الناس في القرآن بين الجافي والغالي

​القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع، والمبيّن الهادي، وقول الجبار القادر؛ وهو كلام الله المعجز المنزَّل على رسوله الكريم، الذي تحدّى به البشرية جمعاء أن يأتوا بسورة من مثله، وهو الكتاب الذي لا ريب فيه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الذي عزّ متمسكه وذلّ تاركه، وهو الكتاب الذي لا تجد فيه اختلافاً؛ فهو منهج الحياة الكاملة للإنسان، ودستور الأمة المحمدية، وقانون الشعوب في كل زمان ومكان. قال تعالى: ﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَیۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِیهِ ٱخۡتِلَـٰفࣰا كَثِیرࣰا﴾ [النساء: ٨٢]. والقرآن نفسه يوضح لنا أهميته حيث قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ یَهۡدِی لِلَّتِی هِیَ أَقۡوَمُ وَیُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ٱلَّذِینَ یَعۡمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرࣰا كَبِیرࣰا﴾ [الإسراء: ٩].

​وقد أُنزل هذا القرآن على خير خلق الله وأشرفهم، في أفضل الشهور (شهر رمضان)، وفي خير الليالي (ليلة القدر)، وهو دائم مستمر إلى يوم الدين، لا يُخاف عليه تحريف ولا تبديل؛ لأن الله كفل حمايته وحفظه حيث قال: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
​ونأتي إلى صلب الموضوع، وهو موقف الناس أمام القرآن؛ حيث ينقسمون إلى قسمين:
​غَالٍ.
​جَافٍ.

​يقول ابن القيم -رحمه الله-:
​«ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريطٍ وإضاعةٍ، وإما إلى إفراطٍ وغلوّ، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه… فكما أن الجافي عن الأمر مضيّع له، فالغالي فيه مضيّع له؛ هذا بتقصيره عن الحدّ، وهذا بتجاوزه الحدّ» (مدارج السالكين 2/496).

​والقرآن صالح لكل زمان ومكان وظرف، ومن معجزاته أنه يلبّي حاجة الناس حيثما كانوا في الشرق أو الغرب على اختلاف بيئاتهم ومعايشهم؛ لأن الذي أنزل القرآن هو الذي خلق الخلق ويعلم سرهم ونجواهم ولا يخفى عليه شيء. ومع ذلك، يوجد في كل زمان من لا يؤمن بالقرآن حسداً من عند نفسه أو بغياً وطغياناً، وما زال الشيطان الملعون حياً لا يعجز عن عمله وهو إغواء الناس عن القرآن، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَاۤ أَغۡوَیۡتَنِی لَأُزَیِّنَنَّ لَهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِیَنَّهُمۡ أَجۡمَعِینَ﴾ [الحجر: ٣٩]، وفي الآية التالية استثنى الشيطان عباد الله المخلصين، قال تعالى حكاية عنه: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِینَ﴾ [الحجر: ٤٠]. فاللهم اجعلنا من عبادك المخلصين.

​وفي هذا الزمان كَثُرَ حُفّاظ القرآن ما شاء الله، وهذا أمر مفرح جداً نُهنّأ عليه، ولكن مع الأسف ترى حافظاً أو حافظة لكتاب الله يفعل أشياء غريبة ومحرمة شرعاً؛ كالمجون والرقص على منصات “التيك توك”، أو الاختلاط المحرّم، وكأنهم لم يفهموا معنى القرآن! وهؤلاء جفاة لم تُخالط حلاوة القرآن قلوبهم، ولم يدركوا ثقل الآيات والرسالة السامية التي يحملونها، وأخشى إن لم يفهموا القرآن ولم يأتمروا بأوامره وينتهوا بنواهيه أن يكون القرآن حجة عليهم لا لهم.
​وهناك أناس آخرون لا يقرأون القرآن ولو صفحة واحدة، شغلتهم دنياهم، وأخشى أن يقول الرسول فيهم يوم القيامة: ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ یَـٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِی ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورࣰا﴾ [الفرقان: ٣٠]، وصور الهجران كثيرة كما ذكر ابن القيم -رحمه الله-.
​وعلى الجانب الآخر، هناك من غلوا في الدين والقرآن، والله يقول: ﴿یَـٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ لَا تَغۡلُوا۟ فِی دِینِكُمۡ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، وهؤلاء خطَرُهم كبير لأن العامة قد يظنونهم علماء وليسوا بعلماء، ومن أبرز سماتهم:

∆​تقديس الأشخاص أو الأفكار والجماعات.

∆​تبنّي الفكرة قبل الاستدلال بدلاً من بناء الفكرة والنتيجة على الدليل.

∆​التصنّع والتمثيل في الدين.

∆​التسرّع في التكفير والحكم على المسائل قبل التفقه.

∆​تنفير الناس من الدين من حيث لا يشعرون.
​التشدد والتنطع

✍️ ✍️ عبدالرحمن معلم عبدالله (دلجر)

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى