رحلة الصومال نحو جامعة الدول العربية: الدوافع والأهداف

الواقع أن انتماء الصومال إلى نظام اقليمي خارج نطاقه الجغرافي المباشر، ظل يشكل منذ الاستقلال ضرورة قصوى  للحفاظ على كيانه ، والدفاع عن وحدته وسيادته على المدى الطويل؛ لأن الصومال بلد قليل السكان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي، وفي محيط أفريقي  مكتظ بالسكان  لا يكن له على الأقل ودا، الأمر الذي يدفعه دائما إلى البحث عن تحالفات وتوازنات اقليمية.

 سلكت الحكومات الصومالية التي جاءت إلى السلطة بعد الاستقلال عام 1960م ، مسارات متعددة، من أجل الالتحاق بأي تكتل اقليمي لا تهيمن عليه إثيوبيا أو لا تأثير لها فيه، مثل جامعة الدول العربية؛  اعتقادا منها أن مثل هذ الانتماء يمكن من شأنه أن يعزز الروابط الدينية والثقافية بين الجانبين، وأن يحدث توازنا في معادلة العلاقة مع الدول الإفريقية. كما أنه يمكن أن يساهم في توسيع نطاق خياراتها الدبلوماسية ، وتنويع مصادرها الاقتصادية. وكذلك تطلع الصومال إلى الحصول  على تأييد سياسي، ودعم عسكري عربي مباشر وغير مباشر في نزاعه مع جارتيه إثيوبيا وكينيا اللتين تتفوقان عليه عسكريا واقتصاديا،  تطبقيا لمعاهدة مجلس الدفاع العربي المشترك التي أنشئت في 13  أبريل عام 1950  والتي نصت على  “أن تعتبر الدول المتعاقدة كل اعتداء مسلح يقع على أية دولة أو أكثر منها أو على قواتها اعتداء عليها جميعا”[1].

 مع ذلك، لم يحدث انضمام الصومال إلى جامعة الدول العربية الا بعد  مرور أكثر من عقد على الاستقلال. أرجع البعض هذا التأخر إلى جملة من الإشكالات أبرزها اللغة،  والإنتماء العرقي باعتبار أن اللغة الصومالية ليست عربية، وأن الصومالين لا ينتمون عرقيا إلى القومية العربية[2] . بالإضافة إلى ذلك كان  في الأوساط الإعلامية والمجتمعية في الصومال جدل حول الهوية هل هي إفريقية أم عربية، وبرز مثقفون ونخب بارزون عارضوا بشدة التوجه نحو العالم العربي، وفكرة الانضمام إلى الجامعة العربية؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن هوية الصومال إفريقية محضة، وأن ارتباطهم الطبيعي ينبغي أن يكون بالقارة الإفريقية.

مهما تعدد الأراء، وتباينت المواقف، بقي ملف الانضمام إلى التكتل العربي  عنصرا شديد التأثير على  المسار السياسي للحكومات الصومالية التي تولت السلطة بعد الاستقلال، وبدأت مسيرتها نحو جامعة الدول العربية عبر خطوات تمثلت في:

