المغترب الصومالي … والدعوة إلى التفكير في البديل الحقيقي

(بقلم الكاتب: عصام حسين الجامع

مقدمة تمهيدية:
في ظل تصاعد موجات العنف واستهداف المهاجرين من جنوب أفريقيا إلى الولايات المتحدة وأوروبا، يواجه المجتمع الصومالي المغترب تحديات وجودية تضع أمنه واستثماراته وهويته على المحك. وفي هذا المقال، يسلط الكاتب عصام حسين الجامع الضوء على الواقع المرير الذي يعيشه المغترب الصومالي بين مطرقة الإقامات المؤقتة وسندان خطابات الكراهية الممنهجة، مستعرضاً قصة التعافي الاقتصادي والأمني الشامل الذي تشهده كافة الولايات الصومالية، وموجهاً نداءً صادقا للمغتربين الصوماليين لجعل الصومال هو البديل الحقيقي والوحيد لهم .
───
يعيش المغترب الصومالي في الشتات اليوم واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية، الاقتصادية، والاجتماعية؛ حيث يجد نفسه محاصراً بين نارين: نار البقاء في بيئات اغتراب مؤقته او هشة تتربص بها حركات عنصرية وسياسات كراهية الأجانب والوافدين، كالحركات الشعبية التي تقودها منظمة “مارش آند مارش في جنوب افريقيا مثلا ضد الوافدين والمهاجرين . ومن جهة أخرى نار التردد في اتخاذ القرار الحاسم بالعودة إلى الصومال والاقامة فيه.
لكن مع التغيرات المتسارعة التي يشهدها القرن الأفريقي، أصبحت هذه الأزمات المتلاحقة دافعاً حقيقياً لكل مغترب صومالي لإعادة النظر في مفهوم الاستقرار والتفكير الجدي والالتفات نحو بلده الصومال الذي يتعافى ويفتح ذراعيه لأبنائه.

واقع مرير: وهم الاستقرار في مجتمعات طاردة والنظرة الدونية المستمرة للوافد :
تثبت الأحداث المعاصرة حقيقة واضحة لا غبار عليها: مهما حقق المغترب الصومالي من نجاح مالي أو تجاري في مجتمعات أخرى يتواجد فيه باقامات مؤقته ، فلن يغير ذلك نظرة المواطنين والدولة المستضيفه له باعتباره وافدا بلا حقوق مواطنة ومنافس أجنبي لقوت يومهم وشخص مهدد دوما بالطرد والابعاد في أي لحظة. وعلى سبيل المثال لا الحصر ، يعيش الصوماليبن في جنوب أفريقيا تحت وطأة الإقامات المؤقتة ووثائق اللجوء المتجددة وسط غياب لحقوق المواطنة كاملة وتزايد الدعوات العنصرية إلى تدعو المهاحرين إلى الرحيل. ويتشابه هذا الوضع في جوهره وليس بالضرورة في شكله مع تجارب الاغتراب في دول أخرى كدول الخليج العربي وبعض الدول العربية و الأفريقية وغيرها من الدول، حيث يجد المغترب الصومالي بان رابطه القانوني بالبلد ينتهي ببمجرد انتهاء تأشيرة العمل الخاصة به، ليظل المغترب الصومالي بنظر المجتمع المحلي مجرد “وافد” بلا حقوق مستدامة. ولم تعد تقتصر معاناة المغترب الصومالي على الدول النامية للاسف الشديد، بل امتدت لتشمل معاقل الهجرة الغربية بفعل العواصف السياسية الشعبوية الممنهجة في الغرب. حيث نرى جميعا كيف يتم استهداف الجالية الصومالية في ولاية مينيسوتا في الولايات المتحدة الامريكية وبالرغم من كونهم يحملون الجنسية الأمريكية اي مواطنين أمريكيين . إذ تواجه الجالية الصومالية في الولايات المتحدة الأمريكية، وخصوصاً في ولاية مينيسوتا التي تضم أكبر تجمع صومالي بأكثر من 80 ألف نسمة حملات مضايقة غير مسبوقة. وجاءت هذه الحملات مدفوعة بخطابات الكراهية والازدراء العلنية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي وصف فيها المهاجرين الصوماليين بأوصاف مهينة كـ “القمامة” (Garbage) ، وهاجم ذكاء المجتمع الصومالي واصفاً إياهم بـ “تدني الذكاء” (Low IQ)، و مستغلاً قضايا معزولة لشحن الرأي العام والمطالبة بترحيلهم قسرياً وإلغاء وضع الحماية المؤقتة (TPS).ولم يقتصر هذا الأمر في الولايات المتحدة الأمريكية ، اذ نجد ان هذه الموجة العنصرية العاتية امتدت لتشمل أوروبا في الآونة الأخيرة وخصوصا مع صعود أحزاب اليمين في أوروبا. اي بالتوازي مع الهجوم الأمريكي، أصبح المغترب الصومالي يواجه في الغرب عموما تزايداً حاداً في خطابات العداء والازدراء. حيث يتم استخدام الهوية العرقية والدينية الفريدة للصوماليين كـ “كبش فداء” في معارك الانتخابات الأوروبية باعتبارهم مجتمعات أصولية منغلقة على ذاتها وترفض الاندماج بالثقافات المحلية الاوروبية، مما بدأ ينزع عن الصوماليبن في أمريكا واوروبا شعور الأمان القانوني والاجتماعي. واذا كان قد أصبح الحال مع المغترب الصومالي في الغرب ذو الشعارات الرنانة حول الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان بهذا المستوى المتدني من الخطابات، فكيف يا ترى يأمن المغترب الصومالي وينام قرير العين في مجتمعات الدول النامية ؟! .
فخ الهوية: التمسك بوهم “الجنسية البديلة” :
من أكبر العقبات النفسية التي تواجه المواطن الصومالي في الاغتراب هو سعيه الدؤوب للحصول على جنسية بلد آخر ليس كوسيلة لتوفير تسهيلات السفر وغيرها، وانما كغاية و حلم جلل وهدف أسمى للتهرب من كابوس فكرة العيش في الصومال. وعلى الرغم من انه بمكن اعتبار إن الركض خلف الجوازات الأجنبية هو علاج مؤقت، لان الجنسية البديلة كما ندرك قد تمنح المغترب الصومالي حرية السفر وتسهيلات أخرى، لكنها لا تحميه من التمييز المبطن أو السياسات والقوانين العنصرية او خطابات الازدراء الرئاسية في بلاد الاغتراب التي قد تلفظه عند أول منعطف سياسي يتماشى مع تغير وجهة المزاج العام لكل ما هو أجنبي ومغترب وبدعوات قد يراها البعض أن أهل البلاد الأصليين لهم الحق في المحافظة على هويتهم وثقافاتهم من الدخلاء عليهم باعتباره حقا سياديا يعلو فوق اي قانون او سياسة، والتي قد تؤدي في نهاية المطاف الى سحب الجنسية من المتجنسين تحت مبررات مختلفة في ظل انتشار ظاهرة سحب الجناسي في دول متعددة في الشمال والجنوب و بمبررات صحيحة و غير صحيحة .

