حتى لا يكون “السافنا” آخر المنشقين

بعد إعلان القيادي الأبرز في مليشيا الدعم السريع الجنرال “علي رزق الله” الشهير “بالسافنا” إنشقاقه منها وإنضمامه للقوات المسلحة السودانية، وتعهده بالعمل مع مؤسسات الدولة الوطنية السودانية على تفكيك العصب البنيوي لمليشيا الدعم السريع، أطلقت الأوساط البحثية الفرنسية العنان لكافة وسائل الإعلام “المرئي والمقروء” خاصة تلك التابعة لها في القارة الإفريقية لمناقشة مراحل تفكك مليشيا الدعم السريع، بإعتبار أن الإنشقاقات الأخيرة هي المرحلة الأولى لمراحل قادمة، وأطلقت عليها ظاهرة “Fragmentation de la structure armée” وتعني باللغة العربية “تشظي البنية المسلحة”، ولكن ما لفت نظري هو الحماس الكبير الذي أبدته شبكة “CFI” الإعلامية والتي بدت أكثر حرصاً وإجتهاداً من غيرها في ملامسة القاع الدلالي والتنقيب المعرفي والتشريح الفكري لدور الإستخبارات العسكرية السودانية في توالي تلك الإنشقاقات، والذي أسمته الأوساط الأمنية الإفريقية “Transformation de l’adversaire armé vers la voie souveraine”،  وتعني “تحويل الخصم المسلح للمسار السيادي”، وأمام كل ما نوقش أمامي من أراء متضاربة، وجدت نفسي حينها أمام معترك فكري يجذبني إليه قناعتي الخاصة وإيماني المطلق بسيادة الدولة الوطنية وإحترام مؤسساتها الشرعية، ويصدني عنه إستبداد الرأي الذي أحيا واقعه وممانعة إدراكي لقبول ذلك.

 تباينت الرؤى الأمنية والعسكرية الأفريقية حول بدء تأكل الحاضنة القيادية لمليشيا الدعم السريع والتحولات الميدانية التي صاحبت ذلك، وحركية الصراع المتسارع في السودان، وإنعكس ذلك التباين تلقائياً على التصور السياسي للأنظمة الإفريقية حول سياستها الخارجية المستقبلية إزاء سودان ما بعد البشير، ويمكننا تقسيم تلك الرؤى الإفريقية للأتي : 

✳️ الرؤية الأولى:  ترى بعض الدول الإفريقية في إنشقاقات مليشيا الدعم السريع وهزيمتها، هو بدء ميلاد هندسة الأمن القاري الإفريقي كمنظومة ردع متكاملة ضد التفكك والفوضى، وأكبر عملية كسر للطوق الدفاعي لأخطر مليشيا متمردة في تاريخ إفريقيا الحديث، ونهاية حتمية لكافة الجيوش الموازية للجيوش الوطنية في القارة الإفريقية، وهذا ما دفعها إلى تبني “ECSI”  (وهو إختصار لتوسيع الخرائط الرمزية للنفوذ) لتعزيز حضورها الدبلوماسي في السودان.

✳️ الرؤية الثانية:  ترى في مليشيا الدعم السريع نسخة منقوصة من حركة “UNITA” الأنغولية، فالأخيرة كان قائدها “جوناس سافيمبي” متعلماً وصاحب كاريزما ويمتلك حضوراً سياسياً قوياً، وكانت حركته منظمة ومرتكزة على مشروع قومي، وإن تحول جزء منها إلى إقتصاد حرب، على عكس تركيبة مليشيا الدعم السريع وقيادتها، فبتالي تلك الإنشقاقات تراها تلك الدول نتيجة طبيعية لمكون مسلح يفتقر لرؤية وطنية وقيادة متبصرة تحدد له ملامح مستقبل تمرده، فبتالي تلك الإنشقاقات ما هي إلا فرصة لإنهاء الحرب، وتحول مليشيا الدعم السريع من حركة مسلحة متمردة إلى فاعل سياسي مدني، تماماً كما تحولت “UNITA” بعد نزع سلاحها إلى حزب سياسي تشارك في الإنتخابات والبرلمان والعمل السياسي العلني، والدول الأفريقية التي تتبنى هذه الرؤية بدأت تنتهج إستراتيجية “Interdépendance asymétrique” تجاه الخرطوم ( وهذه إستراتيجية تتبناها الدول المتفوقة إقتصادياً للتقارب مع دول تجاورها في الإقليم ولكنها متفوقة عليها عسكرياً، أمنياً، إستخباراتياً). 

حتى لا يكون “السافنا” آخر المنشقين 

الفوضى الممنهجة التي فرضتها اللجان الإلكترونية التابعة لمليشيا الدعم السريع المتعددة الجنسيات بعد إنشقاق “السافنا” الذي كان موجعاً وقاصماً لظهر كوادرها قبل قيادتهم، تسعى من خلالها المليشيا إلى إنعاش حالة الإحتضار الهيكلي الذي بات يسري مسرعاً في أوصالها ليس إلا، فهي باتت مدركة أن مفاتيح أفولها في داخلها.

