فإن مما ملأ العقلانيون الآفاق مسألة الترحم على موتى الكفار، وذهبوا إلى جوازها بل استحبابها، ضاربين عرض الحائط بآيات القرآن الكريم التي تنهى عن الاستغفار للمشركين بعد موتهم، والأحاديث النبوية التي وردت في شأن ذلك، وإجماع أهل العلم، ولهم في ذلك شبه ظنوا فيها أدلة واعتراضات لا تقوى أمام العوام بفطرهم، فضلا عن طالب العلم، فضلا عن عالم يفهم الأدلة الشرعية ويعرف ناسخها من منسوخها، ومجملها من مفصلها، ويعرف الخاص من العام، والمطلق من المقيد.
فبما أننا في زمن اشتدت غربة الإسلام، وصار المتمسكون بدين الله غرباء بين أهلهم وأمتهم، إلا أن ما يتفوه به هؤلاء من بعد عن الشريعة، وتنقيص للدين، وتعدّ على الله، قالوا: يجوز الترحم على الكفار بدعوى أن رحمة الله وسعت كل شيء، وقالوا: أنتم تضيقون رحمة الله، ونذكر أولا حرمة الترحم على الكفار بعد موتهم من الكتاب والسنة والإجماع ، ثم نذكر شبههم ونرد عليها بإذن الله.
الأدلة من القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾.[1].
ووجه الدلالة في هذه الآية: نهى الله عن الاستغفار للمشركين بعد موتهم ولو كانوا أقرباء للمسلمين، فمن باب أولى يحرم الاستغفار لمن هو بعيد عنهم نسبا وموطنا.
وقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾[2].
وجه الدلالة: أن الله نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على موتى الكفار – والصلاة على الميت تقتضي الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة – والقيام على قبره؛ لعلتين:
العلة الأولى: أنهم كفروا بالله ورسوله.
العلة الثانية: أنهم ماتوا وهم فاسقون، أي خارجون عن طاعة الله.
قوله تعالى: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾[3].
وجه الدلالة: أن الله أوضح أن إبراهيم كان يستغفر لأبيه حتى مات ثم تبرأ منه، وسنوضح لاحقا المقصود من قوله: ﴿من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ وقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾، في أن تلك البينة هي موتهم على الكفر، في معرض تفنيد الشبه إن شاء الله.
قوله تعالى: ﴿إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك﴾[4].
وجه الدلالة: أن الله أمرنا أن نقتدي بإبراهيم عليه السلام في البراءة من الكفار وعداوتهم وبغضهم، إلا في الاستغفار لأبيه.
قوله تعالى: ﴿رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنًا وللمؤمنين والمؤمنات﴾[5].
وجه الدلالة: أن نوحا عليه السلام خص الدعاء لنفسه ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات من أمته، فلم يستغفر للمشركين من أمته، فهذا يدل على أن الدعاء بالمغفرة والرحمة للموتى خاص بالمؤمنين.
من السنة:
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: لما تُوفِّي أبو طالب، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إن عمك الشيخ الضال قد مات، فمن يواريه؟ قال: اذهب فواره، ثم لا تحدث شيئًا حتى تأتيني، فقال: إنه مات مشركا، فقال: اذهب فواره. قال: فواريته ثم أتيته، قال: اذهب فاغتسل ثم لا تحدث شيئا حتى تأتيني. قال: فاغتسلت ثم أتيته، قال: فدعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بها حمر النعم وسودها. قال: وكان علي إذا غسل الميت اغتسل[6].
وجه دلالة الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا رضي الله عنه أن يواري أباه أبا طالب، ولم يقل له: ترحم عليه أو ادع له، وهو من هو أبو طالب في الدفاع والذود عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجز الدعاء له فغيره لا يجوز الدعاء له من باب أولى وأحرى.
وأيضًا هذا الحديث فيه دلالة قوية على إحياء الولاء والبراء، فعلي رضي الله عنه يقول عن أبيه: الشيخ الضال، ويقول إنه مات مشركًا، فهذا تطبيق عملي لمعنى الولاء والبراء.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت»[7].
ووجه دلالة الحديث: في نهي الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار لأمه، فإن لم يجز لها الاستغفار فغيرها لا يجوز لها ذلك من باب أولى وأحرى.
الإجماع
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع[8].
وقال النووي: وأما الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة فحرام بنص القرآن والإجماع[9].
أما شبههم فهي كما يلي :
الشبهة الأولى: أن رحمة الله واسعة كما قال تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾، فلذلك يجوز الترحم عليهم، وهي جائزة عليهم بخلاف المغفرة؛ لأن المنهي عنه هو الاستغفار لهم.
