من حافة الجنون إلى قمة اليقين

ظل العقل الأوروبي مطمئنا إلى يقينياته الموروثة قرونا طويلة يرى العالم قائما بذاته والحواس شاهدة عليه والسماء عامرة بحقائق لا تحتاج إلى مساءلة كان الاطمئنان هو الحالة الطبيعية للفكر وكان الشك استثناء عابرا لا يقوى على زعزعة الأسس الكبرى
إلى أن جاءت لحظة حاسمة في تاريخ الفلسفة حين قرر رجل هادئ الملامح حاد الذهن اسمه رينيه ديكارت أن يبدأ من نقطة غير مسبوقة أن يشك لا في بعض الآراء فحسب بل في كل شيء يمكن أن يتطرق إليه أدنى احتمال للخطأ لم يكن ذلك تمردا على المعرفة بل بحثا عن معرفة لا يمكن زعزعتها
في كتاب تأملات في الفلسفة الأولى لم يكن المشروع مراجعة لأفكار سابقة بل هدم الأساس الذي تقوم عليه الثقة ذاتها فالحواس قد تخدع والتجربة قد تضلل وحتى الرياضيات يمكن تخيل وقوع الخطأ فيها لو افترضنا وجود قوة خفية تتلاعب بالعقل ولهذا افترض ديكارت وجود شيطان ماكر يزرع الوهم في النفس ويجعل الباطل يبدو حقا
هنا يبلغ الشك ذروته ليس شكا عابرا بل فراغا معرفيا كاملا حيث تتداعى البديهيات وتنهار المسلمات ويجد العقل نفسه معلقا فوق هاوية لا أرض تحتها هذه هي حافة الجنون الفلسفي حيث لا يبقى شيء يمكن الركون إليه
غير أن ديكارت لم يسقط في الهاوية ففي قلب هذا الانهيار اكتشف حقيقة لا يمكن نفيها دون الوقوع في تناقض إنني أشك والشك تفكير والتفكير وجود هكذا انبثق الكوجيتو أنا أفكر إذن أنا موجود لم يعد الوجود متوقفا على شهادة الحواس ولا على ثبات العالم الخارجي بل أصبح يقينا داخليا يتأسس على فعل الوعي ذاته فحتى لو كان كل شيء خداعا فثمة ذات تخدع وما دامت تفكر فهي موجودة
غير أن إثبات الذات لم يكن نهاية الطريق بل بدايته فالذات المفكرة تدرك نقصها تتردد تخطئ وتشك لكنها في الوقت نفسه تحمل فكرة الكمال المطلق وهنا تتولد المعضلة كيف لعقل محدود أن يتصور اللامحدود وكيف يمكن لإدراك النقص أن يقوم من غير معيار أعلى يقاس عليه
يرى ديكارت أن فكرة الكمال لا يمكن أن تصدر عن كائن ناقص صرف لأن العلة يجب أن تكون على الأقل بقدر معلولها من حيث الكمال ومن ثم فإن وجود فكرة الكمال في العقل دليل على أصل كامل هو الله وبهذا ينتقل الفكر من يقين الذات إلى يقين أسمى يؤسس لإمكانية المعرفة ذاتها
لم يكن الشك إذن هدما للإيمان بل تطهيرا لليقين من كل ما علق به من تقليد ولم يكن افتراض الشيطان الماكر نزعة تشاؤمية بل أداة منهجية لبلوغ يقين لا يخالطه احتمال فالله الكامل لا يمكن أن يكون مصدر خداع شامل لأن الخداع نقص والنقص يناقض الكمال
وهكذا يتحول الشك من خطر يهدد العقل إلى قوة تؤسسه ويتبدل الفراغ إلى أصل ثابت وتغدو الرحلة من أقصى الارتياب طريقا إلى أصفى اليقين لم يكن المسار انحدارا إلى العدم بل صعودا شاقا من حافة الجنون إلى قمة اليقين
وهنا يلتقي البرهان العقلي مع الإيمان الفطري دون تعارض لأن العقل الصادق لا يقود في نهايته إلا إلى الله وليس هذا المسار العقلي بديلا عن الإيمان ولا بديلا عن الوحي وإنما هو محاولة من العقل لأن يطمئن إلى ما فطر عليه وأن يكتشف بعثوره على اليقين أن طريق الشك لم يكن ابتعادا عن الخالق بل كان سبيلا للاقتراب منه

عبد الرحمن غوري

عبدالرحمن غوري باحث في الأدب والفلسفة
زر الذهاب إلى الأعلى