(بونت لاند) والخيار الاستراتيجي الغائب

تمر العلاقة بين القيادة السياسية في ولاية ((بونت لاند)) وعاصمتها غروي في شمال شرق الصومال والحكومة الفيدرالية الصومالية في العاصمة مقديشو بمرحلة لم يعد من الكافي تفسيرها باعتبارها خلافا سياسيا عابرا بين الطرفين. فجوهر الأزمة يتصل بأسئلة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الفيدرالي نفسه وحدود سلطات الحكومة الفيدرالية وموقع الولايات في صناعة القرار الوطني وتوزيع الموارد والمساعدات الدولية ومستقبل الترتيبات الدستورية للدولة الصومالية.
وقد وصلت الأزمة إلى مستوى جديد بعد رسالة الصادرة من مكتب الرئاسة في (بونت لاند) والموجهة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن في 13 سبتمبر 2026، وما تضمنته من تحذير من أن استمرار الوضع الحالي قد يدفع (بونت لاند) إلى إعادة النظر جذريًا في علاقتها مع مقديشو، وصولًا إلى احتمال قطعها بصورة دائمة. غير أن السؤال الاستراتيجي الأهم ليس ما إذا كانت لـ (بونت لاند) مطالب ومظالم سياسية ودستورية، وإنما: كيف تستطيع (بونت لاند) تحويل هذه المطالب إلى قوة سياسية وتفاوضية حقيقية ومستدامة؟
تكمن المشكلة في أن النقاش السياسي لدى حكومة (بونت لاند) أصبح ينحصر بصورة متزايدة بين خيارين: القبول بتنامي نفوذ الحكومة الفيدرالية كونها الأقوى في ميزان القوة والأربح في حال استمرار الوضع القائم، أو رفع سقف المواجهة وصولًا إلى التلويح بالانفصال. بينما توجد مساحة استراتيجية واسعة بين هذين الخيارين، وهي التي أرى أنها تمثل ما سميته: الخيار الاستراتيجي الغائب.

أولًا: مأزق التلويح بالانفصال :

يمكن فهم التلويح بالانفصال باعتباره محاولة لرفع تكلفة تجاهل (بونت لاند). فمن منظور ميزان القوة، كلما أصبحت تكلفة استمرار الوضع القائم أكبر، ارتفعت قدرة الطرف المتضرر منه على فرض نفسه على طاولة التفاوض أمام الطرف المستفيد من استمراره. لكن هذه الورقة تحمل تناقضًا استراتيجيًا. فهي من ناحية تجذب الانتباه إلى خطورة الأزمة بين غروي ومقديشو وترفع سقف الضغوط السياسية، لكنها من ناحية أخرى قد تمنح الحكومة الفيدرالية فرصة لإعادة تعريف طبيعة الصراع. فبدل أن يدور النقاش حول النظام الفيدرالي، وحدود سلطات المركز، وتقاسم السلطة والموارد، والمشاركة في صناعة القرار الوطني، يمكن أن يتحول إلى نقاش مختلف تمامًا حول وحدة الصومال وسلامة أراضيه. وعندها قد تتحول الورقة التي أُريد لها أن تكون أداة ضغط على الحكومة الفيدرالية إلى أداة سياسية تستطيع الحكومة الفيدرالية استخدامها ضد (بونت لاند).
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام القيادة السياسية في (بونت لاند) ليس مجرد رفع سقف الخطاب، وإنما: كيف ترفع تكلفة تجاهل مصالح (بونت لاند) دون أن تسمح بتحويل القضية من أزمة في النظام الفيدرالي إلى أزمة حول وحدة الصومال. لكن هناك إشكالية أعمق من ذلك. وهي حصر (بونت لاند) نفسها بين خيار الخضوع لمقديشو أو التلويح بالانفصال عنها، بينما توجد بين الخيارين مساحة واسعة لبناء القوة والنفوذ والاستقلال في القرار داخل الإطار الصومالي.

