تُعدّ الأزمة اليمنية من أكثر الأزمات تعقيدًا في المنطقة، إذ اجتمعت فيها عوامل سياسية وعسكرية واجتماعية ومذهبية، إلى جانب التنافس الإقليمي والدولي. ولذلك يصعب فهمها من خلال تفسير واحد، كأن تكون مجرد صراع بين السُّنّة والشيعة، أو مجرد مواجهة بين الحوثيين والحكومة اليمنية.
فالصراع اليمني بدأ أساسًا في سياق أزمة سياسية وعسكرية داخلية، ثم اتسعت دائرته مع تدخل أطراف إقليمية ودولية، فأصبح اليمن ساحةً تتقاطع فيها مصالح متعددة.
البعد الداخلي
يمثل الصراع بين جماعة أنصار الله (الحوثيين) والقوى المناهضة لها أحد أهم أوجه الأزمة. وترتبط جذور هذا الصراع بالتنافس على السلطة وشكل الدولة ومستقبل النظام السياسي، إضافة إلى قضايا أخرى تتعلق بتوزيع النفوذ والثروة ومكانة مختلف القوى والمناطق داخل اليمن.
ولا يمكن، في الوقت نفسه، تجاهل البعد المذهبي في المشهد اليمني، ولا سيما مع وجود خلفية زيدية لدى الحوثيين وعلاقات متنامية بينهم وبين إيران. غير أن اختزال الصراع كله في البعد المذهبي قد يؤدي إلى تبسيط واقع سياسي واجتماعي أكثر تعقيدًا.
البعد الإقليمي
أصبحت اليمن كذلك جزءًا من التنافس الإقليمي، خصوصًا بين السعودية وإيران.
ترى السعودية أن استقرار اليمن وأمن حدوده يمثلان مسألةً مرتبطة مباشرة بأمنها القومي، في حين طورت إيران علاقات وثيقة مع جماعة الحوثيين وقدمت لها أشكالًا مختلفة من الدعم.
أما الإمارات، فقد شاركت في التحالف الذي قادته السعودية، لكنها دعمت أيضًا قوى يمنية محلية، وخصوصًا في جنوب اليمن، الأمر الذي يعكس تعدد المصالح والأهداف حتى بين الأطراف التي تقف في المعسكر نفسه.
ولهذا فإن وصف المشهد بأنه مجرد «محور إيراني في مواجهة محور سعودي» لا يعكس جميع تفاصيل الواقع اليمني، لكنه يوضح جانبًا مهمًا من التنافس الإقليمي الذي أثّر في مسار الحرب.
البعد الدولي والموقع الاستراتيجي
تكتسب اليمن أهمية إضافية بسبب موقعها الجغرافي المطل على البحر الأحمر وخليج عدن، وقربها من مضيق باب المندب، أحد الممرات البحرية المهمة للتجارة العالمية.
وقد جعلت الهجمات التي استهدفت الملاحة في البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة الملف اليمني مرتبطًا بصورة أكبر بالأمن البحري الدولي، وبالمصالح الأمريكية والغربية، وبالتوتر الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها.
وبذلك لم تعد الحرب اليمنية قضية داخلية بحتة، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بأمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية والتوازنات الإقليمية.
تعدد الأطراف وتداخل المصالح
من أبرز صعوبات فهم الحرب اليمنية أن الأطراف الموجودة فيها ليست كتلة واحدة متجانسة.
فهناك الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والحوثيون، وقوى جنوبية متعددة، وتشكيلات عسكرية وقبلية مختلفة، إلى جانب أدوار السعودية والإمارات وإيران والولايات المتحدة وغيرها.
كما أن مصالح هذه الأطراف ليست متطابقة دائمًا، حتى عندما تتفق في مواجهة طرف معين.
وهذا يوضح أن الحرب ليست مواجهة ثنائية بسيطة، وإنما شبكة معقدة من التحالفات والخلافات والمصالح المتغيرة.
المأساة الإنسانية
وبعيدًا عن الحسابات السياسية والعسكرية، يبقى المواطن اليمني الطرف الأكثر تضررًا من استمرار الصراع.
فقد أدت سنوات الحرب إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، ونزوح الملايين، وتدهور الاقتصاد والخدمات الأساسية، وخلق أزمة إنسانية عميقة ما زالت آثارها مستمرة.
والأشد ألمًا أن غالبية أطراف المجتمع اليمني تشترك في الدين والوطن والتاريخ، بينما تستمر المواجهات المسلحة في استنزاف المجتمع وإضعاف مؤسسات الدولة.
ومن هنا فإن النظر إلى الأزمة من منظور مذهبي صرف قد يزيد الانقسام، في حين أن الواقع أكثر تعقيدًا، وأن اليمنيين أنفسهم يتحملون الجزء الأكبر من تكلفة الحرب.
هل يوجد طريق إلى السلام؟
إن الوصول إلى سلام دائم في اليمن لن يكون سهلًا، لكنه يظل أكثر أهمية من استمرار الحرب.
ويتطلب ذلك مسارًا سياسيًا شاملًا يراعي مختلف القوى اليمنية، ويعالج قضايا السلطة وتقاسم الموارد ومستقبل الدولة، ويضمن أمن المواطنين وحقوقهم، مع تقليل مساحة الصراع الإقليمي داخل الساحة اليمنية.
كما أن استمرار الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة يجعل الوصول إلى تسوية أكثر تعقيدًا، ولذلك فإن أي حل مستدام يحتاج إلى تفاهمات يمنية وإقليمية في الوقت نفسه.
خاتمة
الحرب في اليمن ليست حربًا مذهبية خالصة، وليست أيضًا مجرد صراع سياسي داخلي؛ وإنما هي أزمة متعددة الأبعاد تداخل فيها الصراع الداخلي مع التنافس الإقليمي والمصالح الدولية والموقع الاستراتيجي للبلاد.
ومن المهم عند الحديث عنها تجنب التعميم على السُّنّة أو الشيعة، أو تحميل شعب كامل مسؤولية قرارات أطراف سياسية وعسكرية محددة. فالمجتمعات اليمنية أكثر تنوعًا وتعقيدًا من هذه التصنيفات.
وفي النهاية، مهما اختلفت المواقف السياسية من أطراف النزاع، تبقى الحقيقة الإنسانية واحدة: استمرار الحرب يكلّف اليمنيين ثمنًا باهظًا، بينما يحتاج اليمن إلى تسوية سياسية تحفظ وحدته وأمنه وكرامة شعبه.
إن السلام في اليمن ليس انتصارًا لطرف على آخر، بقدر ما هو فرصة لإنقاذ بلد أنهكته سنوات الصراع، وإعادة بناء دولة يستطيع اليمنيون، بمختلف مكوناتهم، أن يعيشوا فيها بأمن واستقرار.





