حقوق الملكية الخاصة للمواطن الصومالي بين أحكام الشريعة الإسلامية وضمانات الدستور وواقع ممارسة الرئيس حسن شيخ محمود

تُعدّ الملكية الخاصة من الحقوق التي أقرّتها الشريعة الإسلامية وصانتها، وأكدت الدساتير ضرورة حمايتها. فالدستور ليس مجرد وثيقة قانونية، بل هو إطار ينظّم العلاقة بين الدولة والمواطنين، ويحدّد صلاحيات السلطات العامة ومسؤولياتها، ويكفل الحقوق والحريات، ويضع الضوابط التي تحول دون إساءة استعمال السلطة أو الاعتداء على المصالح المشروعة للأفراد.

غير أن قيمة هذه الضمانات لا تتجلى في مجرد وجودها في النصوص، بل في مدى احترامها وتطبيقها على أرض الواقع. فإذا كان الدستور يقرّ بحق المواطن في الملكية وحرمة المسكن، ثم يجد المواطن نفسه عاجزًا عن حماية أرضه أو منزله من الاعتداء، أو عن الحصول على التعويض العادل عند نزع ملكيته، فإن ذلك يثير تساؤلات جوهرية حول فاعلية هذه الضمانات، والفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسة الفعلية.

أولًا: الملكية الخاصة في ميزان الشريعة الإسلامية

في تقرير مشروعية الملكية الخاصة، يستدل الدكتور وهبة الزحيلي رحمه الله بجملة من الآيات القرآنية التي تتناول استخلاف الإنسان في الأرض، وتسخير ما فيها له، وابتلاءه بما آتاه الله من الأموال، ومنها قوله تعالى:

﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7]، وقوله سبحانه: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: 165]، وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29].

ويقول الدكتور وهبة الزحيلي رحمه الله في تقرير حق الملكية: «وأما حق الملكية في الإسلام فهو نزعة فطرية وحق شخصي أقرته الشريعة وصانته الديانات السماوية». ويستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: 14]، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ۝ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 24–25].

وتؤكد السنة النبوية حرمة الأموال ووجوب صيانتها من الاعتداء، ومن ذلك قول النبي ﷺ: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم»، وهو حديث متفق عليه من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، وقوله ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه»، رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقوله ﷺ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»، وقد رُوي هذا المعنى من طرق متعددة.

وتدل هذه النصوص على أن أموال الناس ليست مباحة للاستيلاء عليها بغير حق، وأن الملكية الخاصة ليست منحةً يتفضل بها صاحب السلطة على المواطن، بل هي حق معتبر شرعًا، لا يجوز الاعتداء عليه إلا بمسوّغ معتبر ووفق الضوابط الشرعية والقانونية.

ولا يعني ذلك أن حق الملكية مطلق من كل قيد؛ فالشريعة تمنع المالك من استعمال ملكه على وجه يضر بالآخرين، كما تمنع غيره من الاعتداء عليه. وقد قرر الفقهاء قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، وهي قاعدة نبوية عظيمة في منع الإضرار بالغير، سواء صدر عن فرد أو ترتب على تصرف يمس الجماعة ومصالحها المشروعة.

وعليه، فإن حماية الملكية الخاصة لا تنفصل عن العدل، ومراعاة المصلحة العامة لا تبيح الظلم، كما أن ثبوت سلطة الدولة في تنظيم شؤون المجتمع لا يجعل أموال الأفراد مباحة للتصرف دون سند معتبر.

ثانيًا: ضمانات الدستور وحدود سلطة الدولة

تقوم الدساتير على تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحديد اختصاصات السلطات العامة، وضمان الحقوق والحريات، ومنع التعسف في استعمال السلطة. ومن ثم، فإن حماية الملكية الخاصة وحرمة المساكن ليستا مجرد عبارتين قانونيتين، بل يترتب عليهما التزام الدولة وأجهزتها باحترام هذه الحقوق وصيانتها.

وقد نص دستور الصومال المؤقت لعام 2012 على حماية حرمة المسكن في المادة 19، وعلى حق الملكية والتعويض عند نزعها للمصلحة العامة في المادة 26، وفق النص الآتي، مع ضرورة تمييزه عن أي صياغة دستورية لاحقة:

المادة 19 – حرمة المسكن

(1) يحظر دخول منزل أي شخص أو مكان آخر خاص به، ولا يجوز تفتيشه والتجسس عليه بدون أمر قاض مبرر.

