الحوثي على درب أبرهة الحبشي

يرتكب الحوثيون هذه الأيام خطأً فادحًا في حساباتهم السياسية والعسكرية، بعد أن أطلقوا صواريخ باليستية على المملكة العربية السعودية، مهبط الوحي وحاضنة الحرمين الشريفين، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين، غير آبهين بما يترتب من ذلك من عواقب وخيمة على صورتهم أمام المليار ونصف المليار مسلم في العالم، الذين يعتبرون المملكة خطًا أحمر، ومنطقة استثنائية لا يجوز المساس بها بأي أذى.
يبدو أن الحوثيين لا يدركون تداعيات ذلك على مستقبلهم السياسي والاجتماعي، ولا ما قد يُدوَّن عنهم في الذاكرة التاريخية، ضمن قصة أبرهة الحبشي الذي حاول الهجوم على الكعبة المشرفة، والجميع يعرف ما تحمله هذه القصة من دلالات دينية وتاريخية، وما تمثله من عبرة لكل من يظن أن الاعتداء على بيت الله الحرام يمكن أن يمر دون عواقب.
إن استهداف المملكة العربية السعودية والحرمين الشريفين لن يجلب للحوثيين النصر الحقيقي، حتى على المستوى التكتيكي، بل قد يقودهم إلى مزيد من الفشل، سواء على المستوى السياسي أم العسكري، كما يعزز الجهود الجارية الرامية إلى استعادة المناطق التي لا تزال تخضع لسيطرتهم.
إن المملكة العربية السعودية أكبر من أن تُختزل في حسابات جماعات سياسية ذات أجندات ضيقة، مثل جماعة الحوثي، ولديها من القدرات والمقدرات والكفاءات ما يمكّنها من الدفاع عن أمنها ومصالحها في مواجهة أي جهة تسوّل لها نفسها المساس بها..
لا شك في أن الهجمات الحوثية على المملكة العربية السعودية تأتي في إطار محاولاتهم لتغطية هزائمهم المتتالية في مختلف جبهات القتال أمام قوات الحكومة اليمنية، التي أطلقت عملية عسكرية لتحرير العاصمة اليمنية صنعاء، لكن استهداف مطار أو منشأة حيوية في المملكة لن يغيّر شيئًا من الواقع والحقائق على الأرض.
إن الاعتداء على الحرمين الشريفين أماط اللثام عن الوجه الحقيقي للحوثيين، الذين كانوا في الماضي يدغدغون مشاعر المسلمين بالتعبير عن حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته. وقد تعزز لدى قطاع عريض من المسلمين في العالم الاعتقاد بأن الجماعة تقدّم حساباتها العسكرية والإقليمية على مقتضيات الاستقرار واحترام المقدسات، وأن لديها أهدافا تتجاوز حدود اليمن ومصالح شعبه، ومصالح مرتبطة بحسابات إقليمية غير نبيلة.
وبعد هذا التصعيد، تبرز تساؤلات جوهرية حول الخطاب الذي تبناه الحوثيون في الأعوام الماضية، حين سعوا إلى دغدغة مشاعر المسلمين من خلال تأكيد محبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيته، ورفع شعارات نصرة فلسطين ومناهضة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. فإذا كانت هذه الشعارات تعكس بالفعل مبادئ دينية وأخلاقية، فكيف يمكن التوفيق بينها وبين هجمات تستهدف المملكة العربية السعودية، التي تحتضن مكة المكرمة والمدينة المنورة، وترتبط بهما مشاعر المسلمين في أنحاء العالم؟
وفي هذا الإطار، لقد اتضح أن هجماتهم ضد إسرائيل خلال حرب الإبادة في غزة لم تكن سوى زوبعة في فنجان، ومحاولة لذر الرماد في العيون.

كذلك تبرز تساؤلات لدى قطاعات من المسلمين في العالم، ولا سيما في القارة الإفريقية، ممن تأثروا بالشعارات التي رفعتها إيران والجماعات المتحالفة معها من مثل جماعة الحوثي، وبدأوا يتساءلون اليوم عن مدى انسجام سياسات هذه الأطراف مع مبادئ الشريعة الإسلامية التي كانت تستند إليها في خطاباتها. ويعتقد هؤلاء أن أهدافها لا تختلف عن أهداف إسرائيل، وأنها لا تسعى إلا إلى السيطرة على مقدسات المسلمين ومقدراتهم في الشرق الأوسط والدول الإفريقية المجاورة.
أخيرا، وأمام هذه التطورات الخطيرة، يجب على الحوثيين والإيرانيين أن يدركوا أنهم فقدوا جزءا كبيرا من مؤيديهم والتعاطف الشعبي في العالم الإسلامي، وخصوصًا في الصومال، بسبب هجومهم المشين على المملكة العربية السعودية، وإن تهديدهم لأمن الحرمين الشريفين لن يجلب لهم النصر، بل يفاقم عزلتهم ويزيد من الأعباء التي يتحملها اليمن وشعبه، وستظل قصة أبرهة حاضرة في الذاكرة الإنسانية بوصفها عبرة لمن يحاول الاعتداء على الكعبة المشرفة والمقدسات الإسلامية في المملكة العربية السعودية.

عبد الرحمن عبدي

كاتب وصحفي صومالي
زر الذهاب إلى الأعلى