ملحمة طناني

إن الحديث عن مقاومة بيمال ضد الاستعمار الإيطالي ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو الوقوف على عتبة الباب المؤدي إلى فهم طبيعة معركة الاستقلال بين الإيطاليين والصوماليين في الجنوب، وفهم الطبيعة الاجتماعية والدينية المعقدة لقبيلة بيمال أيضا. فقد شكلت هذه القبيلة، بتركيبتها العشائرية الصلبة وارتباطها الروحي العميق بالأرض، صخرة صلبة تحطمت عليها أوهام التوسع الإيطالي المبكر في منطقتي بنادر وشبيلي السفلى. ولم يكن جهادهم مجرد رد فعل عسكري آنية، بل تجسيدا لرفض مجتمعي شامل للمشروع الاستعماري؛ حيث تلاحمت الهوية الدينية المتمثلة في قياداتهم الروحية وعلمائهم، مع الأنفة القبلية الأبية لحماية  أراضيها  وشريان حياتها الاقتصادي والوجودي وتبرز في هذا السياق معركة طناني التاريخية التي دارت رحاها  فبراير عام 1907م كأحد أهم المحطات المصيرية في هذا الصراع، إذ سعى الاستعمار الإيطالي من خلالها إلى كسر الحصار المحكم الذي فرضه مقاتلو بيمال بقيادة الشيخ عبدي أبيكر غافلي على مدينة مركه الساحلية، بغية فتح ممر آمن نحو الأراضي الزراعية الشاسعة في إقليم شبيلي السفلى. ورغم لجوء المستعمر إلى قوات من المرتزقة اليمنيين والإريتريين مدججة بالأسلحة الحديثة، إلا أن مقاتلي قبيلة بيمال واجهوهم ببسالة استثنائية، وشنوا هجمات مباشرة ومنظمة لدرجة اقتلاع الأسلاك الشائكة بأيديهم العارية والتصدي لقوات العدو وجها لوجه،ما اذهل العدو وأربكه وأيقن أن بقائه في أرضهم بات مستحيلا،  وذلك بشهادة قادتهم ورؤساءهم..    

فمنذ أن دخل المستعمر الايطالي أراضي قبيلة بيامال، واجهته بالرفض  والمقاطعة التامة. وتطورت هذه المقاطعة سريعا إلى مقاومة مسلحة عنيفة، شملت تنفيذ اغتيالات ناجحة ضد مسؤولين وجنود ايطاليين، كان ابرزها اغتيال المقيم الايطالي موريسيو تلموني في مركة سنة 1893 وزيمله جاكومو تريفيس عام1896. كما فرضت القبيلة حصارا بريا خانقا على مدينة مركة الساحلية وعزلتها عن محيطها، مما منع وصول الامدادات وشل حركة الاحتلال التجارية، وهو ما فجر معارك شرسة جعلت من الصعب على القوات الايطالية فرض سيطرتها الكاملة على المنطقة لسنوات طويلة. وقد لعب العلماء وزعماء القبيلة دورا محوريا في توجيه هذه المقاومة وإثارة حماس المقاتلين، حيث قاد الفقهاء، وعلى راسهم الشيخ عبدي ابيكر غافلي، حملة تعبئة دينية تحث على الجهاد لحماية الارض والهوية، بينما نجح الزعماء في عقد مؤتمرات حاشدة لتوحيد العشائر وتجاوز الخلافات. وتكامل هذا الدور مع الحركة الشعرية الثورية، إذ  تحول الشعراء الى لسان حال المقاومة، واشتعلت الجبهات بقصائد حماسية والامثال الشعبية التي ألهبت روح المقاتلين، ورسخت في نفوسهم قيم التضحية، وحولت الشعر الى سلاح معنوي لا يقل تاثيرا عن البندقية في مواجهة التغلغل الاستعماري.

ملحمة طناني 

وقعت معركة طناني في قرية طنانى التي تحمل المعركة اسمها  في عام 1907, وهي قرية صغيرة تقع على الساحل بين بلدة جزيرة ومدينة مركة، وتقطنها عشيرتي سليمان واسمين من قبيلة بيمال. تجمعت في طناني قوة عسكرية إيطالية كبيرة وتحصنت فيها واتخذت منها قاعدة عسكرية محصنة تنطلق منها الغارات لإرهاب الأهالي ونهب ممتلكاتهم ولذلك أصبحت هذه القاعدة هدفا رئيسيا لعمليات الثوار.

وشارك في المعركة إلى جانب بيمال مقاتلين كل من قبيلة هنتري في خمسمائة مقاتل وعدد قليل من قبيلة وعذان حسب القائد الإيطالي بيسنتي. سبقت المعركة استعدادات عسكرية ولوجستية مكثفة، حيث عقدت القبيلة اجتماعات عامة شملت كافة ربوع مناطقها، وبمشاركة قبائل أخرى مثل هنتري ووعذان. وتباحث المشاركون في تحديد توقيت الهجوم وآليته، مع دراسة دقيقة لواقع العدو الإيطالي وقدراته العسكرية ونقاط ضعفه. كما شملت التحضيرات توزيع الأدوار الميدانية، وتعيين القادة، وتأمين المؤن والإمدادات. وبعد التضرع والدعاء، انطلقت جحافل المقاتلين يتقدمهم العلماء وزعماء القبائل. وفي المقابل، حاولت الإدارة الإيطالية جاهدة إفشال هذه الاجتماعات عبر سلاحي الترغيب والترهيب، فاستعانت بالجواسيس والمخبرين تارة، وإلى الغارات وإحراق القرى والمحاصيل ونهب المواشي تارة أخرى، إلا أن هذه السياسات القمعية لم تثن المقاتلين ولم تضعف عزيمتهم.

