قبيلة بيمال والحرب الوجودية

المقدمة

كانت قبائل منطقة شبيلي السفلى تفرض عبر التاريخ حضورها على المعادلة السياسية الصومالية، وكان تأثيرها واضحا خلال مناقشات الملفات السياسية والاقتصادية، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، وذلك لأهمية موقعها الجغرافي، وقربها من العاصمة مقديشو، وإطلالتها على المحيط الهندي، ناهيك عن مرور نهر شبيلي، أحد أكبر الأنهار في الصومال، عبر أراضيها.
وفي هذه الإطلالة نحاول تسليط الضوء على قبيلة بيمال، إحدى تلك القبائل، والصراع الوجودي الذي تخوضه هذه الأيام من أجل الدفاع عن أراضيها، وتداعيات ذلك على الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد.


أهمية الموقع الجغرافي لقبيلة بيمال


تضم أراضي قبيلة بيمال التاريخية مدينة مركا الزراعية، بالإضافة إلى الموانئ والمنافذ الاستراتيجية على المحيط الهندي جنوب العاصمة مقديشو. هذا الموقع الجغرافي المتميز جعل المنطقة مطمعا دائما للقوى الداخلية والخارجية الساعية إلى السيطرة على الأراضي الخصبة الواقعة على ضفاف نهر شبيلي.
ونظرا لكون أراضي بيمال الساحلية تشكل ما يعرف بـ«حزام مقديشو الجنوبي»، فإن القوى الحاكمة في العاصمة تنظر دائما إليها كمهدد أمني محتمل. وبناء على ذلك، سعى حكام مقديشو المتعاقبون، منذ عهد الاستعمار الإيطالي وحتى يومنا هذا، إلى تهميش قبيلة بيمال وحرمانها من امتلاك مقومات القوة. وبالتوازي مع ذلك، شهدت المنطقة، بعد سقوط نظام الحكم المركزي عام 1991، محاولات مستمرة من ميليشيات مسلحة بهدف السيطرة على هذه الأراضي الخصبة ومصادرتها من سكانها الأصليين.
هذا التهديد المستمر والضغط الخارجي جعلا القبيلة في حالة استنفار دائم ويقظة قتالية عالية للحفاظ على نفوذها التاريخي في هذا الموقع الحيوي.


بنية المجتمع البيمالي ومفهوم الأرض


تتميز قبيلة بيمال بتركيبة اجتماعية تقليدية متماسكة، حيث يحكمها نظام القيادة التقليدية والعرف العشائري الصارم الذي يقدس مفهوم «الأرض»، أي الحدود الجغرافية للقبيلة. وفي الثقافة العشائرية الصومالية، القبيلة التي تفقد أرضها تفقد وزنها السياسي والاجتماعي وتصبح تابعة.
إن البعد الوجودي والانتمائي في علاقة قبيلة بيمال بأرضها يتجاوز مجرد حدود جغرافية أو مصالح مادية؛ إنه يمثل جوهر كينونتهم، وسر بقائهم، والركيزة التي تستند إليها كبرياؤهم كجزء لا يتجزأ من النسيج الصومالي الأصيل.
بالنسبة لقبيلة بيمال، فالأرض هي «الذات» التي بدونها يفقد الإنسان تاريخه وشرعيته فوق هذا الكوكب. إن هذا التمسك الأسطوري والضراوة المستمرة في الدفاع عن مناطق جنوب مقديشو وإقليم شبيلي السفلى ينبعان من أبعاد وجودية وانتمائية عميقة.
في الثقافة الاجتماعية لقبيلة بيمال، يرتبط الانتماء إلى الأرض بالسيادة والحرية. إن محاولات الأطراف الأخرى المتكررة عبر التاريخ، سواء الاستعمار القديم أو القوى الطامعة حديثًا، للسيطرة على هذه الأرض أو تغيير تركيبتها الديموغرافية، تُعتبر دائمًا في وجدان القبيلة تهديدًا بالإبادة والإلغاء الوجودي. فالقبيلة تدرك تمامًا أن اقتلاعها من موطنها التاريخي يعني تحويل أبنائها إلى مشردين بلا مأوى، وبلا وزن سياسي، وبلا كرامة عشائرية. من هنا تأتي تلك الضراوة الشرسة والدفاع المستميت؛ فالقتال فوق هذه الأرض هو قتال من أجل حقهم في «أن يكونوا»، والحفاظ على كينونتهم في أرضهم لتبقى رايتهم مرفوعة خفاقة فوق أرض الآباء والأجداد.


