تميزت قبيلة “بيمال” عن باقي القبائل الصومالية بنظام اجتماعي واقتصادي فريد ومستقل. ويعود السبب في ذلك إلى طبيعة حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، حيث اختلطت حياتهم الرعوية البدوية بالحياة الزراعية المستقرة، ونتيجة لهذا التداخل الفريد، برزت بنية اجتماعية هرمية وأكثر مركزية تُعزز التمازج الوظيفي بين النمطين، ونشأت عن هذا التمازج مهن وصناعات تقليدية محلية حققت للقبيلة اكتفاء ذاتيا وعززت ظهور طبقات اجتماعية متكاملة تلبي كافة احتياجاتها الداخلية.
وقد انعكس هذا الاكتفاء على سلوكها العام، فأصبحت قبيلة منغلقة ومحافظة، تُفضل العزلة ، وتتجنب الاختلاط أو الدخول في أحلاف سياسية أو عسكرية مع القبائل الأخرى، كما تجنبت إلى حدك كبير المصاهرة مع القبائل الأخرى مفضلة التزاوج الداخلي بين أفرادها للحفاظ على تماسك بنيتها وهويتها الخاصة.
وأخلاقيا، تبنت القبيلة بعقيدة سلمية تجاه جيرانها، فلم تشن غارات على القبائل الأخرى بهدف النهب أو السيطرة على خيراتها ومواردها، بل ركزت كامل جهودها على استقلالها. وحفظ حدودها الجغرافية وتطوير أراضيها وثرواتها الحيوانية، مما جعل نشاطها العسكري منصبا بالكامل على الجانب الدفاعي؛ فكانت كل الحروب التي خاضتها دفاعية بامتياز لحماية حدودها وأمنها، بدءاً من صراعاتها مع القبائل المجاورة، وصولاً إلى ثورتها وحروبها الطويلة ضد الاستعمار الإيطالي.
وصف الإيطاليون رجل البيمال بأنه ذو طبيعة فخورة، مقاتل جسور، ومليء بالأنفة والكبرياء
وفي هذا السياق، رفضت قبيلة “بيمال” بشكلٍ قاطع التعامل مع الاستعمار الإيطالي أو الخضوع لإرادته؛ وامتنع أفرادها تماماً عن الانخراط في صفوف المليشيات القبلية والعسكرية التي أسستها إيطاليا إبان احتلالها للصومال، مثل فرقة “غغل” أو فرقة “دبعد”، على الرغم من الرغبة الإيطالية الشديدة ومحاولات الاستعمار الحثيثة لضم مقاتلي القبيلة الأشداء إلى تلك الفرق. وامتداداً لهذه المقاومة، قاطعت القبيلة النظام التعليمي الذي أنشأه الإيطاليون لحماية قيمها وثقافتها من التغريب.
أما في مرحلة ما بعد الاستقلال، فقد استمر هذا النهج السيادي؛ رغم تجنبها الاستعداء والمواجه المسلحة، تبنت القبيلة سياسة المقاطعة السلبية تجاه الحكومات المتعاقبة، متجنبةً الاحتكاك بها أو التعامل معها للحفاظ على استقلاليتها وإدارتها الذاتية.
يتجاوز سلوك قبيلة بيمال الانكفائية مجرد الرغبة في العزلة، فهو يمثل استراتيجية وجودية صارمة مبنية على عقيدة الارتباط بالأرض ، حيث تضع السيادة والكرامة فوق أي اعتبارات مادية أو تنموية. وهي تمتلك حسا سياديا مفرطا، وترفض بشكل قاطع أي تدخل خارجي أو محاولة لإعادة صياغة نظامها الاجتماعي، حتى وإن كانت هذه التدخلات تحمل لها منافع مادية أو تنموية مثل التعليم والمرافق الخدمية كالمرافق المائية، والمراكزالطبية، أو التحالفات العسكرية مع القبائل الأخرى لحمايتها. وتشكل داخل الحس الجمعي لدى أبنائها ما يُسمى بـ “عقدة الارتياب من الآخر”، حيث ترى في كل غريب أو وافدٍ مشروعاً للاستلاء علي خيرات أرضها، أو لطمس هويتها، وتعتمد في بقائها على الاستغناء الذاتي والاكتفاء الاقتصادي والاجتماعي.
فالآخر في نظرها ليس شريكاً محتملاً، بل هو تهديد دائم لوجودها ومقدراتها .وترتاب من المشاريع التنموية (كالمدارس، والمستشفيات، أو شق الطرق) التي تجلبها القوى الخارجية أو الحكومات؛ لأنها تعتقد أن قبول مثل هذه الخدمات تشكل نوعاً من التبعية وفقدان السيادة، ويُقصد بها اختراق جدارها الداخلي، وتطويع أفرادها، وجلب الغرباء الذين سيشكلون خطرا على وجودها اواضراها ماديا ومعنويا
فهي لا تبحث عن الرفاهية، بل عن الاستقلال السيادي، فالزراعة التقليدية والرعي ليسا مجرد نشاط اقتصادي، بل هما وسيلتان لقطع حبل الحاجة عن الآخرين، مما يضمن لها حرية اتخاذ القرار، وعدم الخضوع لابتزاز الغذاء أو المال. كما تقدس قبيلة بيمال أعرافها القديمة وتعتبرها الدستور الأسمى، وتقابل أي جهة تحاول إدخال أفكار جديدة وافدة بالنبذ الاجتماعي الصارم أو الطرد لحفظ تجانس المجموعة، فضلاً عن فرض قيود صارمة على المصاهرة وحظرها خارج نطاقها لحماية بنيتها الهوية والاجتماعية.
ورغم أن هذا الانكفاء يمنح القبيلة حمايةً مؤقتة لهويتها، إلا أنه يفرض عليها عزلة حضارية خانقة ويحمل في طياته أضراراً هيكلية بعيدة المدى على المستويات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. فمن الناحية السياسية، يؤدي نهج المقاطعة السلبية للحكومات والأنظمة الناشئة إلى غياب القبيلة عن مراكز القرار وإبعادها عن حسابات السلطة والثروة في الدولة الحديثة، مما ينتج عنه تهميش دورها السياسي بالكامل. كما أن رفض التحالفات مع القبائل المجاورة يجعلها معزولة تماماً في الأزمات؛ فإذا ما واجهت عدواً يفوقها قوة، فإنها تخوض المعركة بمفردها دون عمق استراتيجي أو حلفاء يشدون أزرها.





