كشف تناقضات العقلانيين 10

من المعروف أن الدكتور عدنان إبراهيم من رؤوس الداعين إلى الاحتكام إلى صوت العقل بعيدًا عن الشرع، وهو يصرح بهذا مرارًا، وهو أجرأ بكثير من أتباع مذاهب المتكلمين الذين يقدمون العقل على النقل، لكن لا يصرحون بذلك نأيًا بأنفسهم أن يوصموا بالتجهم، وقد تبرؤوا بألسنتهم من العقلانيين، بينما هم يوافقونهم في أغلب المسائل، كما تبرأ أسلافهم من الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وبشر المريسي، ووافقوهم في أغلب المسائل.

وعدنان إبراهيم يفتخر بأنه عقلاني، ويظن اننا نمدحه حين نقول بانهم عقلانيون ،ولا يفهم أن هذا قدح بانهم يقدمون عقولهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ويذم عدنان من لا يستخدم عقله الذي يقصده منازعة الله تعالى وليس مجرد الاستخدام ، بينما في الحقيقة الذم كل الذم في تقديم العقل البشري القاصر على قطعيات القرآن والسنة، كما هي دأب عدنان إبراهيم وغيره.

وسأركز في هذه السلسلة على الرد على خطب عدنان إبراهيم، التي هي مليئة بهذا النوع، أي تقديم العقل وتقديسه فوق حساب النقل، ولم أرَ من تكلم أكثر منه في هذا الموضوع.

وفي هذه الحلقة من السلسلة، نتناول -بحول الله وقوته- موضوع النسخ. فمن المعروف عن عدنان إبراهيم أنه ينكر النسخ في القرآن الكريم، بل اعتبره خرافة حيث قال : “انا ضد النسخ ما في نسخ بالمرة لا أومن بهذه الأساطير كلها” [1]. ففي خطبته التي بعنوان: “أسرى الحرب بين الحز والحرق”، تطرق إلى إنكاره أن تكون آية السيف التي في سورة التوبة قد نسخت أكثر من مائة آية، واعتبر هذا سفهًا.

ولا ضير في ذلك، بل السفه والطيش ظاهرتان في وجهه وتفكيره لمن يشاهد هذه الخطبة. ولا غرابة أيضًا لأنه ينكر النسخ، أن ينكر أن آية السيف نسخت كل عهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين.

لكن المضحك أنه خاض في هذا الموضوع، وأتى بالعجائب والغرائب، حيث كذب على الصحابة، كما سيظهر في الرد -إن شاء الله-، حين زعم أن آية المن والفداء في سورة محمد هي الناسخة لآية السيف، واتهم علماء المسلمين من السلف وغيرهم بأنهم عكسوا القضية، ونسب هذا القول -أي أن آية السيف منسوخة- إلى ابن عباس، وزعم أيضًا أنه ظاهر كلام ابن عمر.

ولم يعطِ كلامه هذا أي مصداقية، إذ لم يسق له سندًا ولا مصدرًا. فرجعت إلى كتب التفاسير المعتمدة عند الأمة، وسترى حجم كذب عدنان إبراهيم على السلف من أجل أن ينصر قوله، وهذا خيانة علمية وإخلال بالمنهج العلمي؛ فإن البتر من أكبر الخيانات العلمية، فكيف بالكذب على العلماء ونسبتهم إلى قول لم يقولوه، ولا سيما إذا كان ذلك في حق الصحابة رضوان الله عليهم.

قال عدنان إبراهيم في خطبته التي بعنوان: “أسرى الحرب بين الحز والحرق”:

 “في المقابل، هناك من قال: الآية محكمة، وهي الناسخة لقول الله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}، وليس العكس. عكسوا القضية، عكسوا الآية. قالوا: هذه الناسخة، وليس المنسوخة. من قال هذا؟ ابن عباس. قال ابن عباس: نسخ قول الله تعالى: {فإما منا بعد وإما فداء}[2] قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}[3]،  ما رأيكم؟”.

رأينا نرجئه ونؤخره يا عدنان، لكن سنرى من الذي عكس القضية وعكس الآية.

هل حقًا ابن عباس قال إن قوله تعالى: {فإما منا بعد وإما فداء} نسخ قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}، وهي ما تسمى عند المفسرين والفقهاء والأصوليين بآية السيف؟

لنذهب إلى مراجع التفاسير المعتمدة:

قال إمام المفسرين أبو جعفر الطبري في تفسيره:

“حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ({فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب}) إلى آخر الآية، قال: الفداء منسوخ، نسختها: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم…} إلى قوله: {كل مرصد}. قال: فلم يبق لأحد من المشركين عهد ولا حرمة بعد براءة وانسلاخ الأشهر الحرم” [4].

