قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: 107-108].
يخبر الله سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين عن حال عباده السعداء، وما أعدَّ لهم من الجزاء العظيم والنعيم المقيم، وقد جاءتا عقب ذكر حال الكافرين يوم القيامة، وكيف كان ضلالهم في الدنيا سببًا لشقائهم وهلاكهم، ومآلهم إلى نار جهنم؛ ترغيبًا في سبيل المؤمنين، وبيانًا لعظيم ما أعده الله لهم من الكرامة، حتى يحرص العبد على تحقيق الإيمان والعمل الصالح، فينال ما وعد الله به أولياءه.
قال الإمام السعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: «”أي: إن الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم، وشمل هذا الوصف جميع الدين؛ عقائده وأعماله، وأصوله وفروعه، وظاهره وباطنه، فهؤلاء -على اختلاف طبقاتهم في الإيمان والعمل الصالح- لهم جنات الفردوس.”»
وهذا يدل على أن الإيمان في الشرع ليس مجرد المعرفة أو التصديق، بل هو اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ولهذا بيَّن الإمام ابن القيم رحمه الله أن الإيمان اسم جامع لشعب متعددة، فقال: «”الإيمان أصل له شعب متعددة، وكل شعبة تسمى إيمانًا؛ فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة، والحج، والصيام، والأعمال الباطنة كالحياء، والتوكل، وغيرها.”»
وأما الأعمال الصالحة، فمنها ما هو واجب يأثم العبد بتركه، وينقص إيمانه بفواته، ومنها ما هو مستحب، يفوت بتركه كمال الإيمان ورفعة الدرجات.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «”الإيمان مركب من أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصًا يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة، فالناس فيه: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات.”»
وعلى هذا، فإن اسم الإيمان يشمل كل من تحقق بأصله، سواء كان كامل الإيمان أو ناقصه، فيدخل في مسمى المؤمنين عصاة أهل القبلة من أصحاب الكبائر وغيرهم، وإن تفاوتوا في درجات الإيمان، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32].
فهذه الآية أصل في بيان تفاوت المؤمنين في مراتب الإيمان والعمل، مع اشتراكهم جميعًا في أصل الإيمان، وأن التفاضل بينهم إنما يكون بحسب قوة الإيمان، والإخلاص، وكثرة العمل الصالح، وحسن المتابعة لرسول الله ﷺ.
ثم قال سبحانه: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴾ ويحتمل أن المراد بجنات الفردوس أعلى الجنة، وأوسطها، وأفضلها، وأن هذا الجزاء خاص بمن كمل إيمانه وعمله، كالأنبياء والصديقين والمقربين.
ويحتمل أيضًا أن يراد بجنات الفردوس جميع منازل الجنة، فيكون الوعد شاملًا لجميع أهل الإيمان، من السابقين، والمقتصدين، وسائر الأبرار، كلٌّ بحسب منزلته ودرجته، وهذا هو الأظهر؛ لعموم اللفظ، وشمول الوعد لكل من جمع بين الإيمان والعمل الصالح.
وفي بيان معنى الفردوس، نقل الإمام القرطبي رحمه الله عن قتادة أنه قال: «”الفردوس ربوة الجنة، وأوسطها، وأعلاها، وأفضلها، وأرفعها.”»
وقال أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه: «”الفردوس سرة الجنة.”» وقال كعب رحمه الله: «”ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.”»
ثم ساق الإمام القرطبي ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: ««من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها».» فقالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس؟
فقال ﷺ: ««إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة».»
وفي هذا الحديث بيان عظيم منزلة الفردوس، وأنه أعلى درجات الجنة، وأوسطها، وأفضلها، ولذلك أرشد النبي ﷺ أمته إلى أن يسألوا الله الفردوس، وألا يقتصروا على مجرد سؤال دخول الجنة.
وقال العلامة الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان: «”ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الإيمان والعمل الصالح سبب في نيل جنات الفردوس، والآيات الدالة على أن العمل الصالح سبب في دخول الجنة كثيرة جدًا.”»
ثم ذكر رحمه الله جملةً من الآيات الدالة على ذلك، فمنها قوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 2-3].
وقوله سبحانه: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 43] أي: بسبب أعمالكم الصالحة التي وفقكم الله إليها، وجعلها سببًا لنيل رحمته ورضوانه.
وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: 72].
وقال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: 60-61].
وهذه الآيات وأمثالها تدل دلالةً واضحة على أن الإيمان والعمل الصالح من أعظم أسباب دخول الجنة والفوز برضوان الله تعالى.
ثم قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿نُزُلًا﴾: «”أي: ضيافة.”» والنُّزُل في لغة العرب هو ما يُهيأ للضيف عند نزوله، فإذا كان هذا هو أول ما يكرم به الضيف، فكيف بما أعده الله لعباده المؤمنين بعد ذلك من صنوف النعيم المقيم؟!
إنها ضيافة ليست كضيافة المخلوقين، بل هي ضيافة رب العالمين، الجامعة لكل ألوان النعيم الحسي والمعنوي، في دار لا نصب فيها ولا لغوب، ولا همَّ فيها ولا حزن.
