منذ أكثر من ثلاثة عقود، لا تزال الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية في الصومال، ويتساءل الكثير من الصوماليين عن الأسباب الرئيسية التي أدت إلى ذلك.
في تقديري، تكمن الإجابة في ثلاث آفات رئيسية ما زالت تلقي بظلالها على حاضر البلاد ومستقبلها، وهي: القبلية العمياء، والصراع القائم على المصالح الشخصية، والتدخلات الخارجية في الشأن الصومالي. وقد تفاعلت هذه العوامل فيما بينها حتى أصبحت من أبرز أسباب إطالة أمد الأزمة وتعقيد مسارات الحل.
وتبقى القبلية العمياء أخطر هذه الآفات جميعًا؛ فهي الجذر الذي تتفرع عنه كثير من المشكلات الأخرى. فعندما تتحول القبيلة من إطار اجتماعي وثقافي إلى معيار للولاء السياسي، يتراجع الانتماء للوطن، وتضعف مؤسسات الدولة، وتُقدَّم المصالح الضيقة على المصلحة العامة. ولو حلّت قيم المواطنة والمحبة والتسامح محل العصبية القبلية، لاقترب الصوماليون كثيرًا من تحقيق الوئام والاستقرار الذي ينشدونه.
أما الآفة الثانية، فتتمثل في الصراعات السياسية التي يغلب عليها السعي إلى تحقيق المكاسب الشخصية أكثر من خدمة الوطن. فكثيرًا ما تتحول المنافسة السياسية إلى صراع على السلطة والنفوذ، بينما تتراجع الأولويات الوطنية، مثل بناء المؤسسات، وتحسين الخدمات، وتحقيق التنمية، ومكافحة الفساد. ولا يمكن لأي دولة أن تنهض إذا أصبحت السلطة غاية في حد ذاتها، بدلاً من أن تكون وسيلة لخدمة المواطنين.
إن الصومال اليوم بحاجة إلى قيادات وطنية تمتلك رؤية بعيدة المدى، و تتحلى بالنزاهة والشجاعة والحكمة، وتؤمن بأن بناء الدولة مسؤولية جماعية لا مشروعًا فرديًا. كما تحتاج إلى نخبة سياسية قادرة على تجاوز الخلافات، وتقديم المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والقبلية، والعمل بروح الفريق الواحد من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
أما الآفة الثالثة، فهي التدخلات الخارجية التي استغلت، ولا تزال تستغل، حالة الانقسام الداخلي لتحقيق مصالحها الخاصة. ومن الطبيعي أن تسعى الدول إلى حماية مصالحها، لكن استمرار ضعف الدولة الصومالية وانقسام القوى السياسية يفتح الباب أمام تدخلات تؤثر في القرار الوطني وتحد من استقلاليته. ولذلك فإن أفضل وسيلة للحد من هذه التدخلات ليست بالشعارات، وإنما ببناء مؤسسات قوية، وتحقيق التوافق الوطني، وترسيخ سيادة القانون.
إن التجارب التاريخية تؤكد أن الدول القوية لا تُبنى إلا بإرادة أبنائها، وأن المجتمع الدولي، مهما قدم من دعم، لا يستطيع أن يحل محل الإرادة الوطنية. فالمسؤولية الأولى والأخيرة تقع على عاتق الصوماليين أنفسهم، قيادةً وشعبًا، في تجاوز خلافاتهم، وبناء دولة تقوم على العدالة والمواطنة وسيادة القانون.
ورغم كل التحديات، فإن الأمل لا يزال قائمًا كون الصومال تمتلك من الطاقات البشرية والثروات الطبيعية والموقع الجغرافي ما يؤهلها لأن تكون دولة مستقرة ومزدهرة. غير أن تحقيق هذا الحلم يتطلب نبذ العصبية القبلية، والابتعاد عن الصراعات العقيمة، وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح والعمل المشترك.
إن مستقبل الصومال لن تصنعه القبيلة، ولا المصالح الشخصية، ولا التدخلات الخارجية، بل سيصنعه أبناء الوطن عندما يلتفون حول مشروع وطني جامع، يؤمن بأن قوة الدولة تكمن في وحدة شعبها، وأن نهضة الأمم تبدأ عندما تنتصر المصلحة الوطنية على كل اعتبار.
سعيد حاشي ورسمه
ماجستير في البنوك والتمويل من بريطانيا
ومفوض اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات بالصومال ــ سابقا





