كشف تناقضات العقلانيين 11 

كما أسلفنا في المقال السابق بأننا سنركز خطب عدنان إبراهيم والرد عليها وتفنيد ما فيها من شبه، ففي هذا المقال نتكلم عن خطبة له بعنوان “بين الجنة والنار شيرين أبو عاقلة”.[1] وهو أنه ترحم على الصحفية أبو عاقلة التي قتلها الاحتلال، وطبعا عدنان ينطلق من أن الترحم يجوز على الكافر عند موته، وقد تكلمنا عن ذلك في مقال سابق ورددنا عليه، ولكن نركز في هذه الحلقة كلمات يدندن حولها كثيرا من العقلانيين، وهو أن الذي لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم لكنه يؤمن بالله، أو الذي لم يبلغه الإسلام أصلا لا يسمى كافرا، بل يبقى غير مسلم فقط..

قال عدنان إبراهيم: “كل من ليس بمسلم فهو كافر غير صحيح، كذب على الله ورسوله وكذب على الوقائع، مش صحيح بالمرة، مش صحيح، لا، ليس كل من هو غير مسلم كافر، لا أبدا، هو غير مسلم وحسب”

لم يكتف عدنان بترجيح رأيه، بل سفه كل مخالف له في هذه المسألة، بل وصف تسمية الكافر بكافر بأنه كذب على الله ورسوله، وسنرى من الكذاب الأشر.

وأرد عليه من وجوه:

الوجه الأول: قوله تعالى: “وإن أحد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون[2]”

وجه الدلالة: قد وصف الله الجاهل الذي يشرك في عبادته، ومع ذلك يريد الخير وأن يسمع كلام الله، مع ذلك وصفه الله بالمشرك..

وقد ذكرت هذه الآية صفتان، كل واحدة منها أولى بأن يدرأ عنه الشرك حسب مذهب عدنان الضال، وهي:

أنه جاهل، والجاهل لا يعرف شيئا، فضلا عن أنه أقيمت عليه الحجة.

والوصف الثاني: أنه يريد أن يسمع كلام الله ويبحث عن الإسلام، ومع ذلك  وصفه بالمشرك.

الوجه الثاني: قوله تعالى: “هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن.”[3].   

وجه الدلالة : أن الله خلق الإنسان وقسم خلقه إلى مؤمن وكافر ولا يوجد وصف “الغير مسلم” التي يلتزمها عدنان إبراهيم وطعن علماء المسلمين لأجلها.

الوجه الثالث: قوله تعالى عن نوح عليه السلام: “ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا”[4].

وجه الدلالة في هذه الآية: أن نوحا عليه السلام وصف المولودين الذين سيلدهم قومه بأنهم فجار كفار، وهم أولى بأن يدرأ وصف الكفر عنهم لأنهم أطفال، حسب مذهب عدنان إبراهيم يجب أن يسميهم غير مسلمين.

الوجه الرابع: قوله عليه الصلاة والسلام: “إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا [5]”.

وجه الدلالة في هذا الحديث:  أن هذا الغلام وصفه الرسول بأنه طبع كافرا وهو غلام، وهو أولى أيضا بأن يدرأ عنه وصف الكفر مقارنة بالكفار الآخرين البالغين الذين يصفهم عدنان إبراهيم بأنهم غير مسلمون فحسب..

الوجه الخامس: قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو سعيد الخدري:” …..ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى فمنهم من يولد مؤمنا، ويحيى مؤمنا، ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت كافرا، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت كافرا، ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت مؤمنا……..[6]”

وجه دلالة الحديث: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بأن بني آدم من يولد كافرا، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم وصف الكافر للمولود، وهو لم تقم عليه الحجة الرسالية، ولم يسمه عليه السلام بأنه غير مسلم كما يدعي عدنان إبراهيم وأفراخه من العقلانيين.

