق دفتريا باب الكسب، ويتفرغ كليا لكتابة روائعه الفلسفية والشعرية مثل أسرار الخودي وتجديد الفكر الديني في الإسلام وغيره من الكتب والأشعار.
الحاجة لا تُنتج إلا خطابا مشروطا، وأن الرسالة الحقيقية لا تُولد إلا من رحم الاستغناء. فحين يقف المثقف على منبره وهو يخشى الجوع، أو يجلس السياسي في منصبه وهو يخشى الفقر، فإن كل كلمة يقولها، وكل قرار يتخذه، إنما يمرّ أولا عبر مصفاة الحاجة قبل أن يمرّ عبر مصفاة الحق. لذلك لم يكن الاستقلال المالي عند هؤلاء العظام – من ابن المبارك إلى إقبال – ترفا يُضاف إلى سيرهم، بل كان الشرط الأول لصدق تلك السير. إنهم لم يشتروا حريتهم بالزهد، بل اشتروها بالعمل، ثم تصدّقوا بتلك الحرية على أممهم في صورة فكر نقي، وموقف لا يُساوم، وكلمة لا تُشترى. وهذه هي المفارقة العميقة التي يغفل عنها كثيرون: أن أقرب الطرق إلى تحرير الأمة، يبدأ بتحرير جيب من يريد أن يقودها. فمن أراد أن يكون صوتا للحق، فليصمت الجوع في بطنه أولا، وإلا تكلّم الجوع نيابة عنه، بلغة لا يُتقنها إلا المحتاجون.

بقلم : عبدالله محمد حسن(سرحال)

زر الذهاب إلى الأعلى