  لاشك أن محاسبة المتورطين في الإنتهاكات والتجاوزات التي ذاق ويلاتها الشعب هو أهم ما يجب أن يتم البت فيه، وملف المنشقين من مليشيا الدعم السريع يجب التعامل معه بالكثير من الحذر خاصة في هذا الظرف الدقيق الذي تعيشه الدولة السودانية، فمواصلة تأليب الرأي العام حول هذا الملف سينعكس سلباً على النتائج المرجوة من تصدعات مليشيا الدعم السريع، وقد يؤدي ذلك إلى إحجام العديد من كوادر المليشيا الساعية إلى الإنشقاق عنها، وحتى لا يكون “السافنا” آخر المنشقين، فهناك أمور لا ينبغي الحديث عنها الأن حتى تسترد الدولة كامل عافيتها وإستقرارها، وكل ما ينبغي العمل عليه الأن هو الإستثمار وبأقصى حد في تلك الإنشقاقات، فالمليشيا اليوم في أضعف حالاتها وعاجزة عن تحقيق أية مكاسب والإجهاز عليها معنوياً باتت أدواته جلية في بنيته.

✳️ يقترح أن يتم حل ملف المنشقين من مليشيا الدعم السريع بتشكيل لجنة مكونة من “خبراء قانونيين، وخبراء عسكريين، خبراء علم نفس، خبراء الأنثروبولوجيا”، تكون تلك اللجنة خاصة للمنشقين، وتعمل تلك اللجنة على دراسة حالة المنشقين قبل الإنضمام إلى المليشيا، ثم التعرف على الأسباب التي دعتهم للإنخراط في صفوفها، ودراسة بعد ذلك الدوافع التي ساهمت في   إقناعهم للإنشقاق عنها، وهذا سيساهم في تطوير أليات العمل الأمني والإستخباراتي والذي سينعكس مستقبلاً على العمل الهجومي والدفاعي، ومن ناحية أخرى سيكون ذلك تمهيداً لبدء العمل في تدشين علم جديد يضاف إلى الكليات العسكرية السودانية الأكاديمية في تطوير مناهج علم “الهندسة الإدراكية” أحد أهم العلوم الأمنية الحديثة، ولا أعني هنا أن مؤسسات الدولة السودانية تفتقر لمعرفة البنية النفسية لأزمتها السياسية، ولكن أعني أن هندسة الوعي العسكري لابد من إعادة صياغته وفق أطروحات جديدة تتوافق مع الوعي الفكري الذي بات عليه المكون الشعبي السوداني اليوم، وعليه يقترح الآتي:

✳️ التعاون مع مجموعة “H2O” التي ظهرت بعد إضطرابات ٢٠١٣ التي شهدتها الخرطوم، ورمز H2O” هو إختصار للكلمات التالية ( Humanity, Harmony, Order/ الإنسانية، الإنسجام ، النظام)، وتتكون تلك المجموعة من عناصر شبابية سودانية، من كافة ولايات السودان “الثامنة عشر”، ويحسب لهذه المجموعة إستقلالها الفكري، وبعدها عن الإنتماءات الأيديولوجية، وحرصها على تطبيق برامج وطنية تشمل كافة ولايات السودان تعزيزاً لنبذ العنصرية والقضاء على الجهوية، فيمكن ربط برنامج تلك المجموعة بالبعثات الدبلوماسية السودانية في العواصم الغربية والأفريقية، ويمكن الإستعانة بهم وتصديرهم للمشهد الإعلامي السوداني لإضعاف السرد الإعلامي الساعي إلى ربط السودان بالجماعات الإرهابية والأيديولوجيات المتطرفة.

✳️  قطع الطريق على كافة الأذرع السياسية “تأسيس، صمود” التابعة لمليشيا الدعم السريع من تعزيز حضورها إقليمياً أو دولياً، وذلك بعمل الآتي: 

✳️ التواصل والتنسيق الدبلوماسي مع النخب السياسية والأمنية الإفريقية الداعمة للإتجاهات الرئيسية التي تشكلت بعد 15 إبريل 2023 والتي لا ترى في الأذرع السياسية لمليشيا الدعم السريع إلا أداة أفرغت مفهوم الدولة الوطنية السودانية من سياقه.

   ✳️ التقارب مع التيارات السياسية الأفريقية القوية الداعمة لسيادة الدولة الوطنية في القارة الأفريقية، والتي تشهد عواصمها منذ يونيو ٢٠٢٤ حتى اليوم حراكاً أمنياً مع يقظة ثقافية مجتمعية حول خطورة المليشيات المتمردة على الدولة، وطرح “السودان” كمقاربة ناجحة في ضبط وتقييد الفاعل المسلح المتمرد.

✳️   تكثيف المشاركات الثقافية والسياسية والعلمية للبعثات الدبلوماسية السودانية في أفريقيا واسيا أوروبا وأمريكا، وتلبية دعوة الأحزاب السياسية الكبرى ومنظمات المجتمع المدني في الدول الأفريقية الساعية إلى عقد سلسلة ندوات علمية حول دور حضارة السودان القديمة في التاريخ الإنساني تمهيداً لمؤتمر “projetdu Grand Soudan” .

د.أمينة العريمي 

باحثة إماراتية في الشأن الإفريقي

د.أمينة العريمي

أمينة العربمي باحثة إماراتية في الشأن الأفريقي
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى