جمال مقديشو لا يُبنى على أنقاض بيوت أهلها

ردا على شبهات المحافظ مونغاب

استمعتُ إلى حديث المحافظ مونغاب بالأمس، فوجدتُ أنه أراد الدفاع عن رؤيته لتجميل مقديشو، وتبرير ما يجري من نزع أملاك الفقراء لمصلحة أصحاب المال والنفوذ، تحت هدير الجرافات وحماية البنادق، وبالاستناد إلى وثائق مستحدثة أريد بها المحافظ تمليكهم بما ليس لهم بحق؛ لكنه ـ من حيث يدري أو لا يدري ـ فتح بحديثه أبوابًا من الأسئلة والشبهات أكثر بكثير مما قدّم من إجابات أو مبررات.

بدأ المحافظ بمقارنة أراضي المنفعة العامة وممتلكات الدولة، التي جرى بيع بعضها أو التصرّف فيها خلال عهود مختلفة، بأراضي كاران وياقشيد وهولوداغ وبولو إيلاي وغيرها من الأحياء، مع أن الفارق بين الأمرين جوهري؛ فهذه الأراضي ملكيات خاصة لسكانها، يستندون في ملكيتها إلى حقوق شرعية وقانونية، وقد توارثوا جلَّها أبًا عن جد، وسكنوها واستقروا فيها منذ عقود طويلة.

وهنا نقول للمحافظ: مهلًا يا سيادة المحافظ، ورفقًا بالفقراء؛ فقد اختلطت عليك الأوراق، ولا يصح أن تُسوّى أملاك الناس الخاصة بأراضي الدولة والمنفعة العامة …

أرض الدولة شيء، وبيت المواطن شيء آخر.

إذا نُهبت أراضي الدولة بالأمس أو بيعت بغير حق، فالحل ليس أن نكمل الحساب اليوم من ممتلكات المواطنين! بل أن نسأل: من باعها؟ ومن اشتراها؟ وبأي قانون؟ وكيف تُسترد إن ثبت الاستيلاء عليها بغير حق؟

أما أرض المواطن فالسؤال مختلف: من يملكها؟ وما أصل ملكيته؟ وبأي حق تُنزع منه؟

فالخطأ القديم الذي ارتكبه أصحاب النفوذ والسلطة في الملكية العامة لا يتحول بمرور الزمن إلى سند قانوني أو حجة تُبرِّر خطأً جديدًا في حق المواطن البسيط أو في ملكيته الخاصة؛ بل الأصل أن يأتي يوم يُحاسَب فيه المتسببون عن تصرفاتهم في المال والممتلكات العامة، لا أن تتحول تجاوزاتهم السابقة إلى ذريعة تُستدعى اليوم لتبرير انتهاك ملكيات المواطنين الخاصة وحقوقهم.

هل أصبحت العمارة وثيقة ملكية؟

الأغرب في حديث مونغاب تشكيكه في ملكية سكان تلك المناطق، وربطه عدم تشييدهم العمارات بعدم امتلاكهم وثائق تثبت الملكية.

فهل أصبح نوع البناء وثيقة ملكية جديدة؟

هل العمارة شهادة ملكية، وبيت الصفيح شهادة نفي لها؟ وهل من بنى عشرة طوابق أصبح مالكًا، بينما من لم يجد ثمن الإسمنت سقط حقه في أرضه؟

إن كانت هذه قاعدة الملكية الجديدة، فلنضف إلى السجل العقاري بندًا بعنوان: «عدد الطوابق دليل الملكية»!

قد يملك الفقير أرضًا ولا يستطيع بناء أكثر من غرفتين، وقد يسكن المليونير برجًا كاملًا بالإيجار ولا يملك مترًا واحدًا تحته.

فالغنى لا يصنع الملكية، والفقر لا يمحوها.

ثم إذا كانت وثائق سكان كاران وياقشيد موضع شك، فلماذا لا تُطرح الأسئلة نفسها عن الوثائق الجديدة التي يحملها المطالبون بالأراضي؟

من أصدرها؟ ومتى؟ وبأي سند؟ وما أصل الملكية؟

هذه أسئلة تفصل فيها السجلات والقضاء، لا الجرافات؛ فالجرافة ـ مهما كانت حديثة ـ ليست قاضيًا عقاريًا، وذراعها الحديدية لا تفصل في نزاعات الملكية.

ثم جاءت حجة «جمال مقديشو»

نعم، نريد مقديشو جميلة، بشوارعها وحدائقها ومدارسها ومرافقها وأحيائها الحديثة. لكن السؤال الذي قد يفسد حفلة التجميل هو: من سيدفع ثمن هذا الجمال؟

هل يهدم الفقير بيته ويخسر أرضه، ثم يأتي صاحب المال ليقيم فوقها برجًا لامعًا، فنقف أمامه قائلين: ما شاء الله، لقد أصبحت مقديشو جميلة!؟

الجرافة ترى الصفيح… وصاحب البيت يرى عمره

البيوت التي تلتهمها الجرافات قد تبدو في عين المخطط مجرد «عشوائيات»، لكنها في عين أصحابها شيء آخر.

البيت هو المكان الذي عاش فيه الوالدان، وترعرع فيه الأبناء، وتراكمت فيه ذكريات العمر. والدكان الصغير قد يكون رزق أسرة كاملة، والمدرسة القرآنية هي المكان الذي جلس فيه الرجل طفلًا يتعلم كتاب الله، والساحة الترابية التي تبدو للمستثمر «أرضًا فارغة» هي المكان الذي لعب فيه الأب صغيرًا ويلعب فيه أبناؤه اليوم.

في لغة المخططات قد تسمى هذه مباني متواضعة، أما في لغة أصحابها فاسمها: حياة، وذاكرة، وتاريخ، وانتماء، ورزق.