انظر يا أخي المسلم، فإن ابن عباس رضي الله عنه يقول إن آية المن والفداء منسوخة بآية السيف، بينما عدنان إبراهيم قال لنا إن ابن عباس ذهب إلى أن المنسوخ هو آية السيف، وليس آية المن. فأي استخفاف وتنطع هذا؟!

وأي تحريف لآثار الصحابة هذا ليوافق هواه فقط؟!

ثم من العجب العجاب أولئك الصم البكم الذين يجلسون حوله، يسمعون ولا يفهمون، ولا يبحثون عن أي شيء.

وكأنه يستخفهم بقوله: “عكسوا القضية”، وهو الذي عكس القضية والآية.

وقال عماد الدين الحافظ ابن كثير في تفسيره:

“ثم قد ادعى بعض العلماء أن هذه الآية – المخيرة بين مفاداة الأسير والمن عليه – منسوخة بقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} رواه العوفي عن ابن عباس. [5]”

وانظر إلى تفسير ابن كثير أيضًا، فلا يوجد فيه أن ابن عباس قال إن هذه الآية نسخت آية السيف، بل فيه العكس، مثل الأثر الذي رواه ابن جرير الطبري كما مر، وهو أن آية السيف هي التي نسخت آية المن.

وقال الإمام القرطبي في تفسيره:

“إنها منسوخة، وهي في أهل الأوثان، لا يجوز أن يفادوا ولا يمن عليهم، والناسخ لها عندهم قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}، وقوله: {فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم}[6]، وقوله: {وقاتلوا المشركين كافة} [7]، قال قتادة والضحاك والسدي وابن جريج والعوفي عن ابن عباس، وقاله كثير من الكوفيين.[8]”

فالقرطبي ينقل عن جماعة من السلف، كقتادة والضحاك والسدي وابن جريج والعوفي، وكلهم نقلوا عن ابن عباس أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، وليس كما زعم عدنان إبراهيم.

وقال الإمام السيوطي في تفسيره:

“وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {فإما منا بعد وإما فداء} قال: هذا منسوخ، نسختها: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} [9].

فهو أيضًا ينقل عن ابن عباس أن آية المن والفداء منسوخة بآية السيف.

ونقل السيوطي أيضًا في كتابه عن ابن عباس في قوله: {فإما منا بعد وإما فداء} قال: “فجعل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالخيار في الأسرى، إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم. [10]

فهذه الرواية أيضًا لا يوجد فيها أن ابن عباس ذهب إلى أن آية المن والفداء نسخت آية السيف، بل فيها التخيير للإمام بين القتل أو الاستعباد أو الفداء، بعكس ما تفوه به عدنان إبراهيم، وهو أن ابن عباس قال إن آية السيف منسوخة بآية المن والفداء.

ونقل أيضًا الإمام البغوي في تفسيره أن ابن عباس ذهب إلى أن الإمام مخير بين القتل والاسترقاق، ولم يذكر أن ابن عباس قال إن الآية نسخت آية السيف كما زعم عدنان إبراهيم[11].

وخلاصة مذهب ابن عباس، كما يظهر في التفاسير المعتمدة لهذه الآية، أنه نقل عنه قولان:

القول الأول: أن آية المن والفداء منسوخة بآية السيف.

القول الثاني: أن الإمام مخير بين القتل والاسترقاق والفداء للأسير.

لكن قد يقول قائل :القول الثاني الذي نقلته عن ابن عباس بتخيير الإمام يُفهم أنها محكمة وهي تؤيد عدنان إبراهيم، فأقول:

أولاً: نزاعنا مع عدنان إبراهيم في نسخ آية السيف وليس أن أية المن والفداء مُحكمة.

ثانيا : في فرق أن تقول أن آية فلان محكمة فيُعمل بها ،وبين أن تقول هي ناسخة لآية أخرى ،وهو ما يدعيه عدنان إبراهيم أن ابن عباس قال أن هذه آية السيف منسوخة ، وقد أبطلنا ادعائه هذا.