ولهذا قال الإمام السعدي رحمه الله في وصف هذه الضيافة المباركة: «”وأيُّ ضيافة أجلُّ، وأكبر، وأعظم من هذه الضيافة، المحتوية على كل نعيم للقلوب، والأرواح، والأبدان؟! ففيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، من المنازل الأنيقة، والرياض الناضرة، والأشجار المثمرة، والطيور المغردة، والمآكل اللذيذة، والمشارب الشهية، والأزواج الحسان، والخدم والولدان، والأنهار الجارية، والمناظر البهيجة، والجمال الحسي والمعنوي.”»
ثم بيَّن رحمه الله أن أعظم نعيم الجنة ليس ما فيها من القصور والأنهار والمآكل والمشارب، وإنما هو ما فوق ذلك كله، فقال: «”وأعلى ذلك وأفضله وأجله: التنعم بالقرب من الرحمن، ونيل رضوانه، والتمتع برؤية وجهه الكريم، وسماع كلامه سبحانه.”»
وهذا هو النعيم الذي لا يدانيه نعيم، واللذة التي لا تعادلها لذة؛ إذ إن جميع نعيم الجنة تابع لرضا الله سبحانه وتعالى، ومنتهٍ إلى الفوز بالقرب منه والنظر إلى وجهه الكريم.
ثم قال السعدي رحمه الله كلامًا يبعث في القلب الشوق إلى دار النعيم، فقال: «”فلله تلك الضيافة، ما أجلها، وما أجملها، وما أكملها، وما أدومها! وهي أعظم من أن يحيط بها وصف الواصفين، أو تخطر على قلوب العالمين. ولو علم العباد شيئًا من حقيقتها، لطارت قلوبهم إليها شوقًا، ولما آثروا عليها دنيا فانية، ولا لذاتٍ منغصة زائلة، ولكن الغفلة عمت، والإيمان ضعف، والعلم قل، والإرادة فتُرت، فكان ما كان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.”»
وهذا من أبلغ ما قيل في الترغيب في الجنة؛ إذ يذكّر المؤمن بأن حقيقة نعيمها فوق ما تتصوره العقول، وأن ما ورد في الكتاب والسنة إنما هو تقريب للمعاني، أما حقيقتها فلا يعلمها إلا الله، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17].
ثم قال سبحانه وتعالى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾. «”هذا هو تمام النعيم؛ فإن فيها النعيم الكامل، ومن تمامه أنه لا ينقطع.”» قاله السعدي رحمه الله؛
أي: أن أهل الجنة مقيمون فيها إقامةً أبدية، لا يعتريها موت ولا خروج ولا زوال؛ لأن الإنسان في الدنيا مهما بلغ من السعادة والراحة، يبقى معرضًا للزوال والانقطاع، ويخالطه الخوف من فقدان ما هو فيه، أما نعيم الجنة فهو نعيم كامل لا يعتريه نقص، ودائم لا يلحقه فناء، ومقرون بالأمن والطمأنينة والرضوان.
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيرها: «”أي: مقيمين فيها أبدًا، لا يظعنون عنها، ولا يتحولون منها.”»
ثم قال تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾. أي: لا يطلبون عنها انتقالًا، ولا يرغبون في غيرها بدلًا؛ لأنها بلغت من الكمال والجمال والنعيم غايته، فلم يبق في نفوسهم تطلع إلى شيء سواها.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «”لا يريدون أن يتحولوا عنها، كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى.”»
وفي هذا الوصف القرآني إشارة إلى كمال نعيم الجنة من جهة أخرى؛ فإن الإنسان قد يملُّ ما يلازمه طويلًا في الدنيا، ولهذا قال ابن كثير رحمه الله: «”وفي هذا تنبيه على رغبتهم فيها، وشدة محبتهم لها، مع أنه قد يتوهم أن من أقام في مكان دائمًا ربما أصابه السآمة والملل، فأخبر سبحانه أنهم مع دوام الإقامة، وخلود المكث، لا يختارون عنها تحولًا، ولا انتقالًا، ولا ظعنًا، ولا بديلًا.”»
وقال صاحب زهرة التفاسير: «”فهم ينعمون فيها بنعمة الدوام والبقاء، وعدم الإزعاج بالانتقال منها، والنعمة الثانية: بلوغ الغاية في الراحة والاطمئنان؛ فلا يبغون حولًا، بل ينعمون فيها بنعمة الرضا بها، وأنهم لا يجدون خيرًا منها.”» «”ليس بعد ما حوته تلك الجنات من ضروب اللذات والمتع ما تتطلع النفوس إليه، فتود مفارقة ما هي فيه إلى ما هو خير منه، بل يجدون فيها كل ما يخامر نفوسهم من المشتهى.”» قاله العلامة ابن عاشور رحمه الله تعالى.
وقال الإمام الرازي رحمه الله في التفسير الكبير: «”وهذا الوصف يدل على غاية الكمال؛ لأن الإنسان في الدنيا إذا وصل إلى أي درجة كانت في السعادات، فهو طامح الطرف إلى ما هو أعلى منها.”»
