يُطلق على هذه الأراضي في مقديشو اسم «الأوبوسييبو»، وهي تسمية مأخوذة من الكلمة الإيطالية Abusivo، كما تُعرف محليًا باسم «بولو» بالصومالية، ويُطلق عليها في التعبير الشعبي المعاصر أيضًا اسم «طوكيو»، في إشارة ساخرة ومفارِقة لمدينة طوكيو المعروفة بتخطيطها الحضري؛ وذلك بسبب ما تتميز به هذه الأحياء من عمران غير منتظم، واكتظاظ شديد، وتقارب المباني وضيق الممرات.
وهذه المناطق ليست وليدة التوسع العمراني الحديث لمقديشو فحسب، بل إن بعضها يُعد من مناطق الاستيطان والعمران القديمة؛ فقد سكنها الأهالي واستثمروا أراضيها منذ أزمنة بعيدة، ويعود الاستقرار في أجزاء منها إلى فترات سابقة للاستعمار. ثم استمر هذا الوجود السكاني واتسع خلال العقود اللاحقة، ولا سيما بعد الاستقلال، وصولًا إلى بدايات تسعينيات القرن الماضي وما بعدها.
وتشير طبيعة نشأة هذه المناطق وقِدَم الاستيطان فيها إلى أن وجود الأهالي في أجزاء منها سبق التوسع العمراني الحديث لمدينة مقديشو؛ إذ كانت بعض تلك الأراضي في الأصل مزارع يزرعها أهلها، ومساكن وأكواخًا لأصحاب المواشي، قبل أن يمتد إليها عمران المدينة تدريجيًا وتدخل ضمن نطاقها الحضري.
ومع التوسع المتسارع الذي شهدته مقديشو، تحولت هذه المناطق شيئًا فشيئًا إلى أحياء سكنية مكتظة، استقر فيها عدد كبير من الفقراء وأصحاب الحِرف وذوي الدخل المحدود. وبسبب نشأتها القديمة وامتداد العمران فيها من غير تخطيط حضري منتظم، تكاثرت المباني وتقاربت وتداخلت، وضاقت الطرق والممرات، بل انقطعت بعض المسالك، حتى تحولت أجزاء كثيرة منها إلى أزقة ضيقة ومتعرجة بين المساكن.
ومن هنا، فإن توصيف هذه المناطق والحكم على وضعها لا ينبغي أن يستندا إلى صورتها العمرانية الراهنة وحدها، بل لا بد من مراعاة تاريخ نشأتها، وقِدَم الاستيطان فيها، وأصل ملكية أراضيها، وكيفية حيازتها وانتقالها، وطبيعة استعمالها قبل أن يصل إليها التوسع العمراني الحديث لمقديشو. فهذه كلها عناصر جوهرية عند البحث في مركزها القانوني وحكمها الشرعي، وعند مناقشة مدى صحة مساواتها بأراضي الدولة المخصصة للمنفعة العامة.
وهذا التاريخ، يجعل التسوية المطلقة بين النوعين محل إشكال يحتاج إلى دليل؛ إذ لا يصح من حيث الأصل أن تُعامل الأراضي التي ثبتت ملكيتها للأهالي، وسكنوها وعمّروها وتوارثوا ملكيتها أو حقوقهم فيها عبر الأجيال، المعاملة نفسها التي تُعامل بها أراضي الدولة التي ثبت تخصيصها ابتداءً للمنفعة العامة.
فالفرق بين الحالتين فرق جوهري يتعلق بـأصل الملكية، وتاريخ الحيازة والاستيطان، وطبيعة الحقوق القائمة على الأرض، والغرض الذي خُصصت له ابتداءً. ولذلك فإن جمعهما تحت وصف واحد، ثم ترتيب حكم شرعي أو قانوني واحد عليهما، يحتاج إلى بيان واضح للأساس الذي يجيز هذه التسوية رغم اختلاف أصل كل منهما وطبيعته.
كما أن الحاجة إلى إعادة تخطيط هذه الأحياء، وفتح الطرق، وتنظيم العمران، وتحسين المظهر الحضري للعاصمة مسألة تختلف في أصلها عن مسألة ملكية الأرض والحقوق القائمة عليها. فقد تكون المنطقة بحاجة فعلية وملحّة إلى إعادة التنظيم والتطوير، لكن ذلك لا يعني بذاته زوال حقوق أصحابها، ولا انتقال ملكيتهم إلى الدولة، ولا تحول أراضيهم تلقائيًا إلى أراضٍ للمنفعة العامة.
