جيبوتي بين إرث الاستقلال ورؤية المستقبل: الدلالة الوطنية والفلسفة لاستقلال 27 يونيو 1977

بقلم . د . عرفات عمر
هناك أيامٌ لا تُقاس بالساعات، بل تُقاس بما تُحدثه في وجدان الشعوب، ويظل صداها ممتداً عبر الأجيال. ومن بين تلك الأيام الخالدة، يسطع السابع والعشرون من يونيو عام 1977، اليوم الذي نالت فيه جمهورية جيبوتي استقلالها الوطني، وارتفع علمها خفاقاً فوق أرضها، معلناً ميلاد دولةٍ ذات سيادة، شُيّدت بإرادة شعبٍ آمن بحقه في الحرية، وبسواعد رجالٍ ونساءٍ لم يساوموا على الكرامة الوطنية، ولم يتراجعوا أمام تحديات النضال..
لقد كان الاستقلال ثمرة مسيرة طويلة من الكفاح الوطني، امتزجت فيها التضحيات بالأمل، والإيمان بالعمل، والصبر بالعزيمة، حتى تحولت أحلام المناضلين إلى حقيقة تاريخية غيّرت وجه الوطن. ولم يكن ذلك الإنجاز هبةً من أحد، بل كان استحقاقاً وطنياً صنعته إرادة أبناء جيبوتي الذين التفوا حول قضيتهم، مؤمنين بأن الوطن لا يُبنى إلا بالوحدة، ولا تُصان سيادته إلا بالإخلاص والتضحية.
وعندما يُستحضر تاريخ استقلال جيبوتي، فإن الرئيس الراحل، رحمه الله، الحاج حسن جوليد أبتيدون، أول رئيس لجمهورية جيبوتي، يظل واحداً من أبرز القادة الوطنيين الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة النضال من أجل الاستقلال وبناء الدولة الحديثة. فقد كان قائداً مناضلاً كرّس جهوده لوحدة الوطن، وأسهم في قيادة مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد، واضعاً مصلحة جيبوتي ووحدة شعبها فوق كل اعتبار.
لقد جسّد، في وجدان كثير من أبناء جيبوتي، صورة الأب المناضل الذي آمن بأن الاستقلال لا يكتمل إلا بوحدة الصف، وتماسك الجبهة الداخلية، والإخلاص للوطن، والعمل الدؤوب من أجل ترسيخ مؤسسات الدولة وصيانة سيادتها. وقد تميزت قيادته بالحكمة، وبعد النظر، والحرص على جمع أبناء الوطن تحت راية واحدة، إيماناً منه بأن قوة جيبوتي تكمن في وحدة شعبها وتلاحم مكوناته .
وارتبطت مرحلة قيادته، بوصفه أول رئيس للجمهورية، بجهود بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن والاستقرار، وترسيخ مكانة جيبوتي على المستويين الإقليمي والدولي، لتبقى سيرته جزءاً من الذاكرة الوطنية، ويظل عطاؤه ونضاله محل تقدير واحترام لدى الأجيال التي تستلهم من رجال الاستقلال معاني الوفاء والإخلاص والتضحية في سبيل الوطن.
وإذ نستذكر اليوم الذكرى التاسعة والأربعين لاستقلال جيبوتي، فإننا نستحضر بكل تقدير المناضلين الذين مهدوا طريق الحرية، وفي مقدمتهم القادة الوطنيون الذين حملوا مسؤولية بناء الدولة، كما نستحضر تضحيات الرجال والنساء، والفنانين، والمثقفين، وكل أبناء الوطن الذين جعلوا من الاستقلال مشروعاً دائماً للأجيال. وستظل تضحياتهم خالدة في الذاكرة الوطنية، شاهدة على أن جيبوتي قامت على الإخلاص، ووحدة الصف، والإيمان العميق بأن الأوطان العظيمة تُبنى بسواعد أبنائها المخلصين.