وهذا يبين أن السعادة الحقيقية ليست مجرد كثرة النعيم، وإنما السعادة الكاملة هي اجتماع النعيم مع دوام الرضا والطمأنينة، وانتفاء كل خوف من الزوال أو الفقد.
فنعيم الجنة دائم لا ينقطع، وكامل لا ينقص، ومتجدد لا يُمل، ومصحوب برضا الله سبحانه وتعالى، وهو أعظم ما يظفر به أهل الإيمان.
وقد أخبر النبي ﷺ عن عظيم رضوان الله على أهل الجنة، فقال فيما رواه البخاري ومسلم: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا».
فإذا اجتمع لهم نعيم الأبدان، ونعيم الأرواح، ونعيم القلوب، ورضوان الله الذي لا سخط بعده، والنظر إلى وجهه الكريم، فقد اكتملت السعادة التي لا يشوبها نقص، ولا يعقبها فناء، ولا يخالطها هم ولا حزن.
وفي ختام تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: 107-108]،
ذكر العلامة الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان مسألة مهمة تتعلق بالعلاقة بين العمل الصالح ودخول الجنة، فقال: إن هذه الآيات الكريمة تدل على أن الإيمان والعمل الصالح سبب في نيل جنات الفردوس، وقد جاءت نصوص كثيرة من كتاب الله تؤكد هذا المعنى، كقوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 2-3].
وقوله سبحانه: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 43].
وقوله تعالى:﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: 72].
وقوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: 60-61].
ثم أورد رحمه الله الإشكال الوارد في حديث النبي ﷺ: «لن يدخل أحدكم عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟قال ﷺ: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» فكيف يكون العمل الصالح سببًا لدخول الجنة، والنبي ﷺ ينفي أن يدخل الإنسان الجنة بعمله؟
وأجاب الشنقيطي رحمه الله بقوله: «”فالجواب: أن العمل لا يكون سببًا لدخول الجنة إلا إذا تقبله الله تعالى، وتقبله له فضل منه سبحانه، فالفعل الذي هو سبب لدخول الجنة هو الذي تقبله الله بفضله، وغيره من الأعمال لا يكون سببًا لدخول الجنة.”» ثم قال رحمه الله: «”وللجمع بين الحديث والآيات المذكورة أوجه أخر، هذا أظهرها عندي، والعلم عند الله تعالى.”»
وهذا الجمع من أحسن ما يوضح حقيقة الأمر؛ فإن العبد يعمل بطاعة الله، ويسعى في مرضاته، لكن لا يرى عمله ثمنًا للجنة، ولا يستغني به عن فضل الله ورحمته؛ لأن الله هو الذي وفقه للعمل، وهو الذي قبله منه، وهو الذي أثابه عليه.
فالعمل الصالح سبب، والفضل والرحمة من الله تعالى هما الأصل، ولهذا قال النبي ﷺ: «لن يدخل أحدكم عمله الجنة»؛ أي: بمجرد عمله واستحقاقه الذاتي، وقالت الآيات: إن أهل الجنة نالوها بسبب أعمالهم؛ أي: بسبب الأعمال التي تفضل الله بقبولها وجعلها سببًا لرحمته.
وبذلك تجتمع النصوص ولا تتعارض، بل يصدق بعضها بعضًا؛ فالعبد يسير إلى الله بالإيمان والعمل، ويدخل الجنة برحمة الله وفضله.
ومن فوائد هذه الآيات الكريمة:
أولًا: أن الإيمان والعمل الصالح هما طريق السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، فلا يكفي مجرد الدعوى، بل لا بد من إيمان يثمر عملًا صالحًا.
قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: 1-3].
ثانيًا: أن الإيمان مراتب ودرجات، وأن المؤمنين يتفاوتون بحسب قوة إيمانهم، وكثرة أعمالهم، وصدق إخلاصهم.
ثالثًا: أن أعظم ما يطلبه المؤمن ليس مجرد دخول الجنة، بل بلوغ أعلى منازلها، ولذلك أرشد النبي ﷺ إلى سؤال الله الفردوس الأعلى.
رابعًا: أن نعيم الجنة نعيم كامل يجمع نعيم القلب والروح والجسد، ولا يشوبه نقص ولا كدر.
خامسًا: أن من تمام نعيم أهل الجنة دوام مقامهم فيها، وعدم رغبتهم في التحول عنها، لأنهم وجدوا فيها غاية ما تطلبه النفوس.
سادسًا: أن أعظم نعيم أهل الجنة هو رضوان الله تعالى، والقرب منه، والنظر إلى وجهه الكريم، وهو النعيم الذي يفوق كل نعيم.
سابعًا: أن الأعمال الصالحة مهما عظمت لا يستغني بها العبد عن رحمة الله، فالفضل كله لله، والتوفيق منه، والجزاء بكرمه وإحسانه.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الإيمان والعمل الصالح، وأن يرزقنا الفردوس الأعلى من الجنة …..وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
بقلم: علي أحمد محمد المقدشي