  1. تبادل التمثيل الدبلوماسي مع الدول العربية الكبرى.  ومن أبرز الدول التي تبادل الصومال معها التمثيل الدبلوماسي بعد الاستقلال مباشرة، وزارها المسؤولون الصوماليون وعلى أعلى المستويات ، مصر والمملكة العربية السعودية.
  2.  قبول البعثات الأزهرية التي وصل طلائعها إلى الصومال في فبراير عام 1950، وإرسال طلاب صوماليين إلى المدارس والمعاهد المصرية والسعودية والسودانية لتجسيد الهوية الصومالية الإسلامية العربية . 
  3. لقاءات مباشرة بين المسؤولين الصوماليين وقيادات الجامعة العربية وعرض رغبة بلادهم في الانضمام إلى الجامعة. في أغسطس عام 1965 ، التقى حسن آدم القائم بأعمال سفارة الصومال بالقاهرة بالدكتور سيد نوفل الذي كان يشغل منصب الأمين العام للجامعة العربية بالنيابة، وجرى خلال اللقاء البحث عن موضوع تنسيق العلاقات مع الجامعة العربية . في حين طلب  القائم بالأعمال صورة من ميثاق جامعة الدول العربية لإرسالها إلى حكومته[3] .
  4. اطلاق حراك داخلي يدعو إلى الانضمام إلى جامعة الدول العربية. فقد تقدمت مجموعة من نواب البرلمان الصومالي عام 1965، مشروع قانون يطالب الحكومة بالسعي للانضمام إلى جامعة الدول العربية. لقد صرح ذلك الشيخ محمود محمد فارح وزير الدولة للشؤون الخارجية الصومالي الذي قام بزيارة إلى عدد من البلدان العربية عام 1965 بأن مشروعا قد عرض على البرلمان الصومالي تقدم به 25 نائبا من مجموع 113 نائبا يتألف منهم البرلمان الصومالي يطالبون بإنضمام الصومال إلى جامعة الدول العربية، مؤكدا على سعي بلاده إلى الانضمام إلى الجامعة ؛ لأنه جزء من العالم العربي[4].
  5.  المشاركة في اجتماعات جامعة الدول العربية كصفة مراقب. ومن بين هذه الإجتماعات مؤتمر وزراء الخارجية العرب المنعقد بالخرطوم في أغسطس عام 1967  وشارك فيها وفد صومالي برئاسة وزير الدفاع . إذ أكد الوفد الصومالي تأييد بلاده المطلق لقضايا العرب . وقالت السفارة الصومالية في الخرطوم في بيان لها أن الصومال يرى من واجبه المشاركة في أي قرار تخص بالمنطقة ولهذا حضر وزير الدفاع .  ونقلت صحف لبنانية أن زعماء الصومال أعربوا أثناء الاجتماع عن رغبة بلادهم في الإنضمام إلى جامعة الدول العربية[5].  كما طالبت صحف عربية  أخرى في تعليق على حضور وفد الصومال اجتماعات وزراء الخارجية الدول العربية في الخرطوم إلى قبول الصومال  عضوا في الجامعة العربية . وقالت إنه من الخطأ النظر إلى الصومال على أنه دولة غير عربية في حين أنه يعتبر نفسه دولة عربية، واقترحت إن لم يتحقق ذلك إنشاء رابطة عربية تضم الصومال ومويتانيا وغيرهما من دول إفريقيا المتأثرة بالثقافة العربية[6] .
  6. وعندما رأى الصومال أن الدول العربية غير متحمسة بقبوله عضوا في الجامعة العربية، طرح الرئيس عبد الرشيد شرماركه عام 1968 فكرة إنشاء جامعة إسلامية تضم الدول العربية والإسلامية[7]  

