حين تتبعتُ بعض المؤلفات التاريخية التي وضعها كتّاب ومثقفون من قومية الأورومو، المعروفة في بعض المصادر التاريخية القديمة باسم «الغالا»، وتأملتُ ما تتضمنه من روايات وتفسيرات، لاحظتُ أن بعضها يتبنى قراءات انتقائية تتجاهل جوانب مهمة من التاريخ الصومالي، وقد تُوظَّف لخدمة تطلعات سياسية وجغرافية معاصرة على حساب المناطق ذات الوجود الصومالي التاريخي.
غير أن الحقيقة التي ينبغي تأكيدها هي أن القرن الأفريقي لم يكن أرضًا خالية من الحضارة والعمران قبل التوسعات الأورومية الكبرى في القرن السادس عشر الميلادي، بل كان منطقة نابضة بالحياة السياسية والحضارية والتجارية، تعج بالممالك والسلطنات، وتتفاعل فيها الشعوب والثقافات، وتربطها شبكات واسعة من العلاقات الاقتصادية عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي.
فقد شهدت المنطقة قيام سلطنة إيفات وسلطنة عدل وسلطنة أجوران، إلى جانب ممالك الطراز الإسلامية وغيرها من الكيانات السياسية التي أسهمت في تشكيل تاريخ القرن الأفريقي قبل التحولات السكانية الكبرى التي شهدها القرن السادس عشر.
وكانت سلطنتا إيفات وعدل من أبرز القوى الإسلامية التي خاضت صراعات طويلة مع الممالك الحبشية المسيحية، وبلغت تلك المواجهات ذروتها خلال الحملات العسكرية التي قادها الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي، المعروف بالإمام أحمد غُرَي، ضد الإمبراطورية الحبشية في القرن السادس عشر الميلادي.
وفي أعقاب مقتل الإمام أحمد غُرَي سنة 1543م، دخلت سلطنة عدل مرحلة من الاضطراب السياسي والعسكري، بعدما أنهكت الحروب الطويلة القوى الإسلامية والحبشية على السواء، وأضعفت قدرتهما على الاحتفاظ بنفوذهما في مناطق واسعة. وفي خضم هذه الظروف، اتسعت التحركات الأورومية نحو بالي وهرر والأقاليم المجاورة، وأسهمت في إعادة تشكيل التوازنات السكانية والسياسية في المنطقة.
وبرز الأمير نور بن مجاهد في منتصف القرن السادس عشر بوصفه أحد أبرز القادة الذين سعوا إلى استعادة القوة العسكرية لسلطنة عدل والدفاع عن مركزها الإسلامي في هرر. وقد واجه تحديات متزامنة، تمثلت في استمرار الصراع مع المملكة الحبشية وتصاعد الضغوط الناجمة عن التحركات الأورومية في المناطق المحيطة بالمدينة.
وارتبط عهده بتعزيز التحصينات الدفاعية لهرر، التي غدت من أهم المراكز الإسلامية في شرق القرن الأفريقي. وبعد وفاته نحو سنتَي 1567–1568م، ازدادت الاضطرابات السياسية والعسكرية، وشهدت السلطنة تحولات انتهت بانتقال مركزها السياسي إلى أوسا سنة 1577م.
وتربط بعض الدراسات التاريخية تراجع نفوذ سلطنة عدل بعوامل متداخلة، من بينها التوسعات الأورومية، والحروب المتواصلة، والمجاعات، واضطراب طرق التجارة؛ وهي عوامل أسهمت مجتمعة في إضعاف البنية السياسية والعسكرية للسلطنة.
ومع ذلك، احتفظت هرر بمكانتها مركزًا للتعليم الإسلامي والتجارة، واستمرت علاقاتها بالمجتمعات الأورومية المحيطة بها في التطور. ومع ظهور حكم سلالة علي بن داود سنة 1647م، دخلت المدينة مرحلة جديدة من تاريخها السياسي، مع استمرار دورها الديني والثقافي والتجاري.
أما سلطنة أجوران، فقد كانت كيانًا سياسيًا مستقلًا عن سلطنة عدل، بسط نفوذه على مناطق واسعة من وسط الصومال وجنوبه، بين نهري شبيلي وجوبا، وصولًا إلى المناطق المتاخمة لنهر تانا في كينيا الحالية، وأدّى دورًا بارزًا في الحكم والزراعة وإدارة الموارد المائية والتجارة. وتربط الروايات التاريخية الشفوية جماعات صومالية أخرى بالسلطنة، من بينها قبيلة الغرّي الصومالية (Garre). كما ارتبطت مراكزها الساحلية بشبكات تجارية عبر المحيط الهندي، امتدت نحو سواحل موزمبيق وطرق الملاحة المؤدية إلى رأس الرجاء الصالح وآسيا.
وفي المجال الممتد بين نهر جوبا في الصومال ونهر تانا في كينيا الحالية، شهدت المنطقة تحولات سكانية وتفاعلات تاريخية بين الجماعات الصومالية والأورومية والبانتوية، مما يجعلها من المناطق المهمة لفهم تاريخ الهجرات والاستيطان والتغيرات الاجتماعية في شرق أفريقيا.
ويُعد كتاب المؤرخ لي في. كاسانيللي (Lee V. Cassanelli)، The Shaping of Somali Society: Reconstructing the History of a Pastoral People, 1600–1900، الصادر سنة 1982م، من المراجع المهمة لدراسة التاريخ السياسي والاجتماعي لجنوب الصومال، والتحولات التي شهدتها السلطة الأجورانية والمجتمعات المجاورة.
كما تناول المؤرخ إي. آر. تورتون (E. R. Turton) هذه التحولات في دراسته المنشورة سنة 1975م في مجلة The Journal of African History، بعنوان Bantu, Galla and Somali Migrations in the Horn of Africa: A Reassessment of the Juba–Tana Area، الصفحات 519–537.
وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة في بحث تاريخ الهجرات وأنماط الاستيطان في منطقة جوبا–تانا، بما في ذلك الروايات المتعلقة بالوجود المبكر لجماعات الغرّي الصومالية (Garre)، وعلاقتها بالتحركات اللاحقة لجماعات الأورما (Orma) الأورومية، وما صاحب تلك التحركات من تغيرات في توزيع السكان ومواطن استقرارهم.
وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على أن بروز التوسعات الأورومية الكبرى في القرن السادس عشر لا يعني أن وجود الأورومو بدأ في تلك المرحلة، كما أنه لا يلغي حقيقة أن القرن الأفريقي كان قبلها موطنًا لمجتمعات مستقرة وكيانات سياسية وحضارية عريقة، كان من بينها الصوماليون والعفريون وغيرهم من الشعوب التي أسهمت في تاريخ السلطنات الإسلامية. كذلك أدّت الممالك الحبشية المسيحية، المرتبطة بالتاريخ السياسي للأمهرة والتغراي، دورًا بارزًا في تشكيل تاريخ المنطقة.
وقد برز التوسع الأورومي في خضم صراعات طويلة وتحولات عميقة بين القوى الإسلامية والمسيحية، التي جمعت بينها الحروب والتنافس السياسي من جهة، والتبادل التجاري والتفاعل الثقافي من جهة أخرى. وقد أسهمت الصراعات بين الثقافات الثلاث المتناحرة، وما صاحبها من تفاعلات اجتماعية ودينية، في انتشار الإسلام والمسيحية بين قطاعات من المجتمعات الأورومية خلال مراحل تاريخية مختلفة، مما عزز روابطها الدينية والاجتماعية مع المجتمعات الإسلامية والمسيحية المجاورة.
ومن هنا، فإن الدفاع عن التاريخ الصومالي لا يعني إنكار تاريخ الأورومو أو معاداة شعبهم، بل رفض القراءات الانتقائية التي تتجاهل الوجود الصومالي السابق، وتوظّف الصراعات التاريخية بين الصوماليين المسلمين والأورومو الوثنيين في الأزمنة الغابرة، قبل انتشار الإسلام بينهم، الذي أسهم في تجاوز معظم العداوات وتعزيز روابط الأخوّة الإسلامية بين الشعبين، لتبرير أطماع سياسية وجغرافية معاصرة بتوجيه من الساسة الإثيوبيين، مما يثير حفيظة الصوماليين ويزيد الصراع تعقيدًا.
وتؤكد هذه الوقائع أن القرن الأفريقي كان، قبل التوسعات الأورومية الكبرى، فضاءً سياسيًا وحضاريًا نشطًا، تشهد عليه سلطنتا إيفات وعدل، اللتان امتد نفوذهما في مراحل مختلفة إلى مناطق واسعة من شرق الهضبة الإثيوبية وسهولها، بما فيها أقاليم قريبة من موقع أديس أبابا الحالية.
وإذا كانت التحولات التاريخية التي شهدتها مناطق هرر قد ارتبطت بتحركات وتوسعات أورومية خلال القرون الماضية، فإن ما شهدته منطقة بالي، وما تشهده اليوم دير داوا وبعض المناطق الصومالية داخل إثيوبيا والصومال ودول الجوار من توسع عمراني وتحركات سكانية أورومية معاصرة، يثير تساؤلات بشأن طبيعة هذه التحركات ومدى تنظيمها، ويستدعي اهتمامًا جادًا ودراسة مستقلة.
فقد عبّر بعض المثقفين والشخصيات الصومالية، ومن بينهم الجنرال غلال، عن مخاوف من أن ترتبط بعض الهجرات والتحركات السكانية بسياسات استيطان أو بمشروعات تهدف إلى إحداث تغييرات ديمغرافية وسياسية على حساب المجتمعات الصومالية وأراضيها ومواردها الطبيعية ومواقعها الاستراتيجية، برًّا وبحرًا.
وتأتي في سياق هذه المخاوف التصريحات المنسوبة إلى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، المنتمي إلى قومية الأورومو، والتي تثير تساؤلات بشأن التوجهات السياسية والإقليمية لإثيوبيا.
ومن هنا، فإن حماية الحقوق التاريخية والسكانية للصوماليين، وصون أراضيهم ومواردهم ومصالحهم الاستراتيجية، تقتضي اليقظة السياسية والبحث العلمي والتوثيق الدقيق، بعيدًا عن التعميمات القومية وردود الفعل العاطفية.
إن تاريخ القرن الأفريقي أقدم وأعمق من أن يُختزل في التوسعات الأورومية خلال القرن السادس عشر؛ فقد سبق تلك التحولات وجود ممالك وسلطنات إسلامية ومسيحية، ومجتمعات مستقرة، وشبكات تجارية وثقافية واسعة، كان للصوماليين فيها حضور تاريخي لا يجوز تجاهله.
ومن أراد مناقشة تاريخ الصوماليين ووجودهم في القرن الأفريقي، فعليه أن يبدأ بدراسة هذه الكيانات السياسية والحضارية، وأن يتتبع تاريخ الاستيطان والهجرات والتحولات السكانية، مستندًا إلى المصادر والوثائق والشواهد التاريخية، لا إلى الروايات القومية الأورومية الانتقائية.
فالتاريخ الصومالي لا يُكتب على مقاس الأطماع السياسية والجغرافية، ولا تُمحى حقائق الماضي بتكرار الادعاءات؛ وإنما تثبت الوقائع بالحجة والوثيقة والشاهد التاريخي.
بقلم: علي أحمد محمد المقدشي





