تنمية الوعي السياسي للمواطن الصومالي… ضرورة وطنية لا ترف فكري

إن تنمية الوعي السياسي لدى المواطن الصومالي لم تعد ترفا فكريا أو شأنا يخص النخب السياسية وحدها، وإنما أصبحت ضرورة وطنية تفرضها الظروف الصعبة التي يمر بها الصومال. فالمواطن الواعي سياسيا هو القادر على فهم ما يدور حوله، والتمييز بين المواقف والمصالح، وإدراك التحديات التي تواجه وطنه، والمساهمة في صياغة مستقبل أفضل لبلاده.

ولا يرتبط الوعي السياسي بعمر معين، ولا بمستوى تعليمي محدد، ولا يقتصر على الرجال دون النساء؛ بل هو مسؤولية مشتركة تقع على عاتق كل مواطن، كلٌّ بحسب قدرته وموقعه ودوره في المجتمع.

ماذا نعني بالوعي السياسي؟

يقصد بالوعي السياسي أن يكون لدى الفرد قدر من المعرفة والفهم لما يجري في بلاده من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية، وأن يكون قادرًا على قراءة الأحداث في سياقها الصحيح، وربطها بالتطورات الإقليمية والدولية المؤثرة في مستقبل وطنه.

ولا يقتصر الأمر على متابعة الأخبار أو ترديد المواقف السياسية، بل يتجاوز ذلك إلى القدرة على التحليل والنقد وطرح الأسئلة الصحيحة: ماذا يحدث؟ ولماذا يحدث؟ ومن المستفيد منه؟ وما آثاره على الدولة والمجتمع؟ وما البدائل الممكنة؟

كما أن الوعي السياسي يقتضي أن يكون المواطن على دراية بأوضاع المجتمع الذي يعيش فيه، وأن يدرك المشكلات التي يعاني منها، وأن يسهم في البحث عن حلول واقعية ومستدامة لها. ومن خلال ذلك يستطيع أن يشارك بصوته ورأيه في الدعوة إلى الإصلاح، وأن يقف إلى جانب كل جهد وطني يسعى إلى بناء دولة مستقرة ومجتمع آمن وحياة أفضل.

الوعي السياسي أساس البناء الوطني

إن بناء الوعي السياسي السليم يقوم على مجموعة من الأسس، من أهمها: وضوح الرؤية، وعمق الفهم، والقدرة على التحليل، والشعور بالمسؤولية الوطنية، والرغبة الصادقة في إحداث تغيير إيجابي يخدم المصلحة العامة.

ولعل كثيرًا من الأزمات والانتكاسات التي مر بها الصومال خلال العقود الماضية، وما زال يعاني آثارها حتى اليوم، تعود في جانب منها إلى ضعف الوعي السياسي وانتشار النظرة الضيقة إلى الشأن العام، فضلا عن ضعف المسؤولية لدى بعض من تصدّروا المشهد السياسي.

فحين يغيب الوعي، يصبح المواطن عرضة للتضليل والاستغلال، وقد تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات اجتماعية وقبلية ومناطقية، بدل أن تكون منافسة سلمية حول البرامج والسياسات والمشروعات الوطنية.

السياسة ليست قبيلة ولا مصالح شخصية

ومن المهم أن نفرق بين السياسة الحقيقية وبين الممارسات التي أُطلق عليها اسم السياسة ظلما.

السياسة ليست كذبا أو تضليلا، وليست محاباة أو فسادًا أو ظلما، وليست صراعا قبليا يقوم على منطق «نحن» و«هم». كما أنها ليست مجرد تنافس على المناصب أو توزيع المواقع على أساس قبلي، ولا تختزل في شعارات مثل «4.5» أو في تحويل الانتخابات إلى وسيلة لإعادة إنتاج الانقسامات المجتمعية.

وكذلك ليست السياسة أن يستغل المسؤول منصبه لتحقيق الثراء الشخصي، أو أن يستولي على المال العام، أو أن يحوّل السلطة إلى وسيلة لخدمة الأقارب والمقربين.

السياسة في مفهومها الصحيح هي إدارة شؤون الدولة والمجتمع على أساس المصلحة العامة، وتحقيق العدالة، وحماية الحقوق، وبناء المؤسسات، ووضع السياسات التي تقود البلاد نحو الأمن والاستقرار والتنمية.

ماذا ينتج عن ضعف الوعي السياسي؟

إن غياب الوعي السياسي وانتشار الجهل والمصالح السياسية يترتب عليهما عدد من النتائج الخطيرة، من أبرزها:

  • عدم القدرة على فهم الخطاب السياسي والمشروعات التي تستهدف مصالح البلاد، سواء صدرت عن أطراف داخلية أو خارجية.
  • سوء فهم الأحداث السياسية المحيطة بالمواطن، وعدم القدرة على التمييز بين الحقائق والدعاية والتضليل.
  • العجز عن قراءة ما وراء الأحداث، وفهم ما بين السطور، وإدراك الأهداف الحقيقية لبعض المواقف والتحركات.
  • عدم القدرة على وضع رؤية واضحة للمستقبل، أو بناء برنامج سياسي واقعي يمكن من خلاله مواجهة التحديات.
  • سهولة استغلال المواطن وتوظيفه لخدمة أجندات لا تتفق مع مصلحة وطنه.
  • التعرض المستمر لما يمكن وصفه بالهزائم السياسية والفكرية نتيجة غياب الرؤية وبعد النظر.
  • عدم الاستفادة من الفرص المتاحة أمام الدولة والمجتمع بسبب ضعف القدرة على تقديرها واستثمارها.
  • انشغال المجتمع بالصراعات التي تُفرض عليه بدل توجيه طاقته نحو معالجة أسباب أزمته الحقيقية.
  • فقدان الثقة بين أبناء الشعب عندما يتم تحريضهم ضد بعضهم على أساس القبيلة أو المنطقة أو الانتماء السياسي.