ثانيًا: الخيار الاستراتيجي الغائب: بناء القوة الذاتية :

ينبغي أن يكون الهدف الاستراتيجي لـ (بونت لاند) خلال السنوات المقبلة هو الانتقال تدريجيًا من طرف يعتمد جانبًا كبيرًا من قوته التفاوضية على الاعتراض السياسي ومحاولة إقناع مقديشو بتغيير سلوكها، إلى فاعل يمتلك مصادر قوة ذاتية ومستدامة. وهذه القوة لا تعني القوة العسكرية وحدها. إنها منظومة متكاملة تشمل: مؤسسات فاعلة، وسيادة قانون، وإدارة عامة محترفة، واقتصادًا منتجًا، وإيرادات وموارد ذاتية، وموانئ ومطارات عصرية، وبنية تحتية متطورة، وقطاعًا خاصًا قويًا، وقدرات أمنية محترفة، واستثمارات، ورأس مال بشري، وشبكة علاقات وشراكات خارجية متنوعة.
فالتحول الحقيقي في ميزان القوة لا يحدث فقط عندما يتغير سلوك الطرف الآخر، وإنما عندما تتغير قدراتك أنت. وهنا ينبغي الانتقال تدريجيًا من سياسة رد الفعل إلى استراتيجية بناء القوة. فالقوة التفاوضية المستدامة لا تنتج من البيانات والخطابات والاحتجاجات السياسية وحدها، ولا من التلويح بالانفصال، وإنما من القدرة الفعلية على الأرض. وكلما أصبحت (بونت لاند) أكثر قدرة على إدارة أمنها واقتصادها ومؤسساتها ومواردها، تراجعت فعالية أدوات الضغط المالي والسياسي التي يمكن للمركز استخدامها ضدها. ولهذا يمكن اختصار جزء كبير من هذه الاستراتيجية في قاعدة واحدة: الاستقلال في القرار لا يتحقق بالخطاب وحده، وإنما بتقليل الاعتماد على الطرف الذي يُراد الاستقلال عنه في القرار.


ثالثًا: تحويل الجغرافيا إلى قوة اقتصادية :


