بقلم: وارسمي محمد نور
العملة الوطنية ليست مجرد أوراق نقدية نتعامل بها في الأسواق، وليست أرقاماً تُكتب على ورقة أو قطعة نقدية، وإنما هي عنوان من عناوين سيادة الدولة، ومرآة تعكس قوة اقتصادها وثقة مواطنيها بمؤسساتها.
ومن هنا، فإن الحديث عن الشلن الصومالي بالنسبة لي ليس مجرد حديث عن المال، وإنما هو حديث عن دولة وهوية وسيادة ومستقبل اقتصادي.
لقد كان الشلن الصومالي في مراحل سابقة جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للمواطن الصومالي، وكانت مختلف الفئات النقدية تُستخدم في البيع والشراء بصورة طبيعية. إلا أن الظروف السياسية والاقتصادية التي مرت بها البلاد تركت آثاراً عميقة على العملة الوطنية، حتى أصبح استخدامها اليوم محدوداً مقارنة بما كان عليه في الماضي.
ومن المؤسف أن آخر ما بقي من الفئات الورقية التي كانت تُستخدم على نطاق واسع في السوق هو فئة الألف شلن الصومالي (1,000 Shilling)، ثم تراجع استخدامها إلى حد كبير، بعد أن أصبح عدد من التجار يرفضون التعامل بها أو يفضلون الدولار الأمريكي في تسعير السلع والخدمات والمعاملات التجارية.
وهنا لا ينبغي أن ننظر إلى موقف التجار باعتباره السبب الوحيد للمشكلة؛ فرفض العملة هو في الحقيقة نتيجة لمشكلة أكبر تتمثل في ضعف الثقة بالعملة الوطنية وغياب الاستقرار النقدي والاقتصادي.
عندما يفقد المواطن أو التاجر الثقة في قيمة العملة، فإنه يبحث بصورة طبيعية عن عملة أخرى يعتقد أنها أكثر استقراراً وحفاظاً على القيمة. ولهذا أصبح الدولار حاضراً بقوة في الاقتصاد الصومالي، وأصبح جزءاً من كثير من المعاملات والأسعار.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بجدية هو:
هل من الطبيعي أن تكون للدولة عملة رسمية، بينما لا تجد هذه العملة حضوراً حقيقياً في معظم المعاملات الاقتصادية؟
في اعتقادي، الإجابة هي: لا.
الدولة بحاجة إلى استعادة مكانة عملتها الوطنية، ليس بالشعارات، وإنما من خلال خطوات عملية ومدروسة. ومن أهم هذه الخطوات أن تعمل الجهات المختصة على إعادة إصدار العملة الصومالية بفئات نقدية متنوعة، بما يتناسب مع احتياجات السوق والاقتصاد الحالي.
فلا يمكن أن يكون الاقتصاد الحديث معتمداً على فئة نقدية محدودة لا تلبي احتياجات المواطنين والتجار. نحن بحاجة إلى نظام نقدي متكامل يشمل فئات مختلفة من الأوراق النقدية والعملات المعدنية، بحيث تكون هناك فئات صغيرة للمعاملات اليومية، وفئات أكبر للمعاملات ذات القيمة الأعلى.
لكن إصدار فئات جديدة وحده لن يحل المشكلة.
إذا أصدرت الدولة عملة جديدة دون معالجة الأسباب الاقتصادية التي أدت إلى ضعف الشلن، فقد نعيد إنتاج المشكلة نفسها. لذلك يجب أن يكون الإصدار النقدي جزءاً من إصلاح اقتصادي ونقدي شامل.
ويجب أن يترافق ذلك مع تعزيز دور البنك المركزي، وتنظيم السوق النقدية، ومكافحة تزوير العملة، وتشجيع استخدام الشلن في المعاملات المحلية، وتعزيز الثقة بالنظام المصرفي، إلى جانب العمل على استقرار الأسعار وسعر الصرف.