ثالثا: هذا القول لابن عباس يخير الإمام بين القتل والاسترقاق والفداء بينما آية المن والفداء ليس فيها القتل والاسترقاق ، بل فيها المن والفداء فقط ،فكيف يستدل بقول ابن عباس وهو يخير الإمام بين القتل وغيره وهو ينازع أنه لا يُقتل الأسير إطلاقا، وهذا من العجب العجاب 

وهذه الوجوه الثلاثة تُبطل قول عدنان إبراهيم جملة وتفصيلا.

بينما زعم عدنان إبراهيم أن ابن عباس قال إن آية المن هي الناسخة لآية السيف، واتهم علماء المسلمين، سلفًا وخلفًا، بأنهم عكسوا القضية، وفي الأخير تبين أنه هو الذي عكس القضية والآية، وعكس فهم معجبيه الصم البكم الذين لا يعقلون.

قال عدنان إبراهيم:

“وهو ظاهر ما ينسب إلى عبد الله بن عمر، حين دفع إليه الفاسق المبير الحجاج بن يوسف رجلًا أسيرًا، وأمره بأن يضرب عنقه، قال: ما هكذا أمرنا الله أن نفعل بالأسرى. قال له: كيف أقتل أسيرًا؟ أنا ما بقاتله. قال الله تعالى: {فإما منا بعد وإما فداء}.”

أقول:

هذا الأثر ذكره القرطبي في تفسيره:

“وقد روي عن الحجاج أنه دفع أسيرًا إلى عبد الله بن عمر ليقتله، فأبى، وقال: ليس بهذا أمرنا الله، وقرأ: {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق}.[12]

لكن هل هذا الأثر عن ابن عمر يدل في ظاهره على أن آية المن والفداء نسخت آية السيف؟

أولًا: غاية ما في الأثر أن ابن عمر امتنع من قتل الأسير، وقال بعد ذلك: “ليس بهذا أمرنا الله”، أي: أن نقتل الأسير. فغاية ما في كلام ابن عمر رضي الله عنه انع أبى قتل الأسير، ولا يوجد في كلامه، لا في منطوقه ولا في مفهومه، أن هذه الآية نسخت آية السيف.

ثانيًا: قال القرطبي رحمه الله بعد نقله الأثر مباشرة:

“قلنا: قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، وليس في تفسير الله للمن والفداء منع من غيره، فقد بين الله في الزنى حكم الجلد، وبين النبي صلى الله عليه وسلم حكم الرجم، ولعل ابن عمر كره ذلك من يد الحجاج، فاعتذر بما قال، وربك أعلم.[13]

أي: إن قتل الأسير قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يحرم بقول ابن عمر، وإنما كره ابن عمر أن يقتل الأسير بأمر الحجاج.

ثالثًا: يظهر من هذا تعمد عدنان إبراهيم الكذب على السلف، وعلى رأسهم الصحابة، تارة بتزوير آثارهم، كما فعل في هذا الأثر، وتارة بالكذب الصريح، كما في أثر ابن عباس الذي مر معنا.

: يُفهم من ظاهر كلام عدنان إبراهيم أنه لا يجوز قتل الأسير بأي حال، فأقول حينها :

أولا : قد أجمع المسلمون أنه لا يجوز قول هذا حلال وهذا حرام الا بنص شرعي وليس بالتشهي.

ثانيا : فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قتل عقبة بن أبي معيط صبرًا، وكذلك النضر بن الحارث.[14].

ثالثا :قد تقرر في الأصول أنه اذا تعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم مع فعله فإنه يُقدم قوله ،وليس لدينا قول له صلى الله عليه وسلم يعارض فعله هذا .

رابعا :نزاعنا مع عدنان ليس في جواز فداء الأسير أو المن بإطلاق سراحه وإنما في زعمه بعدم جواز قتل الأسير بأي حال.

المراجع والمصادر :

1/ https://youtu.be/TT_QfSyEnrQ?si=lsr2E_4lUeGL5lcQ

2/ سورة محمد الآية 4.

3/ سورة التوبة الآية 5.

4/ تفسير الطبري :21/185.

5/تفسير ابن كثير:7/284.

6/ سورة الأنفال الآية 57.

7/سورة التوبة الآية 36.

8/تفسير القرطبي : 16/227.

9/ تفسير الدرر المنثور للسيوطي: 7/457.

10/ المرجع نفسه : 7/457.

11/تفسير البغوي : 4/209.

12/تفسير القرطبي :16/229.

13/المرجع نفسه : 16/229

14/البداية والنهاية، ابن كثير : 5/188.

محمد بن الحسن

كاتب وباحث صومالي ، خريج ماجستير في أصول الفقه من الجامعة الإسلامية
زر الذهاب إلى الأعلى