والرد على هذه الشبهة من وجوه :
الوجه الأول: أن هذه الرحمة قد خصصت للمؤمنين كما يظهر من الآيات التي بعد هذه الآية؛ لأن الله قال بعدها: ﴿فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾
ووجه الدلالة: علم قطعا أن المراد بهم المؤمنون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن اليهود والنصارى لم يتبعوا النبي الأمي صلى الله عليه وسلم، فهذا دليل أن هذه الرحمة مخصصة للمؤمنين من هذه الأمة أو مقيدة بهم.
الوجه الثاني: يلزمهم أن يترحموا على إبليس على هذا الإطلاق ، وكما روي في الآثار عن السلف أن إبليس قال: أنا من الشيء، فنزعه الله منه وجعلها خاصة بالمؤمنين بمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
الوجه الثالث: أن هذا التقسيم بين الرحمة والاستغفار محدث مخترع، وهو مناف للعقل قبل الشرع؛ لأن الذي يُترحم عليه ماذا تفيده الرحمة إن لم يغفر الله له؟
الوجه الرابع: قد تواترعن السلف أن هذه الرحمة خصصت للمؤمنين.
عن ابن عباس: أنه قرأ: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون﴾. قال: جعلها الله لهذه الأمة[10].
قال أبو بكر الهذلي: نزعها الله عن إبليس، وعن اليهود، وجعلها لهذه الأمة[11].
قال ابن جريج: جعلها لأمة محمد[12].
قال قتادة: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾، فهو نبيكم، كان أميًا لا يكتب صلى الله عليه وسلم[13].
الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾.[14].
ووجه الدلالة: نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على من كفر بالله ورسوله، وصلاة الجنازة على الميت فيها دعاء: اللهم اغفر له وارحمه، وقد نهى الله عنه، فدل على أن الترحم على الكفار منهي عنه بمفهوم هذه الآية.
الشبهة الثانية: أن التبين في قوله تعالى: ﴿من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾، وقوله تعالى: ﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾، هو في الآخرة، عندما يتبين أنهم في النار، أما قبل ذلك فيجوز الاستغفار لهم.
وممن قال ذلك الدكتور عدنان إبراهيم، حيث قال في مقطع له على اليوتيوب: “كما روى عبد الرزاق في مصنفه، وكذلك ابن أبي شيبة: توفي نصراني وكان ابنه مسلما، فولى ابنه أو وكل ابنه أمره إلى أهل دينه، ما يغسله وما يكفنه ولا يصلي عليه صلاتهم، خلي النصارى يفعلونه، أنا مالي علاقة، أنا مسلم. فبلغ ابن عباس، فقال ابن عباس: ما عليه لو أنه جهزه، كأنه قال: واستغفر له، ثم تلا ابن عباس قول الله تعالى: ﴿وما كان استغفار إبراهيم﴾”[15].
أقول: هل حقًّا هذا الأثر يؤيد ما يدعيه عدنان، وهو أن ابن عباس قال للرجل: استغفر لذلك النصراني الميت؟ لنذهب إلى مصنف عبد الرزاق:
روى عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة، عن أبي سنان، عن سعيد بن جبير قال: توفي أبو رجل وكان يهوديًا، فلم يتبعه ابنه، فذكر ذلك لابن عباس، فقال ابن عباس: «وما عليه لو غسله، واتبعه، واستغفر له ما كان حيًّا»، يقول: دعا له ما كان الأب حيًّا. قال: ثم قرأ ابن عباس: ﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾، يقول: «لما مات على كفره»[16].
أولا : الرجل يهودي كما يظهر في الأثر وليس نصراني كما ذكرعدنان ابراهيم .
ثانيا :قد حذف عدنان إبراهيم قيدا مهمّا في الأثر، وهو قول ابن عباس: «واستغفر له ما كان حيّا»، فترك هذا القيد وأوهم المشاهد والسامع له أن ابن عباس أمر بالاستغفار لذلك النصراني الميت، فهذا يعني أن الاستغفار جائز، بينما الأمر خلاف ذلك، فابن عباس قيد الاستغفار ما دام أنه حي، وليس بعد موته، فهذه خيانة علمية وفضيحة، وهذا يدل على تعمد عدنان إبراهيم مخالفة السلف من الصحابة واتباع هواه، ولم يكتف بذلك، بل تلاعب بآثارهم ليخدع متابعيه والمغترين به الذين يحسبون له ألف حساب.
