أثارت قضايا الأراضي في مقديشو في السنوات الأخيرة جدلًا واسعًا حول حدود سلطة الدولة في التصرف في الأراضي، وحقوق المواطنين، ولا سيما الفقراء والمستضعفين، في أملاكهم، وما يُرفع في مقابل ذلك من شعارات «المصلحة العامة» و«التطوير والتحسين». ومن هنا تبرز الحاجة إلى النظر في هذه القضية بميزان الشريعة الإسلامية التي أقرت حق الملكية، وأجازت للدولة التصرف للمصلحة العامة ضمن شروط وضوابط تمنع الظلم والاعتداء.
فقد أقر الإسلام للإنسان حق الملكية، وجعل أمواله وأملاكه مصونة لا يجوز الاعتداء عليها بغير حق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15]. ومن أوضح الأدلة على ثبوت ملكية الأرض قول النبي ﷺ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ»، وفي الحديث الآخر: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا».
فمتى ثبتت ملكية الأرض بسبب مشروع، من إحياء أو شراء أو إرث أو هبة، وجب احترامها وصيانتها. وبناءً عليه، إذا ثبت أن أرضًا مملوكة لمواطنين صوماليين ملكية شرعية صحيحة، توارثوها عن آبائهم وأجدادهم، أو ملكوها بسبب مشروع، فلا يحق لرئيس الجمهورية ولا لمحافظ بنادر ولا لغيرهما أن يمنحها أو يبيعها لتاجر أو مسؤول أو نائب؛ لأن ذلك تصرف في ملك الغير بغير حق.
ومجرد صدور وثيقة منح أو تخصيص من جهة لا تملك الأرض أصلًا لا ينقل ملكيتها الشرعية، ولا يجوز أن تكون تلك الوثيقة ذريعة لهدم مساكن الفقراء، سواء أكانت بيوتًا من الصفيح أم أكواخًا أم غير ذلك؛ فالفقر لا يسقط حق الإنسان في ملكه، وبساطة البناء ليست مسوغًا لنزع الأرض منه، كما أن ضيق الطرق أو عشوائية التخطيط لا يبطلان أصل الملكية الثابتة.
فالملكية تتعلق بثبوت الحق في الأرض، لا بغنى صاحبها أو فقره، ولا بنوع البناء القائم عليها. ويمكن للدولة معالجة الأحياء العشوائية وتنظيم طرقها وتطويرها مع حفظ حقوق أصحابها؛ أما تحويل مشكلة التخطيط والعمران إلى مسوغ لإسقاط الملكية فهو خلط بين أمرين مختلفين.
والوثيقة الجديدة لا تجعل ملك الغير ملكًا لمن صدرت باسمه إذا كان حق المالك الأول ثابتًا؛ فكما أن العقود لا تصحح ما كان محرمًا في أصله، فإن الأوراق والتوقيعات اللاحقة لا تجعل بيع ملك الغير صحيحًا ما لم تنتقل الملكية عن صاحبها بطريق مشروع.
ومن هنا فإن انتزاع أملاك الضعفاء تحت اسم «المصلحة العامة»، أو هدم مساكنهم تحت شعار «التطوير والتحسين»، لا يصبح مشروعًا بمجرد تغيير الاسم. وقد دلَّت السنة على أن التحايل لا يغيّر حقيقة المحرم؛ فلما حرَّم الله على اليهود الشحوم تحايلوا عليها، فأذابوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها، فقال النبي ﷺ: «قاتل الله اليهود، إن الله لما حرَّم عليهم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه».
فالعبرة بحقائق الأفعال لا بأسمائها؛ فالغصب لا يصبح حلالًا بتسميته تطويرًا، وأكل أموال الناس بالباطل لا يصبح عدلًا بمجرد تسميته مصلحة عامة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]، وقال سبحانه: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
وأكد النبي ﷺ هذه الحرمة فقال: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» متفق عليه، وقال ﷺ: «ألا لا تظلموا، ألا لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه». وخص الاعتداء على الأرض بوعيد شديد فقال ﷺ: «مَن أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا فإنه يُطوَّقه يوم القيامة من سبع أرضين» متفق عليه.
وقال الإمام الشافعي: «الناس مسلطون على أموالهم، ليس لأحد أن يأخذها ولا شيئًا منها بغير طيب أنفسهم، إلا في المواضع التي تلزمهم». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والرجل أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين». وقال إمام الحرمين: «القاعدة المعتبرة أن المُلَّاك مختصون بأملاكهم، لا يزاحم أحد مالكًا في ملكه من غير حق مستحق».
وبناءً على ذلك، لا يجوز إجبار صاحب الأرض على بيعها أو التنازل عنها تحت ضغط الهدم أو السلاح أو النفوذ؛ لأن الرضا المعتبر شرعًا لا يتحقق بالإكراه. ومن ثم فإن كل بيع وقع في مقديشو في مثل هذه الظروف يستوجب المراجعة والنظر في حقيقة الاختيار والرضا الذي قامت عليه المعاملة.
نزع الملكية والمصلحة العامة
نزع الملكية الخاصة للمصلحة العامة أمر معروف في الفقه الإسلامي بضوابطه، وقد جاء في الموسوعة الفقهية: «للدولة الحق في نزع الملك استثناءً للمصلحة العامة…». غير أن هذا الحق ليس مطلقًا، وإنما يشترط فيه أن يكون النزع لتحقيق منفعة عامة حقيقية، وأن تدعو إليه ضرورة أو مصلحة عامة معتبرة شرعًا، وأن يُدفع إلى صاحب الملك تعويض مسبق عادل.
