المقال الثاني: جانب الوازع الديني
الدين عصب حياة الإنسان، ولا يوجد إنسان سوي بلا دين أو معتقد، وحتى إن وُجد من ينكر ذلك، فإن حياة الإنسان مجبولة على العبادة والتأليه؛ وهي الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
وإذا كان البشر يعتنقون أدياناً شتى، فإن الدين الإسلامي هو الحق والصراط المستقيم المرتضى عند الله، فمن ابتغى غيره ديناً فقد ضل وأضل. والإسلام دين متكامل، يشمل كل ما يحتاجه الإنسان في معاشه ومعاده وإن دقّ صغره، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ تِبۡیَـٰنࣰا لِّكُلِّ شَیۡءࣲ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣰ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِینَ﴾ [النحل: 89]، وقال أيضاً: ﴿وَمَا مِن دَاۤبَّةࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَـٰۤىِٕرࣲ یَطِیرُ بِجَنَاحَیۡهِ إِلَّاۤ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِی ٱلۡكِتَـٰبِ مِن شَیۡءࣲۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ یُحۡشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38].
وتدل هذه الآيات وغيرها على أن حاجات الإنسان ومقومات حياته مكفولة ومبينة في شرع الله، فمن طلب الدنيا وحده كان تحت مشيئة الله، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن، فقد فاز في الدنيا والآخرة معاً.
وقبل الدخول في صلب الموضوع، يجدر بنا تعريف الوازع الديني أولاً، ثم بيان أسباب ضعفه وحله:
الوازع لغةً: هو الحابس، والمانع، والمُلهِم، وكلها معانٍ تفضي إلى حصر التفكير والتدبير بالمصدر الديني. ويجمع العلماء على أن من يتمتع بالوازع الديني، أو من يكبح جماحه الدينُ الذي جاء به نبي أو داعي حق، يقل إقباله على صراعات الدنيا، فيزول التنافس المذموم، ويقل الخلاف، وينمو التعاون والتعاضد، ويتسع مجال الكلمة الطيبة. وبذلك يحصل الاستبصار في سائر الأمور -كما يقول ابن خلدون- فتتحد الوجهة، ويتساوى المطلوب، ويستميت المطالب، وينتهي ذلك باتساع الاجتماع وعظمة المُلْك. (منقول)
وفي الاصطلاح: “الوازع الديني هو تلك القوة الإيمانية المهيبة التي لو خلا العبد معها بحد من حدود الله عز وجل، ما استطاع أن يفكر في اقترافه، فضلاً عن أن تمتد إليه يده، أو تلتبس جارحة من جوارحه بذلك الحد الذي حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم”. (شرح زاد المستقنع للشنقيطي)
والخطاب الديني موجه للناس جميعاً، وإن كان ثمة خلاف بين الأصوليين في مسألة “هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟”، إلا أن الخطاب الديني الشامل موجه لكل إنسان عاقل. وحين يخاطب الله تعالى العباد في آيات التكليف والترغيب، يناديهم بصفة الإيمان (يا أيها الذين آمنوا)؛ لأن الإيمان هو المحرك الأساسي للوازع الديني، فمن لم يرسخ الإيمان في قلبه، ضعف وازعه الديني لا محالة.
ومن الإشكاليات القائمة أن بعض الناس لا يدركون الفروق الدقيقة بين الألفاظ الشرعية المتعلقة بمسائل الكفر والإيمان؛ مثل: (الكافر والمشرك)، (المسلم والمؤمن)، (المنافق والفاسق)، و(الملحد والزنديق). وهي ألفاظ شرعية متغايرة الدلالة، لا يفقه الفروق الدقيقة بينها إلا أهل العلم الشرعي الراسخون.
وعند الطابع الرعوي في المجتمع الصومالي، نجد أن صفة “الرعوية” أو “الأعرابية” جاءت مذمومة في القرآن الكريم في مواضع عدة يعرفها الجميع؛ نظراً لأن أهل البادية أبعد عن أسباب التحضر وحضارة المدن الاستقرارية. ومع ذلك، تجد الإنسان الصومالي يعتقد في نفسه -افتراضاً- أنه متدين ومؤمن خالص، بينما ترى بأم عينك سلوكيات تناقض هذا تماماً، حيث يقتتلون بنعرات الجاهلية؛ كالقبلية، والعصبية، والمحسوبية، وما إلى ذلك.
إن كثير من المشاكل المستعصية التي تواجه أمتنا الصومالية تكمن قنوات حلها في إحياء الوازع الديني. وتعود أسباب ضعف الوازع الديني أو غيابه في المجتمع الصومالي إلى عوامل عدة، أبرزها:
١.قصور وعي بعض العلماء والدعاة في ابتكار أساليب فاعلة لرفع كفاءة الوازع الديني في المجتمع.
٢.عزل العلماء عن الحياة العامة والتأثير المجتمعي نتيجة ترسبات الفترات الاشتراكية والعلمانية، أو بسبب ظاهرة “القرصنة الدينية” وتسييس الدين.
٣.قلة الفهم العميق للنص الديني، وعجز البعض عن ربطه بواقع المجتمع الصومالي المعاصر.
٤.طرح الأدلة الشرعية وسردها كأنها حكايات وقصص عن أقوام مضوا (كقريش وغيرها)، دون إسقاط عبرها على الحاضر، أو إغراقها في طقوس الجدل الأصولي الجاف.
٥.غياب مؤسسات الدولة الرشيدة التي تعزز تنفيذ الشريعة الإسلامية وتحمي القيم.
٦.تشويه صورة الشريعة السمحاء أو تقبيحها في أذهان العامة عبر ممارسات خاطئة، بقصد أو بغير قصد.
٧.ضعف فاعلية الدعاة والعلماء في ميادين الحياة العملية والتنموية، رغم وجود صحوة دينية فريدة، بغض النظر عن عيوبها وهناتها.
٨.غياب التربية الدينية داخل الأسرة؛ لأن الآباء أنفسهم قد يفتقرون إلى الوعي التربوي الكافي لتنشئة أولادهم تنشئة دينية وسلوكية صحيحة.
٩.إضفاء الطابع الديني على الأفكار الحزبية والآراء الطائفية الضيقة، وتقديم الولاء للجماعة على الولاء للدين والمجتمع.
إن غياب أو ضعف الوازع الديني وراءه جملة من الأسباب، والحل الحقيقي يكمن في معالجة هذه العوامل المذكورة وتحويلها إلى أضدادها الإيجابية، حتى نصل إلى بناء شعب حضاري، متدين قلباً وقالباً، وسلوكاً وعقيدة.
✍️✍️ عبدالرحمن معلم عبدالله(دلجر)





