الانتخابات الصومالية في عام 2026م  بين التوافق السياسي والإرادة الشعبية

مع اقتراب موعد الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في الصومال عام 2026، عاد الجدل السياسي إلى الواجهة من جديد، وأصبح ملف الانتخابات القضية الأكثر حضورًا في المشهد الوطني. وتكاد لا تخلو وسيلة إعلام محلية أو دولية، أو منصة من منصات التواصل الاجتماعي، من نقاشات وتحليلات تتناول شكل الانتخابات وآلياتها، في ظل تباين واضح بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

وقد عقدت الأطراف السياسية عدة جولات من الحوار برعاية المجتمع الدولي، أملاً في التوصل إلى اتفاق يضمن إجراء انتخابات تحظى بثقة جميع الأطراف وتحفظ استقرار البلاد. غير أن تلك الجهود لم تحقق حتى الآن النتائج المرجوة، ولا تزال الخلافات قائمة حول طبيعة النظام الانتخابي والآليات الكفيلة بتنفيذه.

ولا شك أن استمرار هذا الخلاف لا يخدم المصلحة الوطنية، خاصة أن الوقت المتبقي على موعد الانتخابات يتقلص بصورة متسارعة. ومن المؤسف أن تُستنزف الطاقات والجهود في خلافات سياسية كان من الممكن تجاوزها لو تغلّبت روح المسؤولية الوطنية على الحسابات الحزبية والمصالح الضيقة.

إن القضية الأساسية ليست مجرد تحديد موعد للانتخابات، وإنما الاتفاق على نظام انتخابي قادر على ترسيخ الاستقرار السياسي وبناء مؤسسات تتمتع بالشرعية والثقة الشعبية. فالدول لا تُبنى بالحلول المؤقتة، وإنما بالمؤسسات الدائمة والقواعد الدستورية المستقرة.

وفي هذا السياق، فإن المقترحات التي قدمتها الحكومة الفيدرالية، ومجلس المستقبل، ومجلس الوحدة الوطنية، وحزب Nabad & Nolol، والتي تدعو إلى اعتماد مبدأ “شخص واحد، صوت واحد”، تمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، شريطة أن تتوافر الضمانات القانونية والإدارية والأمنية التي تكفل إجراء انتخابات حرة ونزيهة، تقوم على المساواة بين جميع الأحزاب والمرشحين، وتحمي إرادة الناخب من أي تأثير أو ضغوط.

لقد آن الأوان لأن ينتقل الصومال من نظام المحاصصة القبلية (4.5)، الذي فرضته ظروف استثنائية في مرحلة انتقالية، إلى نظام ديمقراطي يستند إلى المواطنة والمساواة أمام القانون. فاستمرار العمل بالمحاصصة لا يحقق الاستقرار المنشود، بل يكرس الانقسام ويؤخر بناء الدولة الحديثة.

وفي المقابل، لا يزال بعض الأطراف يتمسك بالنظام غير المباشر الذي يقوم على اختيار أعضاء البرلمان بواسطة عدد محدود من مندوبي العشائر تحت إشراف زعماء القبائل. ورغم أن هذا النظام كان مبررًا في ظروف معينة، فإن التجربة أثبتت أنه يواجه تحديات كبيرة، من أبرزها:

  • انتشار الرشوة وشراء الأصوات بصورة مباشرة وغير مباشرة.
  • ضعف الرقابة على اختيار المندوبين ومدى تمثيلهم الحقيقي لمجتمعاتهم.
  • تدخل رؤساء الحكومات الإقليمية  في توجيه نتائج الانتخابات وبالتالي اختيار أعضاء البرلمان بما يخدم مصالح سياسية محددة.
  • قصور إجراءات التحقق من مؤهلات بعض المرشحين.

ولذلك فإن الإبقاء على هذا النموذج يعني إعادة إنتاج الإشكالات نفسها التي رافقت الانتخابات السابقة، وفي مقدمتها انتخابات عام 2022، والتي أفرزت كثيرًا من الجدل والخلافات السياسية التي ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم.

ومن القضايا التي تستحق وقفة جادة، أن أزمة الانتخابات أصبحت تتكرر مع نهاية كل ولاية رئاسية، وكأنها حدث مفاجئ، بينما الحقيقة أن موعدها معلوم منذ اليوم الأول لتولي أي رئيس مهامه. وكان من المفترض أن يبدأ الإعداد لها منذ الأشهر الأولى للولاية الرئاسية، وأن تُمنح اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات الوقت الكافي لإعداد السجل الانتخابي، واستكمال الجوانب القانونية والإدارية واللوجستية، حتى تُجرى الانتخابات في موعدها دون أزمات أو تجاذبات سياسية.

إن التخطيط المبكر للانتخابات ليس خيارًا سياسيًا، بل هو واجب دستوري واداري، ومن أهم معايير نجاح أي حكومة تحترم التداول السلمي للسلطة.

إن المرحلة الراهنة تتطلب من جميع الأطراف السياسية، حكومةً ومعارضةً وحكومات الإقليمية، تقديم المصلحة الوطنية على أي اعتبارات أخرى، والتوصل إلى توافق تاريخي يؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي. فالمواطن الصومالي لم يعد يطمح إلى مجرد تغيير الأشخاص، بل يتطلع إلى بناء دولة مستقرة، ومؤسسات قوية، ونظام انتخابي يضمن أن يكون صوته هو الفيصل في اختيار قيادته.

خاتمة

إن انتخابات عام 2026م تمثل فرصة تاريخية قد لا تتكرر بسهولة، وهي اختبار حقيقي لقدرة النخبة السياسية على تغليب مصلحة الوطن على المصالح الضيقة. وإذا نجحت القوى السياسية في الاتفاق على إجراء انتخابات حرة ونزيهة وفق مبدأ “شخص واحد، صوت واحد”، فإن الصومال سيكون قد خطا خطوة كبيرة نحو ترسيخ الديمقراطية وتعزيز شرعية مؤسسات الدولة.

كما أقترح أن يُعتمد نظام عملي لتسجيل الناخبين يتيح للمواطن، متى ما توفرت الضمانات الفنية والقانونية اللازمة، الإدلاء بصوته في يوم التسجيل نفسه، بما يسهم في توسيع المشاركة الشعبية وتبسيط الإجراءات.

إن مستقبل الصومال لن تصنعه الخلافات السياسية، وإنما تصنعه صناديق الاقتراع الحرة، وسيادة القانون، واحترام إرادة الشعب. فبناء الدولة يبدأ عندما يؤمن الجميع بأن السلطة تُكتسب عبر إرادة المواطنين، لا عبر التوافقات المؤقتة أو موازين القوى.

ويبقى الأمل معقودًا على أن تكون انتخابات 2026م بداية مرحلة جديدة ينعم فيها الصومال بالاستقرار، ويستعيد مكانته بين الأمم، ويحقق لشعبه ما يتطلع إليه من أمن وتنمية وازدهار.

سعيد حاشي ورسمه ــ ماجستير ــ البنوك والتمويل من بريطانيا

ومفوض سابق باللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات بالصومال

سعيد حاشي ورسمة

سعيد حاشي ورسمه ــ ماجستير ــ البنوك والتمويل من بريطانيا ومفوض سابق باللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات بالصومال
زر الذهاب إلى الأعلى