ولننظر إلى الأثر الآخر لابن أبي شيبة:
روى ابن أبي شيبة حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن ضرار بن مرة، عن سعيد بن جبير، قال: مات رجل نصراني وله ابن مسلم، فلم يتبعه، فقال ابن عباس: «كان ينبغي له أن يتبعه، ويدفنه، ويستغفر له في حياته»[17].
فانظر يا أخي المسلم أن ابن عباس يقيد الاستغفار للكافر في حياته، بخلاف ما ادعى عدنان إبراهيم، فلو نقل عدنان النص الكامل لكلا الأثرين لهدم مذهبه القائل بأنه يجوز الاستغفار للكفار بعد موتهم، لكنه حذف هذا القيد المهم الذي هو الفيصل.
وأنا لا أتعجب من جرأة أمثال عدنان على تحريف الآثار وإيهام السامع خلاف الحقيقة، وإنما أتعجب من معجبيه ومتابعيه الذين يدّعون أنهم عقلانيون، وهم لا يبحثون حتى فيما يملي عليهم شيخهم، ولا يسألون أسئلة عقلية، ولا يضحكون من تناقضاته المستمرة، بينما يدّعون أن في القرآن الكريم والأحاديث النبوية تناقضًا بينًا. لعمري، هذا هو الضلال المبين والخسران العظيم.
وقال عدنان إبراهيم في معرض كلامه في جواز الاستغفار للمشركين بعد موتهم: أ”نا بدي خبر من السماء أن فلانًا من أهل النار، انتهينا، يعني أبو لهب منصوص في كتاب الله… ما قدرتش أستغفر له”[18].
قلتُ: تقييده معنى التبين بمن تبين لنا بالأعيان أنهم من أهل النار، مثل أبي لهب، يلزم منه جواز الترحم على حاشية فرعون ووزرائه الآخرين وحجابه؛ لأن الله لم يذكر أشخاصهم وأعيانهم أنهم في النار كما ذكر فرعون وهامان، ويلزم كذلك جواز الترحم على الذين آذوا الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن أغلبهم لم يعينوا بأنهم من أهل النار، وهذا مما لا يقوله مسلم.
ثانيًا: ما هي علة عدم الاستغفار للمشركين بعد موتهم عند عدنان إبراهيم؟ هل هي أن يكون ممن عين بأنه من أهل النار؟ فأقول حينئذ:
إما أن لا يترحم على الشخص لكونه إنسانا أو عاقلا، أو كافرًا، أو لكونه معينًا بأنه من أهل النار.
فعلة الكفر عديمة التأثير عنده إلا مقرونة بأنه معين بأنه من أهل النار، وهذا إضافة إلى العلة ما ليس منها، فعلل بما لم يعلله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يطالب الناس باتباع قوله، ويصف من اتبع كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بأنه يضيق رحمة الله.
ونحن لا نحتاج إلى تنقيح المناط، وتنقيح المناط يذهب إليه الأصولي فقط عندما تختلط أوصاف غير مناسبة، فيهذبها وينقحها المجتهد، فيلغي الأوصاف غير المناسبة، وإنما هنا نحتاج إلى تحقيق المناط، وهو: هل مات الرجل كافرًا؟ لأن العلة هي كونه كافرًا، وليس كونه معينًا بأنه من أهل النار، وإضافة ما ليس من العلة إلى العلة لا يجوز.
قال عدنان إبراهيم: “إن بدا لنا أنه إنسان طيب، سمح، مسالم، متساهل، ولم تبلغه الحجة الرسالية على النحو الذي يقطع ونقطع معه أنه حصل له اليقين وجحد وكابر، فهذا ما حصل”[19].
أقول: هنا يخلط الدكتور بين فهم الحجة وإقامة الحجة.
والشرط هو قيام الحجة، وليس فهمها، ومما يدل على أنه يقصد فهم الحجة قوله: «حصل له اليقين وجحد»، والجاحد هو من فهم المراد ثم عاند وكابر.
ومعنى قيام الحجة هو بلوغ القرآن، كما قال تعالى: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا﴾[20]، فكفر الله بقيام الحجة عليهم وهم لا يسمعون ولا يعقلون، ومع كونهم لم يفهموا الحجة، فأين هذا ممن يعاندها بعد أن يفهمها؟
وقوله تعالى: ﴿وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾[21].
ووجه الدلالة: أن الله أوحى إلى نبيه أنه ينذر بعذاب الله، ومن بلغه القرآن فقد أنذره النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾[22]، أي: الحجة هي بعثة الرسل، وليس فهم حجة الله.
وقوله صلى الله عليه وسلم:” والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ، لا يهودي ولا نصراني ، ولم يؤمن بالذي ارسلت به ، إلا كان من أصحاب النار” [23].