حاجز الخوف الصامت: مجابهة الواقع والتعايش مع أجيال “الفوضى” :
إلى جانب الهواجس الاقتصادية، يبرز عائق نفسي واجتماعي عميق يقض مضاجع المغترب الصومالي؛ وهو الخوف من مجابهة الواقع المجتمعي الصعب في الداخل. اذ يخشى المغترب الصومالي تحدي التعايش والاندماج مع أجيال محلية من الشباب الذين ترعرعوا ونشأوا في بيئة سادتها لسنوات طويلة حالة “اللادولة”، واعتادت على مظاهر القتل والسلب و الفوضى وافتقار الخدمات الاساسية للعيش اليومي جودة الحياة اليومية بشكل عام . لكن من وجهة نظري ، فان هذه الفجوة تحديداً هي ما يفرض على المغترب الصومالي العودة الشجاعة الى بلده، لأن علاج هذا الشرخ الاجتماعي وتعديل السلوكيات العامة لا يمكن أن يتم دون الاختلاط الإيجابي ما بين المغترب وبين المحلي ونقل المغترب الثقافات والخبرات المدنية السلمية من الخارج إلى الداخل، والاستفادة من الجوانب الايجابية للمحليين لاثراء تجربته وتسهيل اندماجه مع المجتمع . ولكن للأسف ما نراه بالمقابل هنا ، ان بعض المغتربين يجعل من عودته الى الصومال وسيلة للحصول على الغنائم السريعة وفق منطق ” اضرب واهرب ” وخصوصا في ظل هشاشة مؤسسات الدولة وأنظمة التدقيق والمحاسبة وانتشار ظاهرة الفساد والمحسوبية ، ومن ثم الهرولة بالغنائم إلى خارج الصومال واستخدامها لتنمية مجتمعات أخرى والعيش فيها برفاهية .

