إ
يبدو أن الصومال يتجه تدريجيًا نحو الخروج من مسار الانتخابات غير المباشرة الذي ظل قائمًا لسنوات طويلة، وهو النظام الذي كانت أبوابه مغلقة أمام عامة الشعب بكل أطيافه، حيث اقتصرت المشاركة فيه على عدد محدود من زعماء العشائر والسياسيين الذين اعتبروا أنفسهم أصحاب الحق الحصري في تقرير المصير السياسي للبلاد، مستندين إلى نفوذهم المالي وعلاقاتهم السياسية، إضافة إلى ارتباطات خارجية أسهمت في التأثير على المشهد السياسي الداخلي للبلاد.
والجدير بالذكر أنه مع إعادة انتخاب الرئيس حسن شيخ قبل أربع سنوات، برزت إرادة سياسية واضحة من خلال سعيه إلى استكمال الدستور الصومالي، الذي ظل لفترة طويلة عقبة كؤودًا أمام ترسيخ مبدأي المساواة والوحدة الوطنية، في وقت يرى فيه الشعب الصومالي أن الدستور الانتقالي كان يفتقر إلى ضمانات هذين المبدأين، اللذين يُعدّان ركيزة أساسية لبناء الدولة وتعزيز استقرارها. كما عمل الرئيس، وفاءً لتعهداته منذ انتخابه، على تغيير نظام الانتخابات غير المباشرة، تمهيدًا للانتقال إلى نظام انتخابي يقوم على مبدأ “شخص واحد، صوت واحد”، حيث شرعت الحكومة بالفعل في تنفيذ انتخابات مباشرة في العاصمة مقدشو وفي الأقاليم الثلاثة التابعة لإدارة ولاية جنوب الغربي ، في خطوة تُعد مهمة ضمن مسار التحول السياسي في البلاد.
وفي المقابل، يُتوقع أن تُجرى خلال الأشهر المقبلة انتخابات في ولايتي هيرشبيلى وجلمدغ، الأمر الذي يعزز احتمالية تنظيم انتخابات أعضاء البرلمان الفيدرالي قبل نهاية عام الجاري 2026 وفق نظام “شخص واحد، صوت واحد” كما يتقع أن يقوم البرلمان الجديد، مع انتهاء الولاية الدستورية للرئيس حسن شيخ محمود في منتصف عام 2027 بموعدها المحدد، بإجراء الانتخابات الرئاسية الخاصة بالسنوات الخمس المقبلة.
ومن هنا، ينبغي على قوى المعارضة الرافضة لمسار الانتخابات المباشرة الحالي أن تدرك أنها تمتلك اليوم — لا غدًا — فرصة حقيقية للدخول في حوار سياسي وقانوني جاد مع الرئيس حسن شيخ محمود وحكومته، بدلًا من التلميح بخيارات قد تقود إلى الفوضى، وهي فوضى لن تكون عواقبها محمودة على الحكومة أو المعارضة أو المجتمع الصومالي بأسره.
والأجدى بهذه القوى أن تعيد ترتيب مواقفها، وأن تطرح رؤى علمية وبدائل سياسية أكثر واقعية وتأثيرًا، لا سيما فيما يتعلق بالقوانين المنظمة للعملية الانتخابية وآليات عمل اللجان المشرفة عليها، وذلك خلال السنة الدستورية الجديدة التي تبدأ اعتبارًا من اليوم الموافق 16/05/2026، بما يضمن لها حضورًا سياسيًا فاعلًا وسلميًا في المشهد الوطني.
ويُعد ذلك أمرًا ضروريًا حتى لا تجد المعارضة نفسها في نهاية المطاف أمام أحد خيارين كلاهما مرّ:
أولهما: الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، بما قد يؤدي إلى فوضى عارمة وفتنة دامية تُفاقم المجاعة، وتُضعف مؤسسات الدولة، وربما تعيد البلاد إلى حالة الانهيار التي شهدتها عام 1991م، ليتحمّل الجميع تبعات تلك المأساة إن وقع اقتتال داخلي — لا قدّر الله —.
وثانيهما: أن تنتهي الأزمة إلى تمديد رئاسي جديد للرئيس حسن شيخ محمود لخمس سنوات إضافية، مستندًا إلى قوة الدولة واعتماد الدستور المعدّل، وذلك في حال استمرار خطاب المعارضة التصعيدي دون تقديم مبادرات سلمية قادرة على التأثير في مسار التحول السياسي الجاري أو توجيهه بصورة مختلفة. ويزداد هذا الاحتمال في ظل اقتناع شريحة واسعة من الشعب الصومالي بأن الخطوات المتخذة نحو الانتخابات المباشرة تمثل إنجازًا سياسيًا مهمًا وتطورًا بارزًا في مسار بناء الدولة، حيث تُبدي فئات كبيرة من المجتمع دعمًا واضحًا للجهود الحكومية الرامية إلى ترسيخ نظام انتخابي عادل يضمن للشعب حقه الكامل في اختيار قيادته، كما أبدت تأييدًا للتعديلات الدستورية بصيغة تراها أكثر نضجًا وقربًا من تعزيز مبدأي المساواة والوحدة الوطنية وصونهما.
ومع الإقرار بوجود صعوبة لدى بعض السياسيين في تقبّل التحولات السياسية الجديدة التي يشهدها البلد، نتيجة اعتيادهم الاستفادة من نظام الانتخابات غير المباشرة الذي اعتُمد سابقًا كحلٍّ مؤقت فرضته ظروف المرحلة، فإنه لا يمكن تبرير محاولة تحويل هذا النظام الاستثنائي إلى صيغة دائمة أو اعتباره خيارًا لا غنى عنه في المستقبل، خاصة في ظل ما يشهده الواقع السياسي من تطور واضح نحو نظام انتخابي أكثر انفتاحًا وتمثيلًا لإرادة الشعب.
وأما الأحزاب والقوى السياسية التي تقبّلت مبدأ الانتخابات “شخص واحد، صوت واحد” الذي تبنّته الحكومة الحالية، وشاركت في مختلف المنافسات الانتخابية المباشرة الجارية في عدد من المناطق، فإنه ينبغي لها أن تعزّز حضورها السياسي والانتخابي والرقابي بصورة أكبر، وأن تُبدي مواقف أكثر وضوحًا تجاه التجاوزات الانتخابية والتدخلات المرتبطة بعمل اللجان المشرفة على العملية الانتخابية، لا سيما فيما يتعلق بالإجراءات التنظيمية ومدى الالتزام بمعايير الشفافية والنزاهة.
ويُعد ذلك أمرًا ضروريًا للحفاظ على مكانتها وثقة المجتمع بها، وتعزيز حضورها السياسي أمام بقية أطراف المعارضة الأخرى المتمسكة بنظام الانتخابات غير المباشرة، والتي قد يؤدي استمرار بعض خطاباتها التصعيدية إلى تهديد أمن البلاد واستقرارها، في مرحلة تتطلب تغليب الحوار السياسي، وترسيخ المسارات السلمية، ودعم التحول النظام الانتخابي بما يحفظ وحدة الدولة ومصالح الشعب الصومالي.
بقلم: علي أحمد محمد المقدشي





