يحثّ الرئيس حسن شيخ محمود الخطى نحو بناء مشهد سياسي مختلف في الصومال؛ مشهد سياسي خالٍ من الإرهاب والحركات المتمردة، ولا يكون فيه لرؤساء الولايات الإقليمية تأثير كبير، وتكون فيه السيطرة السياسية والأمنية بيد السلطة المركزية في مقديشو.
وتعد جميع الإجراءات السياسية التي اتخذها الرئيس خلال السنوات الماضية ، من وجهة نظر البعض، شاهدا على هذا التوجه، بدءًا من التعديلات الدستورية، مرورا بالتحولات السياسية والأمنية في مدينة بيدوا، وانتهاء بالانتخابات المحلية التي شهدتها مقديشو وبعض الولايات الإقليمية، ثم التحولات التي شهدتها ولاية جنوب غرب الصومال.
واللافت أن هذه الخطوات تحدث في مرأى ومسمع من المعارضة والزعماء القبليين التقليديين، الذين صاروا عاجزين، حتى الآن، عن مواجهة إجراءات الرئيس حسن شيخ محمود، والتي يعتبرها معارضوه خارجة عن القانون والدستور الصومالي المؤقت.
وعلاوة على ذلك، تشهد الصومال هذه التغيرات الكبرى في ظل مواقف دولية لا تبدو متطابقة بالكامل مع توجهات الحكومة الفيدرالية؛ فقد كان المجتمع الدولي، لسنوات طويلة، طرفا رئيسيا في رعاية السلام ، ودعم العملية السياسية في الصومال. وهذا قد يدل على أن الوضع تغير، وأن الأمور تتجه نحو مسار سياسي مختلف عما اعتدناه منذ الإطاحة باتحاد المحاكم الإسلامية عام 2006، حين كان للمجتمع الدولي، ولا سيما الدول والمنظمات الإقليمية والدولية المؤثرة، دور كبير في إدارة وتسوية النزاعات السياسية في البلاد.
إن الحكومة الحالية، برئاسة الرئيس حسن شيخ محمود، تشق طريقها بنفسها وبخطى ثابتة، في ظل تراجع التوافق بينها وبين بعض القوى السياسية المعارضة. وهي تجربة سياسية جديدة أثيرت حولها العديد من الأسئلة، وخصوصا فيما يتعلق بمدى إمكانية نجاحها ، وقدرتها على التغلب على التحديات، وبناء نظام سياسي مركزي قوي في بلد يوصف بأنه ذي تركيبة قبلية معقدة، تتداخل فيه المصلحة الوطنية مع المصالح القبلية والفئوية.
ويتساءل كثيرون أيضًا: هل يتمكن الرئيس حسن شيخ محمود، في حال نجاحه في توحيد المناطق الوسطى، بما فيها العاصمة مقديشو التي تسكنها أغلبية من عشائر هوية، وضمّها تحت سلطة الحكومة الفيدرالية، من تكرار هذا النجاح في المناطق الشمالية ، والشمالية الشرقية وأقصى الجنوب، حيث تتمتع عشائر من قبيلتي دارود وإسحاق بنفوذ سياسي واجتماعي كبير؟ أم أن مشروعه سيتعثر، كما تعثرت مشاريع سياسية وعسكرية سابقة سعت إلى توسيع نفوذها على مختلف الأقاليم الصومالية؟
وبناءً على المعطيات على الأرض، لا يبدو أن الرئيس حسن شيخ محمود يتراجع عن مشروعه، رغم التحديات والضغوط التي تمارس ضده حتى الآن. وهو منهمك في الوقت الحالي في استكمال المسار الانتخابي في الولايات الإقليمية، بعد الانتخابات التي جرت في جنوب غرب الصومال وجلمدغ، ومع اقتراب موعد الانتخابات في هيرشبيلي.
وفي حال نجاح هذه المرحلة، سينتقل الاهتمام بصورة أكبر إلى الانتخابات الفيدرالية المقبلة. وفي خضم هذه المرحلة، تتوفر لدى الرئيس فرصة مهمة لتوحيد البلاد والقوى السياسية حول نظام انتخابي يحظى برضا جميع الأطراف السياسية في البلاد.
وأعتقد أن المعارضة، بما فيها رئيسا ولايتي بونتلاند وجوبالاند، سعيد عبد الله دني وأحمد محمد إسلام مدوبي، قد تقبل بأي مشروع يضمن إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية متفق عليها بين مختلف الأطراف السياسية.
أما إذا أصر الرئيس على مواقفه، ولم يطرح تنازلات في هذا الإطار، فإن الأمور قد تتجه نحو مربع خطير، تصبح فيه أبواب جميع الاحتمالات مفتوحة، بما فيها احتمال اندلاع صراع مسلح واسع، أو الاستقواء بدول المنطقة، وخاصة إثيوبيا وكينيا، أو طلب دعم من قوى دولية. وقد بدأت بعض مؤشرات هذا المسار بالظهور في مناطق متنازع عليها، إضافة إلى الانقسام السياسي في جنوب غرب الصومال والمواجهات العسكرية التي شهدتها مدينة بيدوا.
ولا شك أن المجموعات المسلحة التي تواجه الحكومة الفيدرالية أو السلطات المتحالفة معها في جنوب غرب الصومال قد تجد، عاجلا أو آجلا، دعمًا عسكريا أو ماليا من دول أو أطراف إقليمية ممتعضة من سياسات الحكومة الفيدرالية. ومن ثم، فإن المواجهات الحالية قد تتخذ أبعادا أكثر خطورة، وقد تنتقل تداعياتها إلى مناطق أخرى تبدو هادئة في الوقت الحالي.
ماذا ينبغي؟
الكرة في ملعب الحكومة الفيدرالية، ولديها إمكانيات مهمة لتغيير المسار الحالي، وخلق أجواء سياسية تنقذ البلاد من السقوط في الهاوية، أو من العودة إلى مرحلة الصراع القبلي والانتقام السياسي.
والشيء الوحيد الذي ينبغي للرئيس حسن شيخ محمود أن يحققه في الوقت الحالي هو العمل من أجل إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية تحظى بموافقة جميع الأطراف السياسية، من دون استثناء، وبما يضمن شرعية النتائج وقبولها من مختلف القوى السياسية والاجتماعية في البلاد.
فالصومال لا تحتاج في هذه المرحلة إلى انتصار طرف سياسي على آخر بقدر حاجتها إلى اتفاق سياسي جديد يضمن انتقال السلطة بطريقة سلمية، ويحافظ على وحدة البلاد، ويمنع تحول الخلافات الانتخابية والدستورية إلى صراع مسلح جديد.





