بين المعرة وفلورنسا سؤال لا جواب له

منذ عقود طويلة، والباحثون يتعاملون مع السؤال نفسه كما لو أنه لغز أدبي عصي على الحل. هل عرف دانتي أبا العلاء المعري؟ وهل وصلت «رسالة الغفران» إلى الشاعر الإيطالي قبل أن يشرع في كتابة «الكوميديا الإلهية»؟ حتى اليوم لا جواب حاسما.
المسافة الزمنية بين الرجلين ليست قصيرة. نحو قرنين يفصلان بين صاحب «رسالة الغفران» وصاحب «الكوميديا الإلهية». لكن المسافات في تاريخ الأفكار لا تقاس دائما بالسنوات. فكم من فكرة عبرت البحار، وكم من كتاب وصل إلى قارئ لم يكن مؤلفه يتخيل وجوده.
أنصار التأثير لا يرون في الأمر لغزا كبيرا. رحلة إلى العالم الآخر هنا، ورحلة إلى العالم الآخر هناك. شخصيات تاريخية تستعاد للمحاسبة أو المكافأة. وجنة ونار وأسئلة كبرى عن المصير الإنساني. ثم هناك الأندلس وصقلية، ذلك الجسر الطويل الذي عبرت فوقه علوم، وفلسفات، وآداب من الشرق إلى الغرب. فلماذا لا تكون «رسالة الغفران» واحدة من المسافرين؟

أما المتحفظون فيرفعون إصبع الاعتراض. أين الدليل؟ لا مخطوطة، ولا رسالة، ولا شهادة معاصرة تقول إن دانتي قرأ المعري. والتشابه، مهما اتسعت مساحته، لا يتحول تلقائيا إلى إثبات. فالأدب مليء بالأفكار التي تشبه بعضها بعضا من دون موعد سابق بينها.
وهكذا بقي السؤال معلقا بين الاحتمال واليقين. كلما تقدم فريق بحجة، تقدم الفريق الآخر بحجة مقابلة. وكلما بدا أن الخيط اقترب من النهاية، عاد لينقطع في منتصف الطريق.
ولعل هذا هو سر بقاء القضية حية. فالأسرار المحلولة تفقد بريقها بسرعة، أما الأسرار التي ترفض الاستسلام فتعيش طويلا. والمعري ودانتي يعيشان منذ قرون في هذا المكان بالذات: بين التشابه الذي لا يمكن إنكاره، والدليل الذي لم يظهر بعد.
أحدهما خرج من معرة النعمان، والآخر من فلورنسا. وبين المدينتين بحر، وتاريخ ، ولغات ، وقرون. لكن بينهما أيضا سؤال لم ينجح أحد في كبحه حتى الآن. هل وصل صوت المعري إلى دانتي؟ ربما. هل نملك ما يثبت ذلك؟ ليس بعد. ولهذا يبقى السؤال قائما، ويظل الجدل مستمرا. وربما كان السؤال نفسه أكثر إثارة من الجواب.

عبد الرحمن غوري

عبدالرحمن غوري باحث في الأدب والفلسفة
زر الذهاب إلى الأعلى