الصومال اليوم: قصة تعافٍ وشبكة نهضة ممتدة في كل الولايات :
بينما يسيطر الخوف من العودة على العديد من أفراد المجتمع الصومالي في الاغتراب نتيجة ترسبات الماضي والصور النمطية المشوه لكل ما هو صومالي في وسائل الاعلام والسينما الأجنبية ، فإن الواقع على الأرض يتحدث بلغة مختلفة تماماً. فالصومال يشهد قفزات نوعية وضخمة تجاوزت العاصمة لتشمل كافة أرجاء البلاد. حيث نجد ان العاصمة الصومالية مقديشو تشهد تطورات متسارعة تكنولوجياً وعمرانياً وفي قطاعات التنمية الاجتماعية .. تضاهي كبريات المدن الإقليمية. ومثلما تشهد ولاية بونت لاند في شمال شرق الصومال تطورات كبيرة من حيث البنية التحتية والعمران ومؤسسات الدولة. و تبرز مدينة غروي (عاصمة ولاية بونت لاند) كمركز إداري وتنموي صاعد، و إلى جانب الأهمية الإستراتيجية المتزايدة لمدينة بوساسو الساحلية كشريان اقتصادي وتجاري هام وواعد في الصومال. وكما نجد أن أقاليم ارض الصومال تشهد استقراراً ملموساً ونمواً تجارياً وعمرانياً مستداماً يجذب الاستثمارات. ومن الولايات الواعدة ولايات غلمدغ وجوبا لاند وهيرشبيلي. اذ تواصل ولاية غلمدغ وولاية جوبا لاند وولاية هيرشبيلي خطواتها الحثيثة والملموسة في مجالات البناء والتنمية المحلية وتثبيت دعائم الأمن والاستقرار والنمو الاقتصادي والاجتماعي .
وفي هذا السياق ، فمن المفيد الاشارة الى انجاز الحكومات الفيدرالية المتعاقبة للعديد من الشراكات والاتفاقيات الدولية التي ستساهم في تعزيز مكانة الصومال الدولية عبر توقيع اتفاقيات إستراتيجية كبرى، لا سيما الاتفاقيات الدفاعية والاقتصادية بين الصومال وتركيا، والعديد من الدول الأخرى، مما سيمنح الصومال غطاءً أمنياً واقتصاديا مستداماً يحمي حوضه المائي وأراضيه ويساعد في الاستفادة من الثروات الطبيعية الهائلة غير المستغلة.
وهنا ادعو المغترب الصومالي ان يتحرر من أسر الصورة النمطية السلبية جدا حول الصومال و الصوماليين وان يعي جيدا يأن بلده الصومال ليس بلداً فقيراً، بل هو بلد غني بموارده الطبيعية والمعدنية الهائلة وغير المستغلة. اذ يمتلك ساحلا من أطول السواحل الأفريقية الغنية بالثروة السمكية والبحرية، و إلى الأراضي الزراعية الخصبة الشاسعة، ووصولاً إلى الثروات الحيوانية الهائلة والمخزونات الواعدة من النفط والغاز والمعادن. فهذه الثروات تنتظر العقل الصومالي والوجه الصومالي المبدع ليحولها إلى واقع اقتصادي ملموس.
وهنا وحتى تكتمل دائرة العودة الايجابية، يقع على عاتق الحكومة الفيدرالية الصومالية والحكومات المحلية في كافة الولايات الصومالية مسؤولية تاريخية تتمثل في صياغة سياسات وقوانين واضحة تحمي استثمارات المغترب الصومالي العائد وتمنحه تسهيلات ضريبية وجمركية محفزة، وتوفير الخدمات الأساسية لرفع جودة الحياة، و تهيئة بيئة جاذبة تتوفر فيها مقومات العيش الكريم للتخفيف من صدمة العودة من كهرباء رخيصة ومستدامة، ومياه نظيفة، وشبكات صحية ومستشفيات متطورة، ومدارس ذات جودة تعليمية عالية لخدمة أبناء المغترب الصومالي العائد، بما يضمن ردم الفجوة في جودة الحياة بين المهجر والوطن.

دعوة إلى الانتقال من “التحويلات المالية” إلى “سواعد البناء”:
لم يعد كافياً أن يقتصر دور المغترب الصومالي على دور “المموّل” عبر إرسال التحويلات المالية الجافة؛ فالصومال بحاجة ماسة إلى السواعد الصومالية، والعقول الإدارية، والخبرات العلمية التي اكتسبها الإنسان الصومالي في الخارج لتوجيهها نحو قطاعات الصناعة والتعليم والإعمار المباشر وكافة القطاعات لتثبيت الأمن والسلام وتأهيل الجيل الناشئ داخلياً وتعزيز جهود التنمية المستدامة في البلاد

خاتمة :
إن عداء الأجانب المتنامي في جنوب أفريقيا، إلى جانب تصاعد خطابات الازدراء والاضطهاد السياسي في أمريكا وأوروبا وغيرها من الدول، يحمل رسالة تنبيه حاسمة ودعوة الى صحوة عاجلة لكل مغترب صومالي مفادها : ” لقد آن الأوان لكسر حاجز التردد وخوف الاندماج الاجتماعي، والتفكير الجدي والعميق في العودة والمساهمة عن قرب في نهضة الصومال. فالأوطان لا تبنى بالأمنيات، بل تبنى بسواعد أبنائها الصوماليين الذين يؤمنون بأن كرامة المغترب الصومالي الحقيقية لا تكتمل إلا على أرضه وموطنه الأصلي الصومال الذي نسأل الله ان يديمه عزيزا كريما بسواعد أبنائه وبناته الشرفاء ” .

زر الذهاب إلى الأعلى