واليوم، وبعد تسعة وأربعين عاماً من الاستقلال، لا تستحضر جيبوتي تلك الملحمة لتتغنى بالماضي فحسب، بل لتجدد العهد مع مبادئ الآباء المؤسسين والمناضلين الذين حملوا راية الحرية، ولتؤكد أن بناء الوطن مسؤولية متجددة، وأن المحافظة على الاستقلال لا تقل شرفاً عن انتزاعه. ولذلك تبقى ذكرى السابع والعشرين من يونيو مدرسةً وطنيةً يتعلم منها كل جيل أن الكرامة الوطنية تُصنع بالإرادة، وأن الأمم التي تحفظ تاريخها قادرة على صناعة مستقبلها
إن استقلال جيبوتي في السابع والعشرين من يونيو عام 1977 لم يكن مجرد إعلان سياسي بانتقال السيادة إلى شعبها، بل كان نقطة تحول تاريخية دشنت ميلاد دولة وطنية حديثة، قامت على إرادة شعب آمن بحقه في الحرية والاستقلال، وقدم التضحيات من أجل أن ترفرف راية الوطن فوق أرضه. لقد مثل ذلك اليوم انتصاراً للإرادة الوطنية، وتجسيداً لوحدة الشعب الجيبوتي بكل مكوناته، وإعلاناً لبداية مرحلة جديدة من بناء الدولة وصناعة المستقبل.
واليوم، ومع الاحتفال بالذكرى التاسعة والأربعين للاستقلال في عام 2026، لا تستحضر جيبوتي الماضي بوصفه ذكرى تاريخية فحسب، بل تستلهم منه الدروس والعبر التي تجعل من الاستقلال مشروعاً وطنياً متجدداً. فالاستقلال الحقيقي لا يقتصر على تحرير الأرض، وإنما يمتد إلى بناء الإنسان، وترسيخ المؤسسات، وتعزيز الهوية الوطنية، وصيانة الأمن والاستقرار، وتحقيق التنمية المستدامة.
لقد أثبتت التجربة الجيبوتية، على امتداد ما يقارب خمسة عقود، أن الاستقرار لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالتنمية الاقتصادية وحدها، وإنما بتكامل عناصر القوة الوطنية كافة؛ قوة الإنسان، وقوة الثقافة، وقوة الوعي، وقوة الدولة. ولهذا أصبحت جيبوتي نموذجاً مهماً في منطقة القرن الأفريقي، بفضل قدرتها على الحفاظ على وحدتها الوطنية، وتعزيز التعايش بين مختلف مكونات المجتمع، والانفتاح على محيطها الإقليمي والدولي.
ولم يكن الفن بعيداً عن هذه المسيرة الوطنية، بل كان أحد أهم أسلحة التحرر الثقافي. فقد حمل الفنانون الجيبوتيون رسائل الوطن في الأغاني والأناشيد والقصائد والمسرح، فأيقظوا روح الانتماء، وعززوا الثقة بالنفس، ورسخوا قيم الحرية والكرامة في وجدان الشعب. وكانت الأغنية الوطنية خلال مرحلة النضال وسنوات الاستقلال الأولى صوتاً يرافق المناضلين، ويحفظ الذاكرة الوطنية، ويخلد أسماء الرجال والنساء الذين صنعوا تاريخ الوطن. وما تزال الفنون الجيبوتية حتى اليوم تؤدي رسالتها في تعزيز الهوية الوطنية، والمحافظة على التراث الثقافي، وربط الأجيال الجديدة بتاريخ بلادهم وقيمها الأصيلة.
كما كانت المرأة الجيبوتية شريكاً حقيقياً في مسيرة التحرر الوطني. فقد أسهمت في دعم النضال الوطني، وتحملت مسؤوليات كبيرة داخل الأسرة والمجتمع، وشاركت في التربية والتوعية وحماية النسيج الاجتماعي، وكانت سنداً للرجال في مختلف مراحل الكفاح الوطني. وبعد الاستقلال، واصلت المرأة دورها في بناء الدولة من خلال مساهمتها في التعليم، والصحة، والإدارة، والعمل المجتمعي، وأصبحت عنصراً أساسياً في مسيرة التنمية الوطنية، مؤكدة أن بناء الأوطان لا يكتمل إلا بالشراكة الكاملة بين الرجل والمرأة.