الوجه السادس: قوله صلى الله عليه وسلم: خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا، وخلق فرعون في بطن أمه كافرا”.[7]

وجه الدلالة: سمى الله فرعون وهو في بطن أمه كافرا وهو لم يولد بعد، ولم يسمه الله غير مسلم .

يبقى السؤال إذن: من هو الكافر عند عدنان إبراهيم؟؟

يجيبنا هو:

قال عدنان إبراهيم: “أما الكافر فهو الذي قامت عليه الحجة الرسالية التي قطعت وتقطع معاذير مثله، تُفحم من كان في رتبته ودرجته ” أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجائكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير” [8] بعد أن جاءهم النذير، النذير من هو؟ رسول نبي.

هنا يخلط عدنان إبراهيم بين الوصف والعقوبة التي تترتب بناء على هذا الوصف، مثلا يوصف بالذي فعل الكفر بأنه كافر، وبالذي فعل الشرك بأنه مشرك، لكن عقوبته موقوفة بإقامة الحجة عليه.. لكن عدنان له رأي آخر، فإقامة الحجة عنده هو أن يفهم الشخص مراد الكلام وأنه حق، ثم بعدها يكابر ويعاند، وهذا مخالف لفهم الصحابة والسلف، بل والعقل، بل يلزم من ذلك اتهام الله عز وجل بالظلم، والعياذ بالله..

وأقول حينها بطريقة السبر والتقسيم:

قيام الحجة يكون إما بإرسال الرسول أو بلوغ القرآن.

وعلى هذا فإما أن يفهم المُخاطب كلام الرسول أو القرآن، أو لا يفهم ؛لأن هذا الخطاب ليس لغته.

الثاني مستبعد، لأن الله يرسل الرسول على لسان قومه، فيبقى الأول صحيحا، وعلى الأول أقول:

إن فهم معنى الخطاب يكون إما أن يصدقه أو لا يصدقه.

الأول متفق عليه بأنه مسلم، والثاني:

إما أن لا يصدقه لأنه معاند ومكابر، أو أنه لم يفهم حجة الله ومراده.

الأول متفق عليه بأنه كافر، وعلى الثاني أقول:

إذا لم يفهم حجة الله مع إقامة الحجة ولم يؤمن بالرسول، فإما أن يوصف بأنه مؤمن أو غير مسلم.

الأول متفق عليه بأنه لا يسمى مؤمنا، والثاني مستبعد، لأن الله وصف من أتاه الرسول ولم يتبعه مع أنه لم يفهم حجة الله بأنه كافر ومشرك، ولم يصفه غير مسلم كما يتشدق العقلانيون، وبهذا يسقط قولهم جملة وتفصيلا:

والدليل على ذلك قوله تعالى: “وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا”.[9] 

وجه الدلالة: أن الله جعل على قلوب الكفار أكنة لكيلا يفهموا القرآن، ومع أنهم لم يفهموا الحجة وصفهم الله بالكفار، ولم يصف بأنهم غير مسلمون  كما يدعيه عدنان، بهذا يتبين لك أن عدنان إبراهيم هو الذي كذب على الله ورسوله، وليس علماء المسلمين الذين اتهمهم بأنهم كذبة على الله ورسوله، لأجل أنهم أطلقوا اسم الكافر على من كفر بالله ورسوله أو أتى مما يناقض أصل الإيمان ولا يجتمع معه.

قال عدنان إبراهيم: “هل أحدنا له القدرة ولياقة أن يقيم الحجة الرسالية كما يفعل نبي ورسول؟ فرق بين السماء والأرض”

هذا يعني أن الكفار بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ليسوا كفارا، ولا يجوز وصفهم بالكفار؛ لأننا لا نستطيع أن نقيم الحجة كما يقيمها النبي!!!

هذا الكلام التافه صادر من شخص سمى نفسه دكتور، وأنه منفتح ومثقف، ولا يتكلم عن المسألة إلا بعد أن يقتلها بحثا!!