 وفقا للمذكرات التاريخية للقائد العسكري الإيطالي غوستافو بيسنتي أحد قادة المعركة اعتبرت معركة طناني التي دارت رحاها عام 1907 واحدة من أعنف المواجهات التي خاضها جيش الاحتلال الإيطالي ضد حركة المقاومة الصومالية ويوضح بيسنتي في تقييمه أن صعوبة المعركة لم تكن تكمن في حجم القوة المهاجمة وعددها بل تجسدت في الجرأة والبسالة الشديدة التي أبداها الثوار مؤكدا أن كفة النصر كادت أن ترجح لصالح المقاومة لولا الثبات الأسطوري للعساكر العرب اليمنيين الذين حسموا الموقف لصالح الجانب الإيطالي. 

ولنترك الان لبيسنتي يصف لنا المعركة  ويروي لنا هول ما شاهده في تلك الليلة:

المتمردون،  قبل بدء الحرب رغم ذعرهم من تقدمنا، كانوا مدفوعين بحماسة وبتعصب وقادتهم كانوا يحرضون على مواصلة القتال، مرددين شعارات مناهضة للاستعمار مثل: الإيطاليون يريدون أن يحكمونا في ارضنا ومصادرتها، تذكروا جيدا سنموت جميعا،  والأفضل أن نموت ونحن نقاتل في سبيل الله و ندمر هؤلاءالكفار، بدلا من أن نعيش يوما واحدا تحت حكم هؤلاء.

كان الليل مظلما للغاية، والمحيط هائجا، والرياح الموسمية شديدة وعاتية تجمع الأعداء في صمت على بعد نحو مئة خطوة منا، وهم يزحفون كالأفاعي بين الأشجار، مستغلين هدير الرياح وأصوات تلاطم  أمواج البحر لتمويه تحركاتهم، ومستفيدين من ظلام ليلة حالكة بلا قمر. اتخذوا تشكيلا هجوميا، ثم اختتفوا وراء الكثبان الرملية للبقاء هناك بانتظار الساعة المناسبة وأوامر القادة.

وقبل دقائق قليلة من الهجوم، تم فرز مجموعة صغيرة من المقاتلين البواسل بمهمة واضحة ومحددة، وهي تصفية الحراس بذبحهم دون إتاحة الفرصة لهم بالصراخ، ثم الانسحاب بهدوء والزحف فوق الرمال، على أمل تجنب أنظار الحراس وإطلاق إنذار. لكن ذلك كان خطأ فادحا ودفعو بذلك ثمنا باهضنا لان الحراس اكتشفوهم وأطلقواعليهم وابل من النار. 

هاجمونا الثوار بعنف شديد وبإعداد كبيرة وهم يصرخون بأصوات عالية كجوقة صاخبة، الذي  يصدر من صدورهم الضخمة. بدءوا الهجوم يقيادة الشيخ عبدي أبيكر غافلي قبل الساعةالثالثة فجرا بقليل علي قاعدتنا المحصنة من كل الجهات باسوار من الأسلاك الحادة ومن الأشجار الشائكة أيضا والذي يصعب اختراقه.. إذ اندفعت كتيبتان تضم كل، منهما نحو ألف مقاتل صومالي، في موجات متتالية نحو الجبهتين الشمالية والغربية (ضد قوات هركولاني غادي، وبيسينتي، وأدورني على التوالي)، في حين أمطر الرماة المتمركزون جيدا خلفهم علينا بوابل كثيف من السهام المسمومة. بينما حاولت كتيبتين من الثوار يضم كل منها حوالي خمسمائة مقاتل الالتفاف من الجانبين الذان لم يكونا تحت ضغط الهجوم المباشر. 

ومن جانبنا التزم العساكر أماكنهم بهدوء رغم اصابتهم بالسهام والرصاص من ظهورهم. كانت هناك لحظة بدأت فيها الجبهة الغربية بالانهيار امام اندفاع المهاجمين الشامل. ولكن ولحسن الحظ لم يتمكنوا من هدم السور، فبعد قتال شرس بالايدي، لم تمر سوى دقائق معدودة حتى تمكنا  من صد العدو وإلحاقه بخسائر فادحة وأعيدت الجبهة الى سابق عهدها “ويل لنا لو كان قد انهار ذلك الجانب من المعسكر ولو قيد انملة” ان القتال في ظلام الليل الدامس داخل ساحة ذات جانب واحد مفتوح كان سيؤدي الى كارثة لأننا كنا سنجبر على اطلاق النار على بعضنا البعض بينما كان العدو سيطبق علينا طوقا محكما كالمكبس الحديدي وكان سيؤدي الى مذبحة حقيقة وشاملة “ويا لحال المستعمرة بعد هذه الكارثة” لكن بمجرد استعادة جناح ادورني اَضعفت نيراننا الكثيفة والفتاكة زخم الموجات المتتالية وجعلت محاولات الالتفاف عديمة الجدوى وهكذا تراجع العدو مهزوما ومنهكا بينما كان الليل لا يزال مظلما والنهار بعيدا وفي الساعة الرابعة والنصف كان النصر حليفنا. انتهى.

على الرغم من أن الثوار لم يحققوا نصرا حاسما، إلا أنهم كبدوا العدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وهو ما أقر به كبار القادة الايطاليين في تقاريرهم. كما اعترف أولئك القادة بخطورة الموقف الذي كان سيتشكل لو تمكنت المقاومة من حسم المعركة لصالحها، ولم يغفلوا  كذلك في شهاداتهم ابداء الاعجاب الشديد بما أظهره المقاتلون من شجاعة وبسالة  وتضحية في الميدان. فقد أخذت معركة طناني حيزا كبيرا في كتب المؤرخين الإيطاليين المعاصرين لتلك الفترة وكذلك الصحف والمجلات وأصبحت حديث الناس، وأثارت رأي العام الإيطالي.

وفيما يلي أبرز ما ورد في شهاداتهم واعترافاتهم:

قال تنتي غوستافو بيسنتي قائد القوات الايطالية  في كتابه DANANE : لو لم تكن نتيجة المعركة لصالحنا، لأصبحت الهزيمة إلى كارثة  لا يمكن تداركها، نظرا لعدم توفر أي قوات احتياطية كفيلة بصد هجوم كان لو توسع وشمل المستعمرة بأسرها. إن العدو الذي واجهناه يتمتع بمؤهلات في الصمود والقتال لا يمكن الاستخفاف به من جانبنا. وبالرغم من افتقاره للأسلحة النارية بشكل كامل، إلا أنه يعوض ذلك النقص بالتفوق العددي الهائل، واعتماد تكتيكات المباغتة الليلية، أو الكمائن في الأحراش الكثيفة، وهي بيئة تُحيد الميزة النسبية لأسلحتنا النارية، علاوة على ما تتسم به هجماته من ضراوة استثنائية. ولم يكن خصومنا في هجماتهم مجرد جماعات من السلب والنهب، ولا هم بالذين يتوخون الحذر، بل مثلوا الصنف الأكثر خطورة من الأعداء؛ ونعني بذلك مقاتلين أشداء من الشعوب البدائية، يعتزون  بسجيّتهم وما ورثوه من تقليدٍ تليدٍ في الانتصارات، والمندفعين إلى خوض الصراع  بأقوى المحركات أثرا في النفوس غير المتحضرة، والمتمثلة في التعصب الديني.

وقال الحاكم الإيطالي في بنادر في ختام رسالة إلى الحكومة الإيطالية: ليس من المبالغة تكرار أن معركة 9 فبراير 1907 قد أنقذت إيطاليا في الصومال من فضيحة محققة.

إن استدعاء معارك بيمال التاريخية، مثل معركتي طناني، ومليت، يكشف كيف تحولت البنية الاجتماعية التقليدية لقبيلة بيمال من مجرد أداة لتنظيم شؤون العشيرة، إلى جبهة مقاومة منظمة، خاضت حرب عصابات شرسة استمرت لعقود ، لتقدم بذالك طناني شهادة حية على التضحية الوجودية للمقاومة رغم عدم تكافؤ القوة العسكرية، ومن هنا، يصبح فهم هذه المقاومة مفتاحا أساسيا لإدراك كيف وضع الصوماليون في الجنوب أولى لبنات نضالهم الوجودي، وكيف تحولت الذاكرة الجمعية لدماء الشهداء إلى إرث أخلاقي تتوارثه الأجيال لاستدامة التعلق والتشبث بالأرض والهوية.

تأبى الذاكرة أن تنسى تلك الدماء الزكية التي روت السهول والوديان، حيث سُطرت ملاحم البطولة بالشرف والسهام في وجه العدوان، فعلى مدى عقود من الكفاح الضاري، جسدت طناني بشهادتها الحية الثبات الراسخ للمقاومة، مبرهنة أن إرادة الصمود والتضحية الوجودية تفوق في قوتها عتاد الآلات العسكرية وفظاعتها، إنها حكاية شعب أبى الاستسلام والخضوع، واختار أن يكتب بالدم صفحات تاريخه.

وبناء على ما سبق، يظهر جليا ان هذا التلاحم الوثيق بين بنادق المقاتلين، وحكمة الزعماء، وفصاحة الشعراء، وفتاوى العلماء، قد خلق جبهة شعبية صلبة استعصت على محاولات الاختراق الايطالي، ووفرت نموذجا ملهما للاجيال المتعاقبة في الصمود والدفاع عن السيادة.

خالد إبراهيم

باحث في تاريخ الصومال
زر الذهاب إلى الأعلى