فقيد النبي صلى الله عليه وسلم قيام الحجة التي يدخل بها اليهود والنصارى النار بسماع دعوته صلى الله عليه وسلم، وليس بفهمها.
والسلف يشترطون قيام الحجة في بلوغ القرآن الكريم:
قال ابن عباس: «ومن بلغه هذا القرآن فهو له نذير»[24].
وقال ابن زيد: «فمن بلغه القرآن، فرسول الله صلى الله عليه وسلم نذيره»[25].
وقال مجاهد: «حيثما يأتي القرآن فهو داعٍ، وهو نذير»[26].
وقال محمد بن كعب القرظي: «من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم»[27].
ما هو المراد بالتبين عند السلف؟
المراد بالتبين عند السلف الصالح رضوان الله عليهم هو موت الكافر على كفره، فحينئذ يكون عدوًّا لله.
قال حبر الأمة ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عباس: «ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدو لله»[28].
وقال مجاهد: ﴿فلما تبين له أنه عدو لله﴾، قال: موته وهو كافر[29].
وقال الضحاك: كان إبراهيم صلوات الله عليه يرجو أن يؤمن أبوه ما دام حيًّا، فلما مات على شركه تبرأ منه[30].
وقال قتادة: لما مات على شركه تبرأ منه.[31].
الشبهة الثالثة: يجوز الدعاء بالمغفرة للكافر بما دون الشرك.
وهذه الشبهة أخذها بعض المعاصرين بعد قراءتهم لبعض أصحاب الحواشي الشافعية، مثل القليوبي والبرماوي، وممن كرر هذه الدعوى وضخمها الدكتور معتز الخطيب في عدة مقالات له نُشرت على موقع الجزيرة.
قال الدكتور: “وإذا عدنا إلى كتب المذهب، نجد بعض أئمة الشافعية ينصون على أنه يجوز الدعاء للكافر بأمر أخروي وبالمغفرة والرحمة؛ خلافًا لما أوهمه كلام النووي من إطلاق القول بالتحريم، كما نجد مثلًا لدى الخطيب الشربيني {977 هـ}، وأحمد سلامة القليوبي {1069 هـ}، وإبراهيم البرماوي {1106 هـ}، وسليمان البجيرمي {1221 هـ}[32]أقول أولا: المعتمد في المذهب الشافعي ما اتفق عليه الرافعي والنووي.
وثانيا: إذا اختلف الشيخان يُقدم ترجيح النووي.
قال ابن حجر الهيتمي: “وهكذا أن المعتمد ما اتفقا عليه، أي ما لم يجمع متعقبو كلامهما على أنه سهو، وأنى به… فإن اختلفا فالمصنف أي (النووي) .[33].
وثالثا: أصحاب الحواشي ليسوا من أصحاب الوجوه، وإذا خالف أحدهم ترجيح النووي فالنووي مقدم عليهم، ومقدم على الرافعي الذي هو قبل النووي وقبلهم، فكيف والنووي رحمه الله ينقل في هذه المسألة الإجماع، وليس قولًا فقط؟
قول الدكتور: “خلافًا لما أوهمه كلام النووي من إطلاق القول بالتحريم”.
أقول:
أولا: الله قد أطلق التحريم على الاستغفار للمشركين، وليس النووي رحمه الله، وكأنك تريد محاكمة النووي بكلام أصحاب الحواشي، ثم إن تقسيم الاستغفار إلى ما هو شرك وإلى ما هو دون الشرك تقسيم محدث ليس له دليل إلا كلام بعض أصحاب الحواشي، وقول العالم يُستدل له ولا يُستدل به، وأن المعتمد في المذهب الشافعي هو هذا الإجماع الذي نقله الإمام النووي رحمه الله، وهي حرمة الاستغفار للمشركين بعد موتهم، بل وهذا إجماع المسلمين.
ثانيًا: كما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان اليهود يتعاطسون عند النبي صلى الله عليه وسلم يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله، فيقول: «يهديكم الله ويصلح بالكم»[34]، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وجهُ دلالةِ الحديث: أنه لو كانت الرحمةُ جائزة لليهود، لما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو أرحمُ الخلقِ بالخلق ـ من الدعاء لهم بها. وهذا في الدنيا وهم أحياء، حيث يمكن أن يُسلموا، بخلاف الميتِ على كفره، الذي انقطع عملُه. فمن باب أولى عدمُ جواز الترحم عليهم بعد أن ماتوا على الكفر.
وهذا الحديث من أصرح الأدلة في تخصيص الرحمة بالمؤمنين.