وهذه الضوابط هي الميزان الذي ينبغي أن توزن به عمليات نزع الأراضي في مقديشو في عهد الرئيس حسن شيخ محمود. فلا يكفي وصف المشروع بأنه «تطوير» أو «تحسين» أو «مصلحة عامة»، بل ينبغي أن يُسأل: هل تحققت منفعة عامة حقيقية؟ وهل وجدت ضرورة أو مصلحة معتبرة؟ وهل حصل أصحاب الأراضي على تعويض مسبق عادل؟ وهل انتقلت الأرض فعلًا إلى منفعة عامة، أم أصبحت هذه المصطلحات وسيلة لنقل أملاك الفقراء والمستضعفين إلى أصحاب المال والنفوذ؟
فإذا تحققت شروط نزع الملكية كان للنزع حكمه الشرعي. أما إذا وقع هدم أو إخلاء أو تصرف في أرض مملوكة دون مراعاة هذه الضوابط والحقوق القانونية لأصحابها، فإن ذلك يستوجب تحقيقًا قضائيًا مستقلًا، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته، أيًّا كان منصبه، ومراجعة الاستثمارات والمنشآت المقامة على الأراضي التي يثبت قضائيًا أنها مغصوبة، ورد المظالم إلى أصحابها وجبر ما لحق بهم من أضرار مادية ومعنوية.
والسلطة في الإسلام أمانة وليست ملكية، قال النبي ﷺ: «إن شر الرعاء الحُطَمة» رواه مسلم، وقال ﷺ: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» رواه مسلم.
ومن هنا فإن على الرئيس حسن شيخ محمود، بوصفه رئيس الدولة، وعلى محافظ بنادر وكل من تولى مسؤولية عامة، واجب صيانة أراضي المواطنين وحقوقهم، ولا سيما الفقراء والمستضعفين، وضمان التحقيق العادل والمستقل في كل أرض متنازع عليها. وإذا ثبت أن بناءً أُقيم على أرض مغصوبة، فإن ارتفاعه وكثرة الأموال التي أنفقت عليه لا تنشئ لصاحبه حقًا في ملك غيره؛ وقد جاء في الحديث: «ليس لعرق ظالم حق».
وروى أبو داود في قصة من غرس في أرض غيره أن النبي ﷺ «قضى للرجل بأرضه، وقضى للآخر أن ينزع نخله»، فكان ثبوت حق صاحب الأرض مقدمًا على ما أحدثه المعتدي فيها. .. فيها فلقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث ،{ أن رجلا غرس في أرض رجل من الأنصار ، من بني بياضة ، فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للرجل بأرضه ، وقضى للآخر أن ينزع نخله . قال : فلقد رأيتها تضرب في أصولها بالفؤوس ، وإنها لنخل عم } . .
كما يجب على التجار وأصحاب النفوذ ألا يكونوا أعوانًا على غصب الأراضي أو التعدي عليها، قال تعالى : ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]. فالمظالم لا تزول بتغيير الأوراق والأسماء، ولا بقوة النفوذ والسلطان، وإنما تبرأ الذمة برد الحق إلى صاحبه والتحلل من مظلمته.
قال رسول الله ﷺ: «من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها» رواه البخاري، وقال ﷺ: «لتؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقتصَّ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» رواه مسلم.
إن الإسلام لا يمنع تطوير مقديشو، ولا يعارض تنظيم أحيائها وتحقيق المصلحة العامة فيها، ولكنه يجعل العدل وصيانة الحقوق أساسًا لذلك. فلا مصلحة عامة حقيقية تقوم على ظلم الأفراد، ولا تطوير مشروع يقوم على غصب الأراضي، ولا يملك مسؤول أن يتصرف في أملاك المواطنين كما يتصرف المالك في ملكه الخاص.
وحماية ملكية الناس، ولا سيما الفقراء والمستضعفين، ليست عائقًا أمام التنمية، بل هي جزء من المصلحة العامة نفسها؛ لأن الدولة التي تريد بناء مقديشو مستقرة ومتطورة لا يمكن أن تبني عمرانها على خوف أصحاب البيوت من فقدان بيوتهم، ولا أن تحقق التنمية بإهدار الحقوق التي جاءت الشريعة بحفظها.
ومن هنا فالقضية في عهد رئيس الحالي حسن شيخ محمود ليست اختيارًا بين تطوير مقديشو وحماية الملكية الخاصة؛ إذ تستطيع الدولة أن تطور المدينة وتحفظ حقوق أهلها في الوقت نفسه. وإنما السؤال الحقيقي هو: هل يجري التطوير في إطار العدل والشفافية واحترام الملكية والتعويض المشروع، أم يدفع الفقراء ثمنه بينما تنتقل المنافع والأملاك إلى أصحاب المال والنفوذ؟
فالحق لا يصير باطلًا بضعف صاحبه أو ببساطة بيته، والباطل لا يصير حقًا بقوة صاحبه السياسية أو المالية، والملكية الثابتة لا تمحوها وثيقة باطلة ولا نفوذ صاحب مال ولا سلطان مسؤول؛ وإنما الميزان هو ثبوت الحق والعدل، ورد المظالم إلى أهلها.
بقلم: علي أحمد محمد المقدشي





