كانت الصومال، قبل الاستعمار الغربي وخلال مراحل متعددة من تاريخها، ذات مكانة بارزة في العالم الإسلامي ومنطقة القرن الإفريقي، وأسهم أبناؤها في نشر الإسلام، والدفاع عن هويتهم الدينية والثقافية، وتعزيز التواصل التجاري والحضاري بين إفريقيا والجزيرة العربية وشبه القارة الهندية، ولا سيما في عهد الممالك المعروفة بممالك الطراز الإسلامية.
كما خاض الصوماليون نضالات طويلة ضد القوى الإقليمية والاستعمارية التي سعت إلى السيطرة على أراضيهم، ورغم مقاومتهم الشرسة دفاعًا عن أرضهم واستقلالهم، انتهى التنافس الاستعماري إلى تقسيم المناطق التي يسكنونها إلى خمسة أجزاء حيث غدت مقاومتهم للاستعمار صفحة بارزة في تاريخهم الحديث، تجسدت في حركات نضالية من هنا وهناك، من أشهرها المقاومة التي قادها السيد محمد عبد الله حسن والشيخ حسن برسني، وغيرهما من رموز المقاومة الوطنية.
ولم يكن تقسيم الأراضي الصومالية في العهد الاستعماري مجرد تجزئة جغرافية، بل ترتبت عليه آثار سياسية واستراتيجية عميقة؛ إذ توزعت المناطق التي يسكنها الصوماليون بين بريطانيا وإيطاليا وفرنسا، فتفرّق شعب تجمعه أواصر الدين واللغة والثقافة والتاريخ. وقد أضعف ذلك فرص وحدته السياسية، وترك للأجيال اللاحقة قضية وطنية كبرى تتمثل في تجاوز آثار التقسيم واستعادة وحدة الأراضي الصومالية.
وعندما نالت الصومال استقلالها عام 1960، وتوحّد الشطران البريطاني والإيطالي في جمهورية واحدة، برزت الدولة الصومالية، على مدى سنوات عديدة، قوةً إقليمية صاعدة، ذات طموحات سياسية وعسكرية لا يُستهان بها.
غير أن البلاد سرعان ما وجدت نفسها في قلب صراعات الحرب الباردة وتضارب المصالح الإقليمية والدولية، مما جعلها تتأرجح بين تبنّي الديمقراطية الغربية تارةً، والأخذ بالنظام الشيوعي الشرقي تارةً أخرى حيث أثار هذا التأرجح إشكالات عميقة بشأن علاقة الدولة بهوية المجتمع الإسلامي وثقافته، ولا تزال الدولة الصومالية تعاني من تداعيات استيراد أنظمة قانونية وسياسية لا تنسجم مع ثقافة المجتمع المسلم المحافظ، مما أبقى هذه الإشكالية قائمة دون حل، وأسهم في تفاقم الأزمات السياسية الداخلية التي تطورت إلى مواجهات مسلحة، وانتهت بانهيار الحكومة المركزية عام 1991، ودخول البلاد مرحلة طويلة من التفكك والصراع. ومع ذلك، لا تزال الصومال حتى اليوم تستورد نماذج قانونية وسياسية غربية، رغم الإخفاقات المتكررة في بناء دولة مستقرة قادرة على تجاوز أزماتها.
ومنذ ذلك الحين، توالت المؤتمرات والمبادرات الرامية إلى إعادة بناء الدولة، بدءًا بالمؤتمرات التي عُقدت في جيبوتي، وصولًا إلى مؤتمر عرتا عام 2000، الذي أسفر عن تشكيل حكومة وطنية انتقالية برئاسة عبد القاسم صلاد حسن، ثم مؤتمر إمبغاتي في كينيا، الذي أُنشئت في إطاره مؤسسات الحكومة الاتحادية الانتقالية برئاسة عبد الله يوسف أحمد.
لكن هذه المحاولات اصطدمت باستمرار الانقسامات الداخلية، وتعدد مراكز النفوذ، والتدخلات الخارجية، حتى تحولت البلاد إلى ساحة لصراعات متشابكة بين القوى السياسية والقبلية والمسلحة.