كما أن استعادة العملة الوطنية تتطلب اقتصاداً منتجاً. فلا يمكن أن تكون لدينا عملة قوية واقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الواردات، بينما لا تزال قدراتنا الإنتاجية المحلية محدودة.
الصومال يمتلك موارد وإمكانات كبيرة؛ من الزراعة والثروة الحيوانية إلى الثروة السمكية، والموانئ، والتجارة، والطاقة، والموارد الطبيعية. وإذا تم استثمار هذه الإمكانات بصورة صحيحة، فإنها يمكن أن تساهم في بناء اقتصاد قوي يدعم العملة الوطنية.
وأرى أيضاً أن التاجر يجب أن يكون شريكاً في عملية إعادة بناء الثقة بالشلن الصومالي. فلا يمكن أن تنجح سياسة نقدية إذا كانت العملة الوطنية مرفوضة في الأسواق. ولذلك تحتاج الدولة إلى الحوار مع التجار والمصارف والشركات والمواطنين، ووضع سياسة واضحة تجعل استخدام الشلن في المعاملات المحلية أمراً طبيعياً وموثوقاً.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل التجار وحدهم مسؤولية ضعف العملة. التاجر يبحث عن الاستقرار وحماية قيمة أمواله، وإذا كانت العملة تتعرض لتقلبات كبيرة فمن الطبيعي أن يبحث عن وسيلة أكثر استقراراً. لذلك فإن الحل يجب أن يبدأ من بناء الثقة وليس من فرض التعامل بالعملة بالقوة فقط.
إن استعادة الشلن الصومالي ليست مسألة اقتصادية فحسب، بل هي أيضاً مسألة سيادة وطنية.
فالدولة التي تريد أن تبني اقتصاداً مستقلاً وقوياً تحتاج إلى عملة وطنية فعالة، ومؤسسات مالية قوية، وسياسة نقدية واضحة، واقتصاد قادر على الإنتاج والتصدير.
ولا أعتقد أن المطلوب هو إلغاء الدولار من الحياة الاقتصادية بصورة مفاجئة، فهذا غير واقعي وقد يؤدي إلى اضطرابات اقتصادية. المطلوب هو أن تستعيد العملة الوطنية مكانتها تدريجياً، وأن يصبح الشلن هو العملة الأساسية في التعاملات المحلية، مع وجود تنظيم واضح لاستخدام العملات الأجنبية.
إن إعادة إصدار الشلن الصومالي بفئات متعددة، وتصميمه وفق معايير أمنية حديثة، وإدخال تقنيات حديثة لمكافحة التزوير، وتعزيز الثقة به، يمكن أن تكون خطوة مهمة نحو إصلاح النظام النقدي في البلاد.
لكن النجاح الحقيقي لن يكون في شكل العملة الجديدة أو لونها أو قيمتها الاسمية، وإنما في الثقة التي سيضعها المواطن والتاجر والمستثمر فيها.
وفي النهاية، أرى أن الوقت قد حان لفتح نقاش وطني جاد حول مستقبل العملة الصومالية. لقد حان الوقت لأن تستعيد الدولة زمام المبادرة، وأن تعمل على بناء نظام نقدي حديث يخدم المواطن والاقتصاد، بدلاً من أن تبقى العملة الوطنية حاضرة في اسم الدولة وغائبة عن جزء كبير من السوق.
الشلن الصومالي ليس مجرد ورقة نقدية؛ إنه جزء من سيادة الوطن. واستعادة مكانته تبدأ بإعادة الثقة به، وإعادة تنظيم السوق، وإصدار فئات نقدية متنوعة، وبناء اقتصاد قوي يستطيع أن يمنح هذه العملة قيمة حقيقية.
فالعملة لا تصبح قوية لأن الدولة تطبعها، وإنما تصبح قوية عندما تنتج الدولة، وتستقر مؤسساتها، وينمو اقتصادها، ويثق المواطن بأن قيمة ماله محفوظة.
وهذا، في رأيي، هو الطريق الحقيقي لاستعادة الشلن الصومالي إلى مكانته التي يستحقها.