تمتلك (بونت لاند) عناصر قوة مهمة، لكن امتلاك عناصر القوة شيء وتحويلها إلى قدرة سياسية واقتصادية شيء آخر. فموقعها على خليج عدن، وميناء بوصاصو، وساحلها الطويل، ومواردها البحرية والمعدنية الواعدة، وموقعها القريب من شبه الجزيرة العربية ومسارات التجارة البحرية، كلها أصول استراتيجية. لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع القوة. فالقوة تبدأ عندما تتحول الجغرافيا إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى إيرادات، والإيرادات إلى مؤسسات وبنية تحتية ومرافق عامة، وثم تتحول هذه المؤسسات والموارد إلى قدرة سياسية. ومن هنا ينبغي أن يكون أحد أهم أهداف (بونت لاند) خلال المرحلة المقبلة هو تحويل موقعها الجغرافي من أصل أمني وجيوسياسي إلى أصل اقتصادي وتنموي. وهنا تحديدًا تظهر أهمية العلاقة مع دولة الإمارات باعتبارها نموذجًا يمكن من خلاله اختبار هذه الرؤية الاستراتيجية على أرض الواقع.
رابعًا: الإمارات من علاقة أمنية إلى شراكة استراتيجية :
العلاقة بين الإمارات و(بونت لاند) ليست جديدة. فقد شملت على مدى سنوات التعاون الأمني، ومكافحة الإرهاب والقرصنة، وتطوير القدرات البحرية، إلى جانب العلاقة الاقتصادية واللوجستية المرتبطة بميناء بوصاصو. لكن السؤال الحقيقي ليس في وجود العلاقة، وإنما في طبيعتها والقيمة الاستراتيجية التي يحصل عليها الطرفان منها على المدى الطويل. فإذا ظلت العلاقة متمحورة بصورة رئيسية حول الأمن واللوجستيات والموقع الجغرافي، فإنها ستظل علاقة مهمة، لكنها ستبقى محدودة مقارنة بالإمكانات المتاحة. والمطلوب برأيي هو الانتقال من علاقة تقوم أساسًا على ما تحتاجه الإمارات من (بونت لاند) إلى شراكة تقوم على ما يحتاجه الطرفان من بعضهما على المدى الطويل، وذلك من خلال التالي:
1- إعادة تعريف العلاقة ما بين (بونت لاند) والإمارات :
ينبغي الانتقال من علاقة يغلب عليها الأمن واللوجستيات والجغرافيا إلى شراكة أشمل تضم الاقتصاد والاستثمار والتنمية وبناء المؤسسات إلى جانب التعاون الأمني. فالاستراتيجية الحقيقية تبدأ عندما يصبح استقرار وازدهار الطرف الآخر جزءًا من المصلحة المتبادلة. ومن المهم في هذا السياق إقناع الجانب الإماراتي بأن التركيز المفرط على الأشخاص أو الملفات الأمنية واللوجستية وحدها لا يمثل أساسًا كافيًا لعلاقة استراتيجية طويلة الأمد. فالعلاقة الأكثر استقرارًا بالنسبة للإمارات نفسها هي التي ترتبط فيها مصالحها بشبكة واسعة من المؤسسات والمشاريع والاستثمارات والمصالح الاقتصادية والاجتماعية، بحيث لا تصبح رهينة عدد محدود من الأشخاص أو الترتيبات الأمنية.
ولكن في الوقت ذاته المراجعة يجب ألا تكون من جانب واحد. فعلى الجانب البونتلاندي أيضًا ألا ينظر إلى العلاقة مع الإمارات باعتبارها وسيلة لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية أو مكاسب قصيرة الأجل. اذ يجب أن تصبح المصلحة العليا ل(بونت لاند) هي المعيار. فالمشاريع الكبرى، والاستثمارات، والبنية التحتية، والنمو الاقتصادي، والمؤسسات القوية تخدم في النهاية مصالح القيادات ورجال الأعمال والمجتمع بصورة أوسع وأكثر استدامة من المكاسب الفردية الضيقة.
2- مأسسة العلاقة ما بين (بونت لاند) والإمارات:
من نقاط الضعف التي يمكن أن تواجه العلاقات الإقليمية اعتمادها على الأشخاص والقيادات. ولذلك ينبغي نقل العلاقة تدريجيًا من علاقات الأشخاص إلى علاقات المؤسسات. وهنا نؤكد أن دعوتنا إلى مأسسة العلاقة لا تعني فقط انشاء لجان مشتركة ، بل اخضاعها للقانون والرقابة والمساءلة .
ومن هذا المنطلق، يمكن بناء أطر تعاون طويلة الأجل تضم مؤسسات حكومية واقتصادية واستثمارية وتنموية وأمنية من الطرفين، بحيث تستمر المصالح المشتركة حتى مع تغير الحكومات والقيادات والظروف السياسية. ولا ينبغي أن يقتصر بناء المؤسسات على الجانب الأمني. فالتعاون المؤسسي يمكن أن يمتد إلى الإدارة العامة، والتخطيط الاقتصادي، وإدارة الإيرادات والمالية العامة، والرقابة والشفافية، وجذب الاستثمار، وتطوير القدرات الحكومية، إلى جانب خفر السواحل والأمن البحري ومكافحة الإرهاب والمؤسسات الاجتماعية. فالهدف ليس فقط بناء أجهزة أمنية أكثر قوة، وإنما بناء مؤسسات أكثر قدرة على إدارة (بونت لاند) واقتصادها ومواردها.
3- ميناء بوصاصو — من ورقة جيوسياسية إلى محرك اقتصادي :
يمثل ميناء بوصاصو أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تمتلكها (بونت لاند). لكن قيمته يجب ألا تختزل في كونه محطة لوجستية أو أمنية مرتبطة بموقع (بونت لاند) على خليج عدن. كما لا ينبغي النظر إليه من زاوية ضيقة تقوم على احتمال منافسته أو تشكيله تهديدًا لميناء جبل علي أو للمصالح الإماراتية في المنطقة المتعلقة بالموانئ والممرات البحرية. فمثل هذه النظرة، إذا سيطرت على التفكير لدى أي طرف، ستحد من الإمكانات الحقيقية للميناء وستضعف الجهود المطلوبة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين. والأجدى هو تقديم بوصاصو باعتباره أصلًا اقتصاديًا مكملًا لشبكات التجارة والموانئ الإماراتية والإقليمية، وليس منافسًا صفريًا لها (أي اعتبار أن مكسب أحد الطرفين يُعدّ خسارة مباشرة للطرف الآخر، فلا توجد مساحة واضحة للتعاون أو لتحقيق منفعة مشتركة). فنجاح ميناء بوصاصو يمكن أن يخلق فرصًا إضافية في التجارة والخدمات اللوجستية والاستثمار، وأن يفتح منافذ أوسع نحو أسواق القرن الأفريقي وشرق أفريقيا.
ولهذا ينبغي ألا يقتصر تطوير الميناء على الأرصفة والخدمات البحرية، وإنما يجب أن يصبح مركزًا لمنظومة اقتصادية متكاملة تشمل المناطق الحرة والاقتصادية، والتخزين وإعادة التصدير، والصناعات الخفيفة، وسلاسل التبريد، وتصنيع وتصدير المنتجات السمكية والحيوانية، والخدمات اللوجستية، وربطه بالطرق والمطار والأسواق الداخلية والإقليمية. كما ينبغي العمل على جذب الشركات والمستثمرين والمؤسسات المالية إلى محيط الميناء، بحيث يتحول ميناء بوصاصو خصوصا ومدينة بوصاصو عموما تدريجيًا إلى مركز تجاري واستثماري وإنتاجي وليس مجرد نقطة عبور للبضائع ومحطة أمنية ولوجستية.
والرسالة التي يمكن طرحها على الجانب الإماراتي هي أن قوة ميناء بوصاصو لا ينبغي النظر إليها باعتبارها خصمًا من قوة ميناء جبل علي، بل يمكن تصميم العلاقة بحيث يصبح نمو ميناء بوصاصو امتدادًا اقتصاديًا وتجاريًا للشبكات التي تقودها الإمارات في المنطقة. أما بالنسبة ل(بونت لاند)، فلا ينبغي قياس قيمة الميناء بأهميته للإمارات وحدها، وإنما بقدرته على تحويل الموقع الجغرافي إلى وظائف وصناعات وتجارة وإيرادات واستثمارات وبنية تحتية وقدرة مالية أكبر. وهكذا يتحول ميناء بوصاصو من ورقة جيوسياسية إلى أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية طويلة الأجل لـ (بونت لاند).