والجرافة تستطيع في دقائق أن تهدم ما احتاجت أسرة إلى عقود لتبنيه.

«لماذا لم يبنوا عمارات؟»

أما التساؤل عن سبب عدم بناء السكان عمارات على أراضيهم، فيذكّر بالقصة الأوروبية الشهيرة ـ مع أن نسبتها التاريخية محل خلاف ـ عن صاحبة القصر التي قيل لها إن الناس لا يجدون الخبز، فكان جوابها بما معناه: ولماذا لا يأكلون كعكة؟

ويبدو أن للقصة اليوم نسخة مقديشية: «إذا كانت الأرض لكم، فلماذا تسكنون الصفيح؟ ولماذا لا تبنون عمارات؟»

والجواب بسيط جدًا: ربما لأن الرجل الذي يبحث ويكدح صباحًا عن قوت أطفاله لم يجد بعد الاف الدولارات اللازمة لبناء برج من خمسة عشر طابقًا!

ألا يعلم المحافظ أن الفقير لا يسكن بيت الصفيح حبًّا فيه ولا اختيارًا له، وإنما يبني ويسكن ما تسمح به قدرته وما تبلغه ذات يده؟ فالفقر لا ينزع عن الإنسان حقه في أرضه، كما أن الغنى لا يمنح أحدًا حق الاستيلاء على أملاك غيره.

والفقر لا يُسقط حق الملكية.

وحين يرى المسؤول الصفيح ولا يرى الإنسان تحته، ويرى سعر الأرض ولا يرى تاريخ أهلها معها، فقد ابتعد عن واقع الناس الذين يتحدث عنهم.

وللصوماليين مثل يلخص ذلك: «الكبش السمين لا يشعر بالقحط.»

والجرافة لا تصنع حقًّا شرعيًا

إذا كانت الأرض أصلًا من أراضي الموات، ثم أحياها جد المواطن أو أبوه أو أحياها هو، أو آلت إليه بطريق مشروع من إرث أو هبة أو بيع، واستقر حقه فيها، ثم ظهرت لاحقًا وثيقة جديدة ترافقها الجرافات، فالسؤال الذي يجب أن يسبق الهدم هو:

أي الحقين أسبق وأثبت وأولى شرعًا وقانونًا: حق المواطن القائم على الإحياء والتملك والحيازة المشروعة، والمتوارث أحيانًا جيلًا بعد جيل، أم وثيقة مستحدثة جاءت الجرافة لفرضها أمرًا واقعًا؟

ومن أصدر الوثيقة الجديدة؟ وبأي سند؟ وهل أُتيح لصاحب الأرض الاعتراض أمام القضاء؟ وهل صدر حكم قضائي نهائي؟ ومن سيحصل على الأرض بعد إخراج سكانها؟

والأهم: هل نحن أمام منفعة عامة حقًا، أم أمام انتقال الأرض من مواطن ضعيف إلى مستفيد خاص أكثر مالًا ونفوذًا، تحت حماية الجرافات وقوة الشرطة؟

الإعلام ليس قسم العلاقات العامة

وهنا يأتي دور الإعلام.

ليست وظيفة الصحفي أن يمنح المسؤول وقتًا كافيًا ليشرح للناس لماذا الجرافة محقة أو جميلة ، بل أن يسأل: من يملك الأرض؟ أين أصل الوثائق؟ لماذا تعارضت؟ من أصدر الجديدة؟ ومن المستفيد بعد الإخلاء؟

فالصحافة التي لا تسأل هذه الأسئلة، وتكتفي بترديد عبارة «تجميل مقديشو»، تتحول شيئًا فشيئًا من سلطة تسأل المسؤول إلى قسم علاقات عامة يشرح للناس قراراته.

نعم لمقديشو الجميلة… ولكن

أما قول المحافظ: «نريد مقديشو جميلة، حديثة، منظمة ومزدهرة»، فهو قول طيب لا يختلف عليه اثنان.

لكن إذا أُريد بهذا الجمال استباحة ملكية المواطن الخاصة لمصلحة خاصة، وانتزاع أرضه بغير رضاه ومن دون تعويض عادل، فلا يمكن تبرير ذلك شرعًا ولا عقلًا.

نريد مقديشو جميلة، لكننا لا نريد مدينة ترتفع أبراجها كلما انخفض فيها سقف العدالة.

نريد طرقًا وأبراجًا وحدائق، لكن ليس على حساب بيت الفقير.

فالمدينة ليست إسمنتًا وزجاجًا وواجهات مضيئة فقط؛ المدينة أهلها، وبيوتهم، ومساجدهم، ومدارسهم، ودكاكينهم، وأزقتها، وذكرياتهم وحقوقهم.

والجرافة قد تهدم جدارًا في دقائق، لكنها لا تستطيع أن تمحو من ذاكرة الإنسان اليوم الذي شاهد فيه بيته يُهدم أمام عينيه.

المنصب ينتهي، والجرافة تغادر، والمستثمر قد يكمل بناءه؛ أما المظالم فقد تعيش أطول من الجميع.

وتبقى المسؤولية أمام القانون والمجتمع والتاريخ، وفوق ذلك كله ـ لمن يؤمن بالله واليوم الآخر ـ المسؤولية بين يدي الله.

لذلك نقول للمحافظ: جمّلوا مقديشو، وطوّروها، وابنوا طرقها وأبراجها وحدائقها، ولكن لا تجعلوا بيت الفقير ثمنًا لهذا الجمال.

فالمدينة التي ترتفع أبراجها فوق حقوق أهلها قد تبدو أجمل في الصور… لكنها ستكون أقبح في ميزان العدالة.

بقلم: على أحمد محمد المقدشي

زر الذهاب إلى الأعلى