كيف لا، وأطفال المسلمين يعرفون بفطرهم أن الناس ينقسمون إلى كفار ومسلمين، وهذا ينكر مكابرة وهوى….

والرد على هذا الكلام الساقط من وجوه:

الوجه الأول: يلزم من ذلك اتهام الله عز وجل، لأننا إن كنا لا نستطيع إقامة الحجة كما يفعلها النبي، يعني أن الله ضلل هؤلاء الناس بظلم، تعالى الله عن ذلك.

الوجه الثاني: أن قيام الحجة الرسالية هو بلوغ القرآن، كما قال تعالى: “وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ”.[10]

وجه الدلالة: سوى الله بين بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ونذيره للناس وبين من بلغه القرآن، وأن من بلغه القرآن فكأنما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم، كما قال محمد بن كعب القرظي: “من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم”.[11]

الوجه الثالث: يلزم من ذلك أن الكفار من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة لم تقم عليهم الحجة، لأن أكثر الكفار لم يفهموا حجة الله، وأكثرهم جاهلون مقلدون لأسيادهم، وقليل هم معاندون مكابرون بعد أن فهموا الحجة..

الوجه الرابع: يلزم كذلك أن بعض من عاصر النبي صلى الله عليه وسلم لم تقم عليهم الحجة عليهم أيضا، لأنهم لم يفهموا أن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق.. وهكذا سيكون الكفار أشخاصا معدودين على الأصابع على مذهب عدنان، من إبليس إلى نمرود فرعون وأبي لهب فقط..

والعالم اليوم أصبح مثل غرفة واحدة بسبب الإنترنت ووسائل التواصل، ومستحيل لإنسان يعيش في أوروبا أو أمريكا أن يقول: أنا ما سمعت عن القرآن أو محمد صلى الله عليه وسلم، فعليه أقول:

إما أن يسمع الكفار اسم النبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن، أو لا يسمعوا..

فإن لم يسمعوا، وهذا مستبعد، فلم تقم عليهم الحجة، وإن بلغهم القرآن، وهذا هو الأرجح، فإما أن بلغهم بطريقة لا يفهمونها أو مشوهة.

الأول مستبعد، لأن القرآن لديه مئات الترجمات للغات العالمية، وخاصة الإنجليزية، وعلى الثاني:

إما أن يبحثوا عن الحقيقة فيعرفوا أنه الحق فيسلمون، أم أعرضوا عنه لأجل دنيا أو أي شيء.

الأول متفق عليه بأنه مسلم، والثاني يبقى على الراجح بأنه كافر، لقوله تعالى: “والذين كفروا عما أنذروا معرضون”.[12]

ولكن على مذهب عدنان الضال هم غير مسلمون فحسب، والله يسميهم كفارا.

وخلاصة القول ليس نزاعنا مع عدنان جواز وصف الكفار بوصف “غير المسلمين” وإنما نزاعنا في زعم عدنان إبراهيم أنه لا يجوز وصف من ارتكب الكفر والشرك بأنهم كفار ومشركون. 

المصادر والمراجع :

1/ https://youtu.be/1uQk6iisKdQ?si=Q0l7DIOUEUDJcFyI

2/سورة التوبة الآية 6.

3/ سورة التغابن الآية 2.

4/سورة نوح الآية 27.

5/ أخرجه مسلم برقم 2661.

6/ أخرجه الحاكم في المستدرك برقم 8543.

7/أخرجه الالباني في السلسلة الصحيحة برقم1831

8/سورة فاطر الآية 37.

9/ سورة الإسراء الآية 46.

10/سورة الأنعام الآية19. 

11/ أنظر إلى تفسير الطبري 9/ 181.

12/سورة الأحقاف الآية 3.

محمد بن الحسن

كاتب وباحث صومالي ، خريج ماجستير في أصول الفقه من الجامعة الإسلامية
زر الذهاب إلى الأعلى