دول عربية لم تتحمس لفكرة الانضمام

لم تكن عدد من الدول العربية ترى مناسبا وممكنا انضمام الصومال إلى الجامعة العربية في الستينيات ، حرصا على علاقة تلك الدول مع إثيوبيا أو كينيا أو على الأقل خوفا من دعمهما لإسرائيل التي كانت في ذلك الوقت العدو الأول للدول العربية. فعلى سبيل المثال لا الحصر لم يقم الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي كان الداعم الأول للصومال إلى تشجيع الرئيس الصومالي آدم عدي على الإنضمام إلى الجامعة العربية، بل نصحه في العديد من المناسبات بتأجيل هذا الموضوع حتى تتضح وتكتمل الفكرة داخليا ، وحتى تتهيأ الظروف المناسبة في القارة الأفريقية، فقد كان يرى أنه من الضروري أن يدعم الصومال علاقاته مع دول شرق أفريقيا أولا وخاصة تنزانيا ، وكينيا قبل اتخاذ مثل  هذه الخطوة؛ لأن الصومال كان يعيش شبه عزلة سياسية، وكان عبد الناصر يرى أن انتماء الصومال إلى الجامعة العربية قبل أن تتوطد علاقاته مع جيرانه قد يزيد التناقض الموجود بينه وبين هذه الدول وتتزايد متاعبها معه[8]. وكذلك رأى بعض المراقبين العرب أن الانضمام إلى جامعة الدول العربية التي كانت تعاني من الخلافات والصراعات الداخلية ليست لصالح الصومال، وكانوا يتمنون الا تستعجل الصومال في طلب انضمامها للجامعة العربية ، وتحاول التعاون مع الدول العربية بشكل فردي، وكانوا يرون أن ذلك أخف ضررا وأكثرا نفعا[9]. وفي مقال نشرها باحث عربي على صحيفة المنار عام 1965 تحت عنوان: الصومال والجامعة العربية ،  يشرح فيها لماذا تريد الصومال الإنضمام إلى الجامعة ، وما هي  أسباب تأخر هذا الانضمام، أنقل هنا مقال الكاتب كاملا، حيث قال:  “الصومال كما تقول وكالات الأنباء تريد الانضمام إلى جامعة الدول العربية  … ولكن هناك كما يبدو عقبات تعترض تحقيق مثل هذه الرغبة وبالطبع فإن المسؤولين في الجامعة لم يكشفوا بعد الستار عن هذه العقبات،  وان كان البعض يتكهن بأن أهمها هو أن الصومال بلد إسلامي والجامعة هي جامعة عربية وحتى الآن لم  يحاول أحد التوفيق بين العروبة والإسلام، ولم يحاول أحد الانطلاق من دائرة العروبة  المحدودة إلى دائر الإسلام الواسعة . ولا شك أن رغبة الصومال في الانضمام إلى الجامعة العربية ترجع إلى أسباب كثيرة فبالإضافة إلى الشعور الإسلامي الذي يربط أو الذي يفترض أن يربط بين الصومال والدول العربية، هناك المشاكل السياسية والاقتصادية الكثيرة التي تجابهها الصومال والتي تعتقد أن الانضمام إلى الجامعة العربية يساعدها في التغلب عليها وأهم هذه المشاكل بلا جدال مشكلة النزاع على الحدود بين الصومال والحبشة وليس يدري أحد   ما إذا كانت الجامعة العربية جديرة بالآمال الجسام التي تعلقها عليها الصومال ، وإن كان المراقبون ومنهم العرب ، يظنون بأن من واجب الصومال أن تكون معتدلة في هذا الآمال بسبب طبيعة تكوين الجامعة، هذا التكوين الضعيف المهلهل الذي يهلهل العلاقات بين العرب . إن الذي يخشاه المراقبون العرب المخلصون هو أن يتمخض انضمام الصومال إلى الجامعة العربية وهي في وضعها الحالي عن نكسة وعن خيبة أمل تؤثر في المستقبل على التقارب الإسلامي وعلى توحيد جهود الدول الإسلامية تماما كما أن سير الجامعة خلال السنوات الماضية ، قد تمخض عن نكسة وعن خيبة أمل بالنسبة للتقارب العربي وتوحيد جهود الدول  العربية . وبعد فإن المراقبين العرب المخلصين يتمنوون أن تتريث الصومال في طلب انضمامها للجامعة العربية ، وأن تتعاون بدلا من ذلك مع الدول العربية منفردة ، وليس مع الدول العربية مجتمعة، هذا الاجتماع الواهي المتمثل في الجامعة العربية” [10].