4- من الدعم إلى الاستثمار والتجارة :
إذا كان الهدف بناء علاقة استراتيجية حقيقية مع الإمارات، فينبغي الانتقال تدريجيًا من منطق الدعم والمشروعات المحدودة الى بناء منظومة تتضمن الاستثمار في الطاقة والطرق والمطارات والموانئ والثروة السمكية والتعدين والزراعة والعقار والخدمات والمناطق الاقتصادية. وفي الاتجاه المقابل، ينبغي العمل على توسيع وصول منتجات (بونت لاند) إلى الأسواق الإماراتية والخليجية، وخصوصًا الأسماك والثروة البحرية والحيوانية والمنتجات التي تمتلك فيها (بونت لاند) ميزة تنافسية. وبذلك تنتقل العلاقة من المساعدات والدعم إلى التجارة والاستثمار والمصالح المشتركة.
ومن الضروري كذلك إخضاع العلاقة لمراجعة استراتيجية دورية تقوم على سؤالين: ماذا تقدم (بونت لاند) للإمارات؟ وماذا تحصل عليه (بونت لاند) في المقابل؟ ولا يعني ذلك تحويل العلاقة إلى حساب مالي ضيق، وإنما التأكد من أن القيمة الأمنية والجغرافية واللوجستية التي تقدمها (بونت لاند) تقابلها قيمة اقتصادية وتنموية ومؤسسية وسياسية مستدامة.
5- الإمارات نموذجا وليست بديلًا :
من المهم هنا للقيادة السياسية في (بونت لاند) عدم الوقوع في خطأ استراتيجي آخر. فالهدف ليس استبدال الاعتماد على مقديشو بالاعتماد على أبوظبي. إذا حدث ذلك، فإن (بونت لاند) لن تكون قد عالجت مشكلة الاعتماد، وإنما غيرت فقط الطرف الذي تعتمد عليه. ولهذا يجب النظر إلى الإمارات باعتبارها نموذجًا أوليًا لبناء شراكات استراتيجية ناجحة، وليس بديلًا وحيدًا. فإذا استطاعت (بونت لاند) تطوير العلاقة مع الإمارات من علاقة يغلب عليها الأشخاص والأمن واللوجستيات والجغرافيا إلى علاقة تقوم على المؤسسات والاقتصاد والاستثمار والتنمية والمصالح المتبادلة، فإنها ستكون قد بنت نموذجًا يمكن الاستفادة منه مع شركاء آخرين. وهنا نصل إلى الجزء الآخر من الخيار الاستراتيجي الغائب وهو تنويع الشراكات الخارجية.