ولم يبق للدكتور وممن حذا حذوه إلا أن يقال لهم:
هل أنتم أرحم من النبي صلى الله عليه وسلم، حيث لم يترحم على اليهود الذين تعمدوا العطاس حتى ينالوا دعاء النبي لهم بالرحمة؟
فإن قلتم: نعم، كفرتم.
وإن قلتم: لا.
فيقال لكم: ألا يسعكم ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فعُلم أنكم تتعمدون المخالفة لله ورسوله ولسَبيل المؤمنين.
ثالثًا: ليس لمعتز الخطيب أيُّ دليل من كتاب أو سنة أو إجماعٍ، أو حتى قياس صريحٍ، أو حتى دليلٍ عقليّ، في التفريق بين جواز المغفرة لما هو شركٌ وما هو دون الشرك. فوجد تعليقاتِ بعض أصحاب الحواشي الذين يفرِّقون في الاستغفار بين الشرك وغيره، فأراد معتز الخطيب أن ينطح الجبل بكلام لا دليل له عليه، وكأنه يقول في نفسه: ليتكم كنتم وجوهًا في المذهب الشافعي، لقلتُ حينها إن الاستغفار للمشركين وجهٌ عند الشافعية.
ومن غاص في كلامه وتعمق فيه فهم ذلك، مثل قوله: «خلافًا لما أوهمه النووي»، فهو يريد أن يجعل كلمات الرجال نصوصًا قاطعةً ينقض بها إجماع المسلمين، بل قد نقض قبل ذلك الآياتِ والأحاديثَ والآثارَ الواردةَ عن السلف.
رابعًا: أن أمثال هؤلاء يشاقون الله، وذلك أن الله يقول: ﴿إن الذين ماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾[35]، وهؤلاء يقولون: لا يا رب، ليسوا ملعونين، بل هم مرحومون يا رب.
خامسًا: أن الله نهى نبيه أن يستغفر لأمه، كما في حديث أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي»
والحديث بمنطوقه ومفهومه يدل على عدم إذن الله لوالدته في الاستغفار لها بعدما ماتت، فلماذا لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: أستغفر لها فيما دون الشرك؟
وهل هناك أحد أولى بالاستغفار من أم النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاز الاستغفار لمن مات على الشرك؟
سادسًا: أن الأصل في العام أن يبقى على عمومه ما لم يأت ما يخصصه.
فنقول إذًا: تحريم الاستغفار للمشركين عام، أما تخصيصه بجواز الاستغفار لبعضهم في ما هو دون الشرك تحكم على الدليل ، فنريد منهم أن يأتوا بدليل مخصص، وأنى لهم ذلك؟
فليس لدى الدكتور إلا كلام الرجال، وهذا ليس بحجة، فإن كل أحد يستطيع أن يقول برأيه.
المراجع
1/ سورة التوبة الآية 113.
2/ سورة التوبة الآية 84.
3/ سورة التوبة الآية 114.
4/ سورة الممتحنة الآية 4.
5/ سورة نوح الآية 28.
6/ أخرجه أبو داود برقم 3214.
7/ أخرجه مسلم في صحيحه برقم 976.
8/ مجموع الفتاوى 12/ 489.
9/ المجموع شرح المهذب 5/ 144.
10/ أنظر: تفسير الطبري 10/ 484.
11/ أنظر: ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1579.
12/ تفسير الطبري 10/ 483.
13/ تفسير الطبري 10/ 485.
14/ سورة التوبة الآية 114.
15/ https://youtu.be/SpsesQkuiOc?si=_JgyvdH2wfQKjwIb
16/ أخرجه عبد الرزاق في مصنفه برقم 9937.
17/ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم 11847.
18/ https://youtu.be/fZjtxNRUhzw?si=js84qsa5Qb7nwj8a
19/https://youtu.be/fZjtxNRUhzw?si=js84qsa5Qb7nwj8a
20/ سورة الفرقان الآية 44.
21/ سورة الأنعام الآية 19.
22/ سورة النساء الآية 165.
23/ أخرجه مسلم برقم 153.
24/ تفسير الطبري 9/ 182.
25/ تفسير الطبري 9/ 184.
26/ تفسير الطبري 9/ 182.
27/ تفسير الطبري 9/ 181.
28/ أنظر: ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1894.
29/ ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1895.
30/ تفسير الطبري 12/ 31.
31/ ابن كثير في تفسيره 4/ 161.
32/ الدعاء لغير المسلم بالرحمة والمغفرة | سياسة | الجزيرة نت https://share.google/0zjuKGQwQ5sQMGJtq
33/ تحفة المنهاج في شرح المنهاج، ابن حجر الهيتمي، 1/ 38.
34/ رواه الترمذي برقم 2739.
35/ سورة البقرة الآية 161.