الرئيس بري ودوره في رحلة الانضمام

نستطيع أن نقول أن الجهود الحقيقية لانضمام الصومال إلى الجامعة العربية بدأت في عهد الرئيس محمد سياد بري، وكان متحمسا نحو تحقيق هذا الهدف، وعيّن بعد أشهر من توليه السلطة ، عبد الله آدم أحمد الملقب بـ”عبد الله كونغو” سفيرا للقاهرة، وكلف بالعمل من أجل تحقيق أمرين: الأول  أن يبذل قصارى جهده لانضمام الصومال إلى جامعة الدول العربية. والأمر الثاني: اقناع جامعة الدول العربية  بتمول جامعة تدرس باللغة العربية في العاصمة مقديشو مشابهة لجامعة الخرطوم.  وذكر عبد الله كونغو في مقابلة صحفية بأنه نجح في المهمة الأولى. أما الثانية فكان تحقيقها ممكنا بعد زيارة وفد من الجامعة العربية إلى مقديشو ، ومنح الحكومة الصومالية أرضي شاسعة لبناء تلك الجامعة ، لكن ايطاليا عرقلت هذا المسعى ، واقنعت الرئيس سياد بري بقبول مشروع إيطالي لبناء جامعة في مقديشو وهي الجامعة الوطنية الصومالية، وبالفعل تم بناء الجامعة الوطنية في الأراضي التي منحت لجامعة الدول العربية.

اعتمد الرئيس بري للانضمام إلى جامعة الدول العربية  على استراتيجية تقوم على ركنين، الأول ، الابتعاد عن النزاعات العربية -العربية، والالتزام بمبدأ عدم التدخل في شؤون الدول العربية الداخلية التي كانت تعج بالخلافات وتباين في الرؤى، والحرص على اقامة علاقات متوازنة مع جميع التحالفات العربية؛ لأنه كان بحاجة ماسة إلى دعم جميع الدول العربية سواء الدعم المالي أو السياسي. والركن الثاني تمثل في تحقيق تعاون أفريقي- عربي لمواجهة المد الإسرائيلي في القارة السمراء رغبة منه في كسب ود العرب والتأكيد لهم بأن الصومال عامل مساعد في الصراع العربي- الإسرائيلي، وأنه قادر على أداء دور قوي في منع إسرائيل من الحصول على  مؤطئ قدم لها في إفريقيا، وسواحل القرن الإفريقي.  وقام الرئيس سياد بري مطلع السبعينات بزيارات رسمية إلى حوالي أربع وعشرين دولة إفريقية وعربية، وكان من نتائج تلك الزيارات، قطع العديد من الدول الإفريقية علاقاتها مع اسرائيل أو الإمتناع عن إقامة علاقات معها ما غير انطباع زعماء الدول العربية تجاه الصومال، وأكد لهم على أهمية دور الصومال كعضو في الجامعة العربية. لقد شرح  الرئيس محمد سياد بري للقيادات العربية، طبيعة النظام العسكري الجديد في الصومال، وإلى مدى يمكن أن يذهب في جهوده  لتوطيد العلاقات العربية -الإفريقية لمواجهة الخطر الإسرائيلي ، ولمس منهم استعدادا لافتا لقبول الصومال كعضو في الجامعة العربية. وفي عام 1974 زار الرئيس بري المملكة العربية السعودية ، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر، والكويت ، وعمان . كما قام بزيارة لليمن الديمقراطية. وفي المقابل، زار مقديشو خلال الفترة ما بين عامي 1969-1974 العديد من رؤساء وقيادات الدول العربية وفي مقدمتهم: الرئيس السوداني جعفر نميري الذي زار مقديشو في المرة الأولى عام 1972  وفي المرة الثانية يونيو عام 1973 ، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان  نوفمبر عام 1972 ، والرئيس الليبي معمر القدافي فبراير عام 1974 بالإضافة إلى وفود عربية رسمية من مستويات متعددة. وكان من نتائج تلك الزيارات المتبادلة بين الصومال والبلدان العربية ، الاعلان عن قرار دخول الصومال إلى الجامعة العربية في 14 فبراير عام 1974 وأن تكون عضو العشرين، وثامن دولة افريقية  تنضم إلى  الجامعة[11] .

