في منتصف القرن الماضي بدا المشهد الثقافي في فرنسا وكأنه منقسم بين فكرتين لا تلتقيان أبدا على جهة وقف جان بول سارتر وهو يكرر بثقة أن الإنسان حر وأنه يصنع نفسه بنفسه وأن لا شيء يسبق اختياراته وعلى الجهة الأخرى ظهر كلود ليفي ستروس ثم تبعه لاحقا ميشيل فوكو ليقولا بمعنى أو بآخر أن الإنسان ليس ذلك الكائن المستقل الذي يتخيله بل مجرد جزء صغير داخل شبكة هائلة من اللغة والعادات والتاريخ والقواعد التي تتسلل إلى وعيه من دون أن ينتبه إليها
كان سارتر يرى أن الإنسان يوجد أولا ثم يصوغ صورته بنفسه وأن كل فرد مسؤول بصورة كاملة عن حياته واختياراته لذلك بدت الوجودية وكأنها احتفال واسع بالإرادة البشرية وقدرة الإنسان على تشكيل مصيره لكن البنيويين نظروا إلى هذه الفكرة بقدر كبير من الارتياب لأنهم اعتقدوا أن الفرد يصل إلى العالم بعد أن تكون أمور كثيرة قد حسمت قبله اللغة التي سيتحدث بها والأفكار التي سيعتبرها طبيعية وحتى الطريقة التي سيفهم بها الحب والخوف والسلطة والعائلة
ومع الوقت بدأت صورة الإنسان الحر تهتز شيئا فشيئا لأن كثيرا من التصرفات التي تبدو شخصية تماما لم تكن في الحقيقة سوى صدى لأنماط قديمة ومتوارثة فالرجل الذي يظن أن الصمت جزء من شخصيته قد يكون قد تعلم منذ طفولته أن إخفاء المشاعر نوع من القوة والمرأة التي تخشى أحكام الناس ربما تحمل داخلها خوفا قديما تسرب إليها من مجتمع كامل لا من تجربتها الفردية وحدها
حتى اللغة نفسها فقدت براءتها القديمة لم تعد مجرد وسيلة يعبر بها الإنسان عن أفكاره بل تحولت عند البنيويين إلى قوة خفية تعيد تشكيل طريقة التفكير ذاتها حتى بدا الأمر أحيانا وكأن الإنسان لا يفكر بحرية كاملة بل يفكر بالطريقة التي شكلت اللغة وعيه بها منذ البداية
ولم يكن الخلاف بين الوجودية والبنيوية مجرد نقاش فلسفي يدور داخل الجامعات بل كان خلافا أعمق من ذلك بكثير لأنه في النهاية كان يدور حول معنى الإنسان نفسه هل نحن من نصنع حياتنا فعلا أم أننا نتحرك داخل حدود رسمتها قوى أكبر منا بزمن طويل
وربما كانت الفكرة الأكثر إزعاجا بالنسبة لي أن الإنسان الحديث كلما ظن أنه تحرر من سلطة معينة اكتشف بعد سنوات أنه انتقل فقط إلى سلطة أخرى أكثر نعومة وأشد خفاء ولأني من أصحاب الفهم المتأخر كنت اعتقد في فترة من الفترات أن الإنسان كلما تقدم في المعرفة صار أكثر حرية ثم اكتشفت بعد سنوات أن القيود لا تختفي فعلا بل تغير شكلها فقط حتى إن الواحد منا قد يعيش عمره كله وهو يظن نفسه حرا بينما يتحرك داخل أسوار لا يراها.