وفي عام 2006، بسط اتحاد المحاكم الإسلامية نفوذه على مقديشو ومناطق أخرى، قبل أن يؤدي التدخل العسكري الإثيوبي إلى تراجع سيطرته، فتدخل البلاد مرحلة جديدة من المواجهات المسلحة، وما صاحبها من نزوح ومعاناة إنسانية ثم جاء اتفاق جيبوتي عام 2008، وانتُخب الشيخ شريف شيخ أحمد رئيسًا للبلاد عام 2009، لتتجدد الآمال في إنهاء الصراع واستعادة مؤسسات الدولة.
غير أن استمرار المواجهة مع حركة الشباب، والاضطرابات الأمنية والسياسية، جعلا طريق الاستقرار محفوفًا بالعقبات. ومع الانتقال السياسي عام 2012، بدأت مرحلة جديدة برئاسة حسن شيخ محمود، أعقبتها رئاسة محمد عبد الله فرماجو عام 2017، ثم عودة حسن شيخ محمود إلى الرئاسة عام 2022.
وخلال المراحل المتعاقبة، تواصلت الجهود الرامية إلى إعادة بناء الجيش ومؤسسات الدولة ومواجهة الجماعات المسلحة، غير أن تحديات الأمن والفساد والخلافات السياسية وضعف الإدارة ازدادت حدتها خلال الولاية الثانية للرئيس حسن شيخ محمود، في ظل ارتكاب انتهاكات ممنهجة للملكية الخاصة والعامة، والتصرف في الأراضي والعقارات، والتعدي على المال العام والمنافع العامة، والإضرار بحقوق المواطنين وممتلكات الدولة بصورة متكررة وخارج الأطر القانونية.
فالدولة التي تعجز عن حماية حقوق مواطنيها وصون ممتلكاتهم تفقد ثقتهم، وتتراجع شرعيتها في نظرهم؛ إذ لا تقتصر مسؤوليتها على إدارة المؤسسات وفرض النظام، بل تمتد إلى إرساء العدل، وضمان المساءلة، وحماية الأموال العامة والخاصة من التعدي والاستغلال.
ولا تقتصر آثار هذه الأزمات على السياسة والأمن، بل تمتد إلى حياة المواطنين؛ إذ يدفع الفقر والبطالة وضعف الخدمات والمخاوف على الممتلكات مزيدًا من الشباب والأسر إلى الهجرة بحثًا عن الأمن ومستقبل أفضل، فتخسر البلاد طاقاتها البشرية وتتفرق الأسر. وما قيمة الدولة إذا لم تحقق تطلعات مجتمعها وتصون حقوقه وكرامته؟ إن الصومال بحاجة إلى مشروع وطني يعيد الثقة بين المواطن والدولة، ويجعل مؤسساتها وسيلةً لخدمة الشعب، وضمان التداول السلمي للسلطة، لا مصدرًا للخوف على حقوق المواطنين وممتلكاتهم.
فالمأساة ليست أن تفقد الصومال أمجاد ماضيها فحسب، بل أن تعجز عن تحويلها إلى أساس لمستقبل مزدهر. فهجرة الشباب تهدد بخسارة الحَرْثِ، أي أجيال المستقبل، بينما يؤدي التأخر في التنمية إلى خسارة السَّبْقِ أمام إثيوبيا وكينيا، حيث أصبح المواطنون الكينيون والإثيوبيون من أصول صومالية يتمتعون بحقوق أوسع، ويتولون مناصب رفيعة، ويُعاملون كمواطنين من الدرجة الأولى، بعد أن عانوا التهميش في الماضي؛ في حين لا يزال المواطن الصومالي في وطنه الأم يعاني مخاوف على نفسه وماله، ويواجه انتهاكات تمس حقوقه وكرامته.
وهكذا تواجه الصومال خسارتين متزامنتين: نزيفًا في طاقاتها البشرية وتراجعًا في مسيرة تقدمها، ولا سبيل إلى تداركهما إلا بإقامة دولة العدل، وحماية الحقوق، ومكافحة الفساد، وتهيئة الظروف التي تشجع أبناءها على البقاء والبناء والإنتاج.
بقلم: علي أحمد محمد المقدشي