وذكرت صحيفة الأهرام القاهرية أن إجراءات خاصة اتخذت في عام 1973 لانضمام الصومال إلى جامعة الدول العربية لستصبح العضو رقم 8 من الدول الافريقية المنتمية إلى الجامعة وكانت قبلها موريتانيا. ونفهم من ذلك أن الصومال لم يحقق جميع الشروط المطلوبة وإنما انضمامه جاء استثنائيا ومدعوما من دول عربية مثل: مصر ، والسعودية ، والكويت، واتخذت اجراءات خاصة لتحقيق هذه الرغبة. 

في مطلع عام 1974، بعث الرئيس بري وزير الخارجية عمر عرته غالب إلى العديد من الدول العربية لإقناعها بتسهيل انضمام الصومال إلى الجامعة العربية ، وقد أدلى الوزير خلال زيارة له إلى ليبيا بإن الصومال تعتبر نفسها جزء من الوطن العربي، وأن الاستعمار هو الذي خلق الحدود المصطنعة بين الصومال والوطن  العربي، وأكد بأنه قام بجولة طويلة على عدد  من الأقطار العربية لإجراء مباحثات تتعلق بموضوع انضمام الصومال لجامعة العربية واتاحة الفرصة أمامه ليقوم بدوره مع الأقطار العربية[12]. وخلال زياراته للاقطار العربية، تمكن غالب توطيد علاقته مع شخصيات بارزة من المسؤولين المصريين، والذين لعبوا دورا بارزا في قبول عضوية الصومال، ومن بين هؤلاء المسؤولين حسين الشافعي نائب رئيس الوزراء المصري ، والدكتور عبد القادر حاتم نائب رئيس الوزراء ، وٍالسيد اسماعيل فهمي وزير الخارجية،  والسيد محمد رياض  الأمين العام للجامعة العربية. وبالتالي يمكن القول لولا رغبة مصر في ذلك لما تحقق انضمام الصومال إلى الجامعة العربية بسهولة.

الترتيبات النهائية للانضمام

تقدم الصومال مذكرة رسمية لطلب الانضمام للجامعة العربية في 11 فبراير عام 1974 إلى أمين العام لجامعة الدول العربية محمود رياض[13]،  وتقرر عقد مجلس الجامعة  اجتماعا لهذا الغرض يوم الخميس 14 فبراير عام 1974  على مستوى السفراء، وقد بحث وزير الخارجية الصومال عمر عرته  غالب مع الدكتور سيد نوفل الأمين العام المساعد للجامعة الترتيبات النهائية للانضمام[14].

 قرر مجلس جامعة الدول العربية في 14 فبراير عام 1974 قبول انضمام جمهورية الصومال الديمقراطية إلى عضويته إثر انعقاد المجلس جلسة خاصة على مستوى السفراء لتحقيق هذا الغرض. وألقى محمود رياض الأمين العام لجامعة الدول العربية كلمة في جلسة مجلس الجامعة، حيث أشار فيها إلى أن لهذا الانضمام آثار على المستوى العربي والافريقي والدولي. وقال رياض إن دخول الصومال للجامعة سيعزز حرب وحدة العرب بحقيقة موقعه الإستراتيجي في كل من البحر الأحمر والمحيط الهندي.   كما تحدث خلال الجلسة ، محمد ثابت وزير الاعلام الصومالي كلمة قال فيها إن شعب الصومال مرتبط بشعوب العربية منذ نضاله من أجل الحصول على الاستقلال، وأن انضمامه يأتي الآن تجسيدا لحقيقة أن الشعب الصومالي شعب عربي أصيل. وبعد ذلك تحدث عمر عرته غالب وزير الخارجية الصومالي مؤكدا  على أن الصومال كانت في الواقع عضوا في الأمة العربية طبقا لنفس التقاليد والظروف والثقافة التي يمارسمها العرب في كل بقعة عربية . وبعد انتهاء الجلسة، جرى مراسم الاحتفال بانضمام الدولة العشرين لعضوية جامعة الدول العربية ، حيث تم رفع العلم الصومالي إلى جانب أعلام بقية الدول العربية.