إن التجربة الجيبوتية تؤكد أن الفن والمرأة ليسا عنصرين هامشيين في بناء الدولة، بل يمثلان ركيزتين أساسيتين في صناعة الاستقرار الوطني. فالفن يحفظ الذاكرة الجماعية ويعزز الانتماء، والمرأة تبني الإنسان وتحافظ على تماسك المجتمع، وهما معاً يشكلان قوة ناعمة تساند مؤسسات الدولة في حماية الوطن وصيانة وحدته.
إن استقلال جيبوتي لم يكن نهاية رحلة الكفاح، بل كان بداية مسؤولية تاريخية لبناء دولة قوية، تحفظ كرامة الإنسان، وتصون وحدة الوطن، وترسيخ قيم العدالة والعمل والتنمية. وإذا كان المناضلون قد قدموا أرواحهم وجهودهم ليولد هذا الوطن حراً، فإن الواجب الوطني اليوم هو أن نحافظ على تلك الأمانة، وأن نواصل مسيرة البناء بنفس الروح التي صنعت الاستقلال.
وفي هذه الذكرى الوطنية المجيدة، نستذكر بكل إجلال وعرفان جميع من أسهموا في صناعة استقلال جيبوتي؛ من المناضلين والقادة، وفي مقدمتهم الرئيس الراحل حسن جوليد أبتيدون، والجنود، والمرأة الجيبوتية، والفنانين، والعلماء، وكل أبناء الوطن الذين قدموا بعلمهم، وفكرهم، وجهدهم، وتضحياتهم، حتى بقي علم جيبوتي خفاقاً فوق أرضه الحرة، رمزاً للعزة والسيادة والوحدة الوطنية.
التحية والإجلال لكل مناضل ومناضلة حملوا همّ الوطن في أصعب الظروف، ولكل أمٍ جيبوتية غرست حب الوطن في قلوب أبنائها، ولكل فنانٍ جعل من كلمته ولحنه سلاحاً يحفظ الهوية الوطنية، ولكل جنديٍ يقف اليوم حارساً لسيادة الوطن واستقراره. فهؤلاء جميعاً شركاء في كتابة تاريخ جيبوتي، وشركاء في حماية مستقبلها.
سيظل السابع والعشرون من يونيو عام 1977 منارةً مضيئة في تاريخ الأمة الجيبوتية، وستبقى راية الاستقلال رمزاً للعزة والكرامة والسيادة. وما دام في هذا الوطن رجال ونساء يؤمنون برسالته، ويصونون وحدته، ويواصلون مسيرة الآباء المؤسسين، فإن جيبوتي ستظل شامخةً، راسخةً، وعصيةً على كل التحديات، حاملةً رسالة السلام والاستقرار والتنمية إلى محيطها الإقليمي، ومؤمنةً بأن الأوطان التي تُبنى بالتضحيات تبقى خالدةً في ذاكرة التاريخ ووجدان الشعوب.
ومن جهة أخرى، فإن الجاهزية الدفاعية التي تظهرها القوات المسلحة الجيبوتية في احتفالات الاستقلال تعكس فلسفة وطنية عميقة، قوامها أن السلام يحتاج إلى قوة تحميه، وأن السيادة الوطنية لا تُصان إلا بجيش محترف ومؤسسات قوية قادرة على حماية الحدود وتأمين الممرات البحرية الحيوية. ولهذا أصبحت جيبوتي، بفضل موقعها الإستراتيجي وسياساتها المتوازنة، ركناً مهماً في دعم الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وهكذا، فإن استقلال السابع والعشرين من يونيو 1977 لم يكن نهاية لمعركة التحرر، بل كان بداية لمسيرة بناء وطن يقوم على الوحدة، والعدالة، والعمل، والوعي. ومع مرور تسعة وأربعين عاماً على تلك الملحمة الوطنية، تؤكد جيبوتي أن قوة الأمم تكمن في قدرتها على الحفاظ على وحدتها، والاعتزاز بتاريخها، والاستثمار في الإنسان، وصون ثقافتها، وبناء مؤسساتها، حتى يبقى الاستقلال حقيقة متجددة في حاضرها ومستقبلها، ورسالة أمل واستقرار لشعوب القرن الأفريقي بأسره.

الدكتور عرفات عمر

باحث في الشأن الأفريقي
زر الذهاب إلى الأعلى