كيف تنمي الوعي السياسي؟

إن تنمية الوعي السياسي ليست مهمة مستحيلة، وإنما تحتاج إلى مشروع طويل الأمد تشترك فيها الدولة، والمؤسسات التعليمية، والمثقفين، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والأسرة، والأحزاب والقوى السياسية.

ومن أهم الوسائل التي يمكن أن تسهم في تحقيق ذلك:

أولا: تعزيز القيم الدينية والأخلاقية


فالإيمان بالله، وفهم مقاصد الشريعة، والالتزام بالعدل والأمانة والمسؤولية، كلها عوامل تساعد على بناء شخصية سياسية متوازنة، تدرك أن السلطة أمانة وليست غنيمة.

ثانيا: دراسة التاريخ


فالشعوب التي لا تقرأ تاريخها معرضة تكرار أخطائها. ومن المهم دراسة التاريخ الإسلامي والتاريخ الصومالي، وفهم الظروف السياسية والاجتماعية التي أدت إلى ازدهار بعض المجتمعات وانهيار أخرى.

ثالثا: متابعة الأحداث وتحليلها


لا يكفي أن يعرف المواطن ماذا حدث، بل ينبغي أن يسأل: لماذا حدث؟ وما النتائج المترتبة عليه؟ وما علاقة الحدث بالتطورات الإقليمية والدولية؟

رابعا: مواكبة التحولات السياسية


فالعالم يتغير بسرعة، والمصالح الدولية والإقليمية تتبدل باستمرار. ولذلك يجب على المواطن أن يواكب هذه التحولات، وأن يفهم أهداف القوى المختلفة ومصالحها، سواء كانت صديقة أم منافسة.

خامسا: تشجيع الحوار الوطني


ينبغي عقد الندوات والمنتديات والمؤتمرات التي تجمع مختلف أطياف المجتمع لمناقشة قضايا الوطن بعيدًا عن التعصب القبلي والمناطقي، والبحث عن القواسم المشتركة التي تجمع الصوماليين.

سادسا: إدخال التربية السياسية في العملية التعليمية


فالوعي السياسي لا ينبغي أن يبدأ بعد وصول الإنسان إلى سن التصويت أو تولي المسؤولية، وإنما يجب أن يبدأ منذ الصغر من خلال تعليم الأجيال معنى المواطنة، والدستور، والقانون، والحقوق والواجبات، وآليات المشاركة السياسية السلمية.

نحو مواطن صومالي أكثر وعيا

إن مستقبل الصومال لا يتوقف على تغيير الأشخاص في مواقع السلطة فحسب، بل يتطلب تغييرًا أعمق في طريقة تفكير المجتمع تجاه الدولة والسياسة والمواطنة.

الدولة القوية لا تبنى بالمؤسسات وحدها، وإنما تبنى أيضا بمواطنين واعين يعرفون حقوقهم وواجباتهم، ويدركون أن مصلحة الوطن أكبر من مصلحة القبيلة، وأن المصلحة العامة أسمى من المصلحة الشخصية، وأن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة اجتماعية.

لقد دفع الشعب الصومالي خلال العقود الماضية ثمنا باهظا نتيجة الحروب والانقسامات والصراعات، وخسر آلاف الأرواح، وتشتت الملايين داخل البلاد وخارجها. ومن ثم فإن استمرار النهج نفسه، دون مراجعة جادة للأسباب التي أوصلتنا إلى هذه الحالة، يعني إعادة إنتاج الأزمة نفسها بأشكال مختلفة.

إن الصومال اليوم بحاجة إلى جيل جديد يمتلك وعيا سياسيا ناضجا، يستطيع أن يقرأ الواقع بموضوعية، ويفهم المتغيرات من حوله، ويميز بين المصلحة الوطنية والمصالح الضيقة، ويرفض أن يكون أداة في صراعات الآخرين.

وفي نهاية المطاف، فإن تنمية الوعي السياسي ليست مسؤولية السياسيين وحدهم، بل مسؤولية كل صومالي يؤمن بأن لهذا الوطن مستقبلًا يستحق أن يبنى. فكلما ارتفع مستوى وعي المواطن، ارتفع مستوى المجتمع، وكلما ارتفع مستوى المجتمع، أصبحت الدولة أكثر قدرة على مواجهة تحدياتها وصناعة مستقبلها.

إن بناء الصومال يبدأ ببناء الإنسان، وبناء الإنسان يبدأ ببناء وعيه.

بقلم / سعيد حاشي ورسمه ــ خبير في البنوك الإسلامية والتقليدية

مفوض باللجنة الوطنية المستقلة للإنتخابات بالصومال ــ سابقا 

سعيد حاشي ورسمة

سعيد حاشي ورسمه ــ ماجستير ــ البنوك والتمويل من بريطانيا ومفوض سابق باللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات بالصومال
زر الذهاب إلى الأعلى