(2) يجب قراءة أمر القاضي بصورة مباشرة على صاحب السكن، ويحضر على المفتش انتهاك القانون.

المادة 26 – الممتلكات

(1) لكل شخص الحق في امتلاك الثروة واستخدامها والتمتع بها وبيعها أو نقل ملكيتها متى شاء.

(2) يحق للدولة مصادرة الممتلكات إجباريا عندما تقتضي المصلحة العامة أي شخص تمت مصادرة ممتلكاته بغرض المصلحة العامة له الحق في التعويض العادل من الدولة يتم الاتفاق عليه أو يكون بقرار من المحكمة.

إن الإشكال الحقيقي ليس في غياب النصوص التي تقرر الحقوق، وإنما في الفجوة بين ما تعلنه النصوص وما يتحقق منها في واقع الممارسة. فما قيمة أن يجد المواطن الصومالي في الدستور نصًّا يقرّ حقه في الملكية وحرمة مسكنه، إذا لم يجد حماية فعلية حين يتعرض منزله أو أرضه للاعتداء؟ وما جدوى النص على التعويض العادل إذا لم يتمكن المتضرر من الحصول عليه بإجراءات منصفة وفعالة؟ وما معنى تقييد سلطة الدولة بالقانون إذا عجز المواطن عن الطعن في القرارات التي تمس ملكيته أو عن الوصول إلى جهة قضائية تنصفه؟

إن حماية الملكية الخاصة لا تتحقق بمجرد الاعتراف بها في الوثائق، بل تقتضي احترامها في الواقع، وإخضاع قرارات نزع الملكية وإخلاء المساكن وإزالة العقارات للضوابط الشرعية والقانونية، وإعلان الأساس الذي تستند إليه تلك القرارات، وتمكين أصحاب الحقوق من الاعتراض عليها، وضمان التعويض العادل عند استحقاقه، ومساءلة كل من يثبت تجاوزه لصلاحياته أو اعتداؤه على حقوق المواطنين.

وإذا لم يلتزم رئيس الدولة بأحكام الشريعة الإسلامية وما قررته من حرمة الأموال ووجوب العدل وتحريم الظلم، فإنه لا يُرجى منه احترام القيود الدستورية والقانونية. فمن لم يردعه الوازع الديني والأخلاقي عن الاعتداء على حقوق الناس، فإن مجرد وجود النصوص لا يضمن وحده منع التجاوز، ما لم تقترن بآليات فعالة للرقابة والمساءلة وإنفاذ القانون.

وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]. وهاتان الآيتان تؤكدان وجوب أداء الأمانة وإقامة العدل وتحريم الاستيلاء على الأموال بالباطل، وهي مبادئ لا يُستثنى منها صاحب منصب أو مسؤولية.

وعليه، تتحمل رئاسة حسن شيخ محمود وحكومته مسؤولية سياسية ومؤسسية تاريخية عن الإخفاق في ضمان خضوع أجهزة الدولة لأحكام الشرع والقانون. ولا بد، بعد انتهاء ولايته، من فتح تحقيق جاد في التجاوزات ومحاسبة المسؤولين عنها، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته عنها.

كما لا يجوز للحكومة القادمة أن تتخذ شعار «عفا الله عما سلف» ذريعةً إخفاء أو تجاوز انتهاكات التي ارتُكبت في عهد حكومة حسن شيخ محمود باسم بناء الدولة وتطوير المدن؛ بل لا بد من التحقيق الجاد، وكشف الحقائق، وإنصاف المتضررين، ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات وفقًا للشرع والقانون، وضمان حقوق المواطنين في استرداد أملاكهم أو الحصول على التعويض العادل؛ لأن الملكية الخاصة ليست غنيمةً في يد السلطة، ومساكن المواطنين ليست عائقًا يجوز تجاوزه بغير حق، وثروات الأمة ليست ملكًا للحاكم يتصرف فيها وفق هواه. فالدولة أمانة، والسلطة مسؤولية، والعدل أساس مشروعيتها، وكلما اتسعت صلاحياتها ازدادت حاجتها إلى الرقابة والمساءلة.

بقلم: علي أحمد محمد المقدشي

زر الذهاب إلى الأعلى