الخطاب الفارغ لقادة الصومال

إن من أثقل ما يحمله الإنسان هو قيادة غيره(المسؤولية)، في حين إن قيادة الإنسان لنفسه وإرشادها إلى الخير وإبعادها عن الشر كافية. والله لا يرسل رسلًا إلا وكانوا أهلاً لهذه الرسالة خُلُقًا وخَلْقًا؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَىِٕمَّةࣰ یَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا یُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]؛ فما كان رسل الله وأنبياؤه كاذبين ولا غير مؤهلين للمسؤولية، بل بلغوا الرسالة بأتم أسلوب مطلوب.
ومن أهم ما على الإنسان المسؤولية عن نفسه وأهله ووطنه، والرسول الكريم لا يرسل ثلاثةً إلا وولّى أحدهم، ولهذا ترى أهمية القيادة في الدين الإسلامي. يقول ابو اسود الدؤلي في قصيدته الشهيرة:
لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم … وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادوا

والقيادة أعم من السياسة فقط؛ لأن كثيرًا من الناس يظنون أن القيادة مقتصرة على رؤساء الدول، بل هي أعم من ذلك؛ فالقيادة تضم وجهاء الشعب وملأ القوم، مثل: زعماء القبائل، وتجار المجتمع، وقادة الجيش، والمثقفين، والحكام.
وبنية المجتمع مكونة من تلك العناصر، وكل عنصر له قادة خاصون به ولهم تأثيرهم في المجتمع. وإذا نظرنا إلى جميع الجوانب تدرك أن خطاب جميع القادة فارغٌ وليس لديهم أدنى مصداقية إلا من رحم ربي. وإذا نظرنا إلى قيادة شعب الصومال من زعماء القبائل، وتجار الشعب، وعساكر الأمة، وشبان المجتمع، والأجيال القادمة، لا تجد ما تقر به العين في أفكارهم ووعيهم وخُلُقهم؛ لماذا؟ لأنهم فقدوا المصداقية.

ومن سمات القائد الناجح -خاصة السياسي- المصداقيةُ في الخطاب، والشعوب يرون حكامهم نبلاء، أما في الصومال فإن السياسي الفريد الذي يخطب دون أي مصداقية في كلامه يصفونه بـ “السياسي المحنك”!
إن خطاب السياسي وتصرفاته مرتهنان بوعي شعبه؛ إذ لا يوجد رئيس في العالم إلا ويحب أن يدوم في الرئاسة مدى حياته، ولكن الشعب الواعي يدافع عن قوانينه والسياسي يخاف من هذا الشعب. ترامب -مثلاً- لا يوجد منا أحد إلا ويعرف أفكاره، ولكن إذا كان معظم الشعب لا يملك الوعي الكافي، ينطق الحاكم بما شاء ومتى شاء، وتجد كثيرًا من الشعب يصفقون خلفه ويؤيدونه لأسباب تافهة؛ كالقبلية والأنانية والمحاباة. وخطاب حسن شيخ خير شاهد على ما نقول، والله المستعان.

وفي مساء الخميس، الحادي عشر من شهر يونيو، شاركتُ في مناقشة علمية عُرِضت على مسرح شريف صالح في الجامعة الوطنية الصومالية في مقديشوا، وكان عنوانها “رفع وعي الشباب وتحذيرهم من التهريب(الهجرة غير شرعية)”. وكان من المشاركين في المناقشة علماء ومسؤولون من الحكومة ومثقفون وشباب وطلاب جامعيون. ومما أثار استغرابي أن المتحدثين في الحفل لم يتطرق أحد منهم إلى السبب الرئيسي لمشكلة التهريب (الهجرة)، وهي غياب العدالة في سوق العمل (وقبل سنة كتبتُ مقالاً عن قضية الهجرة ونشرتُه في هذا المركز المبارك، فمن أراد فليراجعه). ومن أغرب ما شاهدتُ في هذا المؤتمر أن خطاب المسؤولين كان فارغًا لا يمس القضية بعمق، فضلاً عن التحدث في حلها، والله المستعان.

✍️✍️عبدالرحمن معلم عبدالله (دلجر)

زر الذهاب إلى الأعلى