 والجدير بالإشارة إلى أن مؤتمر قمة الدول العربية المنعقد في الرباط في ذلك العام كان أول اجتماع عربي شاركه الصومال بصفة رسمية،  وكان من قراراته تقديم معونات للصومال، وموريتانيا والموافقة على تلبية دعوة الرئيس الصومالي محمد سياد بري لإستضافة مقديشو القمة العربية القادمة ، وتحديد شهر يونيو 1975 موعدا لذلك.

مكاسب الصومال من الانضمام إلى جامعة الدول العربية  

 خرج أكثر من 150 ألفا شخص من المتظاهرين إلى شوراع مقديشو تأييدا لقرار انضمام الصومال إلى جامعة الدول العربية ، وشارك في هذا التظاهرة الرئيس سياد بري الذي ألقى خطابا أشار فيه إلى أن الحكومات الصومالية المتعاقبة فشلوا في اتخاذ هذا القرار . وقال: “أما اليوم فقد خطونا خطوة إلى الاتجاه الصحيح وبه نستطيع النهوض بإرادتنا لكي نحقق رغبات شعبنا” [15]  .  وقد تحدثت وزارة الإعلام الصومالية عام 1974 عن قرار الصومال حول الانضمام إلى الجامعة العربية واعتبرته قرارا  تاريخيا وأنه أتخذ:

  1.  بعد الاطلاع على الروابط التاريخية وأواصر التعاون الوثيق بين الصومال والشعوب العربية
  2. وايمانا بأن العرب دائما وقفوا إلى جانب قضايا الصومال
  3. وعلى إدراك أن الحكومات الصومالية السابقة وحكومة الثورة الحالية لعبوا دورا هاما في القضايا العربية
  4. وأن حكومة الثورة قد وقفت مع العرب ماديا ومعنويا في حربهم ضد العالم الامبريالي والصهيوني ، مؤكدة دائما أن مصالح العرب مرتبطة باتحادهم والتعاون فيما بينهم حتى نجحوا باستعادة شرفهم في حرب 6 أكتور عام 1972
  5. إن حكومة الثورة الصومالية لم تدع تذكر الحكومات الافريقية أن الأساليب الاستعمارية تسعى إلى تقسيمهم لاحداث التفرقة فيما بينهم والوقوف أمام تحقيق تعاون بين الافريقين والعرب
  6. إن الصومال قد لعبت دورا بناءا  في الاتحاد الافريقي العربي حتى سلطت الأضواء على عداوة إسرائيل مما أدى إلى قطع العلاقات مع إسرائيل من قبل دول أفريقية كثيرة
  7.  وعلى نجاح فعالية هذا الدور، لاح أفق جديد للتعاون الافريقي العربي على صعيد المساواة والعدالة والمصالح المشتركة
  8.  إن الثورة بإستمرار قد تعهدت بحماية المصالح الصومالية عبر احترام القوايين الدولية، وعليها كانت دائما تخطو وفقا لذلك
  9.  ولا تزال الصومال مستمرة في حربها العادلة ضد الحكم الامبريالي لكي تنعم إفريقيا بثروتها وكذلك العرب والعالم بأكمله على قدم المساواة وبأسس شرعية
  10. وتمشيا مع الالتزامات المذكورة أعلاه ان الشعب الصومالي سيعمل من أجل سيادته من أجل مبادئه واقتصاده ومن أجل تقدمه السياسي والاجتماعي وفقا  للميثاق الأول والثاني للثورة.
  11. لكي تستمر تحقيق الاتنصارات الإفريقية والعربية  قد قرر مجلس الأعلى للثورة ومجلس سكرتيري الدولة على أن تنضم الصومال إلى جامعة الدول العربية[16].

رغم  الاحتفاء الرسمي والشعبي الكبير لما حدث الا أن الصومال لم يحقق جراء الانضمام إلى جامعة الدول العربية سوى مكاسب محدودة وخصوصا على المستوى الاقتصادي والعسكري. في عام 1975 وعدت الدول العربية تقديم مبلغ 103 مليون دولار   ( وقيل 153 مليون دولار  [17])  لكن المبالغ المدفوعة كانت أقل بكثير  من هذا المبلغ .