خامسًا: سياسة انفتاح خارجي فاعلة (دبلوماسية فاعلة) :

تحتاج (بونت لاند) إلى تطوير سياسة انفتاح خارجي أكثر نشاطًا وتنظيمًا، مع مراعاة الإطار الدستوري الصومالي المتعلق بالسياسة الخارجية ووحدة التراب الصومالي. والهدف ليس إنشاء سياسة خارجية موازية لمقديشو، وإنما توسيع شبكة المصالح الاقتصادية والتنموية والسياسية لـ (بونت لاند). ولا يحتاج ذلك بالضرورة إلى سفارات أو تمثيل دبلوماسي رسمي. اذ يمكن العمل من خلال العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، وغرف التجارة، ورجال الأعمال، والجامعات ومراكز الدراسات، والمؤسسات التنموية، والشخصيات المؤثرة، والدبلوماسية غير الرسمية وشبه الرسمية، وقنوات الحوار السياسي والاقتصادي. ويمكن من خلال ذلك بناء شبكة علاقات ومصالح مع دول الخليج وأفريقيا وآسيا وأوروبا، بحيث لا تعتمد قدرة (بونت لاند) الخارجية على دولة واحدة أو قناة واحدة.
لكن الأهم أن العلاقات الخارجية لا ينبغي أن تصبح هدفًا في ذاتها. فقيمتها الحقيقية يجب أن تقاس بما تضيفه إلى الداخل: استثمارات جديدة، وظائف، طرق، موانئ، طاقة، مؤسسات أكثر كفاءة، أسواق للصادرات، تدريب، معرفة، تكنولوجيا وقدرات مالية وإدارية أكبر. وعندها تصبح العلاقات الخارجية امتدادًا لاستراتيجية بناء القوة الداخلية، وليست بديلًا عنها.
كما أن الهدف ليس استخدام هذه العلاقات من أجل المواجهة مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو، ولا تحويل (بونت لاند) إلى أداة أو محطة رخيصة لدى قوة إقليمية أو دولية، وإنما توسيع هامش حركتها السياسية والاقتصادية، بحيث تصبح تكلفة تجاهل مصالحها أعلى، وقيمة التعاون معها أكبر من قيمة عزلها.