وعليه، فإن مجرد وقوع هذه الأراضي اليوم داخل النطاق العمراني لمدينة مقديشو، أو كون عمرانها غير منظم، أو حاجتها إلى إعادة التخطيط والتطوير، لا يكفي في حد ذاته لمحو تاريخ الملكية والحيازة، ولا لإسقاط الحقوق الثابتة عليها، ولا يجعلها تلقائيًا في حكم أراضي الدولة المخصصة للمنفعة العامة.
ومن ثم، فإن المسألة الأساسية التي ينبغي أن تسبق أي تسوية في الحكم هي: لمن تعود ملكية هذه الأراضي أصلًا؟ وما طبيعة الحقوق الثابتة فيها؟ وهل يصح شرعًا وقانونًا مساواة أرض ثبتت ملكيتها للأهالي بأرض ثبت أنها ملك للدولة ومخصصة للمنفعة العامة؟
فإذا اختلف الأصل، وجب بيان الدليل الذي يبرر اتحاد الحكم؛ لأن تشابه الواقع العمراني أو الحاجة إلى التنظيم لا يعني بالضرورة تشابه الملكية أو تماثل الحقوق.
وبعد حسم مسألة الملكية وتوثيق حقوق السكان، ينبغي أن تنتقل المناقشة إلى سؤال آخر لا يقل أهمية، وهو: كيف يمكن إعادة تنظيم هذه المناطق وتطويرها بما يجعلها مواكبة لمقديشو الحديثة، من غير إهدار حقوق أهلها أو اقتلاعهم من مناطقهم؟
فالحفاظ على حقوق السكان لا يعني الإبقاء على واقع عمراني غير منظم، كما أن السعي إلى تطوير العاصمة لا ينبغي أن يعني إلغاء الملكيات والحقوق القائمة. ومن الممكن الجمع بين الأمرين من خلال مشروع تخطيط حضري واضح وشفاف يشارك فيه السكان أنفسهم.
وتبدأ هذه العملية، من حيث الأصل، بحصر السكان وأصحاب الحقوق وتسجيلهم رسميًا، وتوثيق العقارات والحيازات القائمة قبل أي إزالة واسعة، ثم وضع مخطط عمراني يحدد الطرق والشوارع والمرافق العامة وشبكات المياه والصرف والخدمات والمساحات التي تحتاجها المنطقة.
وإذا اقتضى تنفيذ المخطط إزالة بعض المباني أو اقتطاع أجزاء من بعض الأراضي لفتح الطرق أو إنشاء المرافق العامة، فينبغي أن يتم ذلك وفق إجراءات قانونية معلنة وعادلة، مع تحديد حقوق المتضررين وآلية التعويض أو توفير البديل المناسب بحسب حالة كل عقار، بحيث يتحمل الجميع بصورة عادلة تكلفة الانتقال من الحي غير المخطط إلى الحي المنظم، من غير أن يقع العبء كله على السكان الأضعف.
كما ينبغي أن يكون أصحاب الأراضي والسكان جزءًا من عملية التخطيط لا مجرد متلقين لقراراتها؛ وذلك من خلال لجان تمثيلية معلومة، وحصر موثق، وخرائط واضحة، وآلية للاعتراض والتظلم، وضمانات مكتوبة تحدد مصير كل أسرة أو صاحب حق قبل بدء عمليات الهدم أو الإخلاء.
وبهذه الطريقة يمكن تحويل مناطق الأوبوسييبو تدريجيًا من أحياء ضيقة وغير منتظمة إلى أحياء حضرية منظمة تتوافر فيها الطرق والخدمات والمرافق، وتنسجم مع التطور العمراني لمقديشو الحديثة، مع الحفاظ قدر الإمكان على النسيج الاجتماعي وحقوق السكان وملكياتهم.
وهنا ينبغي التفريق بوضوح بين أمرين: إعادة تنظيم الأرض شيء، ونزع ملكيتها شيء آخر. فقد تقتضي المصلحة العامة إعادة تخطيط حي كامل وفتح طرقه وتحسين خدماته، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة نزع ملكية سكانه أو اعتبار الأرض ملكًا للدولة.
ومن هنا يمكن أن تقوم المعالجة المتوازنة على مبدأ واضح: تثبيت الحقوق أولًا، ثم التخطيط والتطوير ثانيًا؛ فلا تكون حماية الملكية ذريعة لإبقاء الفوضى العمرانية، ولا يكون تطوير المدينة ذريعة لإهدار الملكية والحقوق.
فمقديشو بحاجة إلى أن تتطور وتواكب المدن الحديثة، وسكان هذه المناطق بحاجة في الوقت نفسه إلى أن تُصان حقوقهم وكرامتهم. والتخطيط الناجح هو الذي يجمع بين الاثنين: مدينة أكثر تنظيمًا وجمالًا، ومواطن محفوظ الحق لا يدفع وحده ثمن هذا التطوير.
بقلم: علي أحمد محمد المقدشي