تعتبر المملكة العربية السعودية وليبيا والعراق ، والكويت من أكبر الدول التي كانت تقدم مساعدات مالية للصومال، وكان يقوم صندوق التنمية الكويتي ، والصندوق العربي للتنمية الاجتماعية والبنك الإسلامي بتمويل مشروعات التنمية طويلة الأجل كما أن العراق وليبيا تقدمان بشكل مباشر مساعدات طويلة الأجل[18] إلى الصومال. وكذلك استفاد الصومال بعد انضمامه إلى نادي الجامعة الدول العربية من القروض والمنح التي كانت  تقدمها البنوك وصناديق العربية ولاسيما الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وحصلت منه عددا من القروض تم تموليها بمشاريع تربو 15 مشروعا انمائيا في الفترة ما بين 1974-1989. 

لكن يجب الإشارة إلى أن الدعم السياسي العربي للصومال في نزاعه مع إثيوبيا في الفترة ما بين عامي 1977-1978 كان واضحا وقويا ، وكانت الجامعة العربية أو على الأقل الدول العربية المؤثرة سندا قويا للصومال وساهمت بقوة في تخفيف الضغوط التي كانت يتعرض عليه الصومال من قبل منظمة الوحدة الأفريقية والقوى الاقليمية المساندة لإثيوبيا، وبقيت الجامعة ترفع صوتها عاليا في المحافل الدولية مدافعة عن وسيادة الصومال ووحدة أراضيه.  


[1]  جامعة الدول العربية  1940-1980 دراسة تاريخية سياسية  الدكتور أحمد فارس عبد المنعم  سلسة الثقافة القومية – مركز دراسات الوحدة العربية  الطبعة الأولى بيروت 1986

[2]  مقال بعنوان: الثلاثي المنسي في جامعة الدول العربية: الصومال وجيبوتي وجزر القمر  موقع اندبينت عربية  نشر يوم الاثنين 22 يونيو 2020

[3]  الأهرام 15 أغسطس عام 1965  السنة 91 العدد 28737 الصفحة الأولى

[4] صحيفة الجهاد في عددها الصادر في 3/05 1966.

[5]  جريدة الأخبار  3 أغسطس 1967 العدد 7410 السنة السادسة عشر الصفحة الأولى

[6]  جريدة الدستور –  عمان 7 أغسطس 1967 العدد  120  الصفحة الرابعة

[7]  .جريدة الدستور 21 مارس عام 1968 العدد 339 الصفحة  الرابعة

[9]  مقال بعنون  الصومال والجامعة العربية  لباحث عربي نشر في صحيفة المنار  العدد 1909، الصادر في  20/12/1965.

[10]المرجع السابق

[11]   مسيرة الثورة في ذكراها العاشر  1969-1979 وزارة الإعلام والإرشاد القومي  أكتوبر 1979 ص: 17

[12]  ( جريدة الأهرام 8 فبراير عام 1974

[13]  الدستور 7 فبراير عام 1974 الصفحة السابعة  العدد 2346

[14]  الأهرام العدد الصادر 12 فبراير  عام 1974 السنة 100 العدد 31840 الصفحة 4

[15]  مسيرة الثورة في ذكراها العاشر مرجع سابق صفحة 19

[16]  المصدر السابق صفحة 19

[17] جريدة الأنباء صحيفة يومية سياسية  القدس- فلسطين ص: 3 الجمعة 15 /04/1977

[18] مقال بعنون المعادلات السياسية الجديدة في افريقيا نشر في صحيفة الأخبار نقلا عن صحيفة الفاننشيال تايميز 2 نيسان 1977 العدد 82

عبد الرحمن عبدي

كاتب وصحفي صومالي
زر الذهاب إلى الأعلى