سادسًا: المعادلة التي يجب تغييرها :


في النهاية، لا أعتقد أن المعضلة الحقيقية أمام (بونت لاند) هي الاختيار بين الخضوع لمقديشو أو الانفصال عن الصومال. فهذه الثنائية نفسها قد تكون جزءًا من المشكلة. الخيار الاستراتيجي الثالث الغائب هو بناء القوة. وبدل أن تنفق (بونت لاند) الجزء الأكبر من طاقتها السياسية في محاولة تغيير سلوك مقديشو، يمكنها أن تستثمر قدرًا أكبر من هذه الطاقة في تغيير موقعها في داخل معادلة القوة الصومالية الداخلية. والفارق بين الأمرين كبير. فالأول يجعل مستقبل (بونت لاند) مرتبطًا بقرارات الآخرين. أما الثاني فيجعل الآخرين مضطرين إلى أخذ مصالح (بونت لاند) في الاعتبار.
ولهذا فإن السؤال الاستراتيجي الذي ينبغي أن يشغل القيادة السياسية في غروي خلال السنوات المقبلة ليس فقط: كيف نواجه سياسات الحكومة الفيدرالية؟ وإنما كيف نبني (بونت لاند) التي لا تستطيع أي حكومة في مقديشو تجاهلها؟ والإجابة تبدأ من الداخل: تفاهمات داخلية مع القوى المختلفة على مبادئ اساسية مشتركة والأولويات. لأن التماسك الداخلي ليس نتيجة تلقائية للقوة بل شرط أساسي سابق لبنائها والتي لن تتحقق من دون معالجة الخلافات الداخلية والتنافس القبلي والمناطقي وضعف الثقة بين القوى السياسية وتهميش بعض المدن والمناطق والمجتمعات المحلية.
وأيضا امتدادا إلى بناء مؤسسات فاعلة، وسيادة القانون، واقتصاد، وإيرادات، وموانئ، ومطارات، وطرق، وطاقة، وأمن محترف، وقطاع خاص، واستثمار، وتعليم ورأس مال بشري. ومن ثم تأتي الشراكات الخارجية لتدعم هذه القوة، لا لتحل محلها. فحين يتحول الموقع الجغرافي إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى موارد، والموارد إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قدرة سياسية، تبدأ معادلة القوة الداخلية في التغير. وعندها لن تحتاج (بونت لاند) في كل أزمة إلى رفع سقف خطابها حتى يسمعها الآخرون، لأن وزنها الاقتصادي والسياسي والأمني والمؤسسي سيكون كافيًا لفرض حضور مصالحها في المعادلة الداخلية.
ومن منظور الواقعية السياسية، لا تُقاس قوة الفاعلين بعدالة مطالبهم أو حجم مظالمهم وحدها، وإنما بقدرتهم على تحويل ما يمتلكونه من جغرافيا وموارد واقتصاد ومؤسسات وعلاقات إلى عناصر قوة حقيقية. وهنا، يكمن الخيار الاستراتيجي الغائب لـ (بونت لاند): ليس الانفصال عن الصومال، وليس الخضوع لمقديشو، وإنما بناء (بونت لاند) قوية داخل الصومال؛ تمتلك من المؤسسات والاقتصاد والموارد والعلاقات ما يجعل تكلفة تجاهل مصالحها أعلى، وقيمة التعاون معها أكبر من قيمة عزلها.
وعندها يتغير السؤال من: ماذا ستعطينا مقديشو؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا تستطيع (بونت لاند) أن تبني لنفسها لتسهم بقوتها في بناء الصومال؟ فالنفوذ السياسي الحقيقي لا يبدأ عندما تطالب الآخرين بالاعتراف بقوتك، وإنما عندما تبني من عناصر القوة ما يجعل تجاهلك أمرًا بالغ الصعوبة.
الكاتب: عصام حسين الجامع

زر الذهاب إلى الأعلى