عقيدة الوفاء لدم الشهادة وحراسة الذاكرة


يرتبط البعد الوجودي أيضا عند بيمال بذاكرة المقاومة ودم الشهداء الذين قضوا في مواجهة الغزو الإيطالي وغيره من القوى التي حاولت استباحة العرض والأرض. إن كل تلة وسهل وقرية في أراضيهم التاريخية تحمل قصة بطولة، وصوت تكبير، وفداء. هذا التاريخ يفرض على الأجيال المتعاقبة فرضًا وجوديًا وأخلاقيًا صارمًا أن يكونوا حراسًا أوفياء لهذه الذاكرة. فالمقاومة الضارية اليوم ليست مجرد رد فعل على تهديد عابر، بل هي شكل من أشكال الانتماء والوفاء للأجداد، وتأكيد على أن الأرض التي رويت بدمائهم لا يمكن أن تكون لغيرهم.
وظلت هذه القبيلة على عهدها كما هي اليوم؛ لم تبدد طبيعتها الأبية عوادي الزمان، ولم تغيرها تقلبات الأيام، بل استمسكت بطابعها العنيد وروحها القتالية الفذة.
إن تمسك قبيلة بيمال الشديد وضراوتها في الدفاع عن أرضها التاريخية في جنوب مقديشو، في إقليم شبيلي السفلى ومدينة مركا الساحلية، ليس مجرد دفاع عن مواردها الطبيعية، كالماء والكلأ، كما يحدث دائمًا بين القبائل الصومالية، بل هو ارتباط وجودي عميق يمتد إلى جذور تاريخية وثقافية واقتصادية تشكلت عبر القرون.
لقد تحولت الأرض لدى بيمال من جغرافيا يعيشون فوقها إلى عقيدة حية تعيش في داخلهم، مما جعل طبيعتهم الأبية عصية على الكسر، ومنحهم قوة وجودية صامدة تتحدى تقلبات العصور وتبدل الأحوال.
بالنسبة لقبيلة بيمال، الأرض هي مستودع تاريخهم وهويتهم. على هذه الأرض خاض أجدادهم «ثورة بنادر» ضد الاستعمار الإيطالي، وقدموا آلاف الشهداء في معارك تاريخية مثل «تورونلي» و«دنان». والتفريط في هذه الأرض بالنسبة للجيل الحالي هو تفريط في إرث الأجداد وخيانة لدمائهم التي روت التربة.
تُعتبر أراضي قبيلة بيمال في إقليم شبيلي السفلى من أخصب الأراضي الزراعية في شبه الجزيرة الصومالية بأكملها، حيث يمر بها نهر شبيلي. وهذه الأرض لا توفر مصدر عيش مستدامًا للقبيلة من خلال الزراعة والرعي فقط، بل تمتد أهميتها إلى منطقة بنادر الواسعة. والسيطرة على هذه الأراضي تعني البقاء والسيادة الاقتصادية؛ ولذلك فإن الدفاع عنها هو دفاع عن شريان الحياة الوجودي للقبيلة وأبنائها ضد أي محاولات للاستيطان أو النزع القسري من أطراف أخرى.
ولحماية مكانتها بين القبائل الصومالية، تتبنى بيمال مبدأ القتال للدفع وردع أي محاولة لتغيير الديموغرافية أو الحدود التقليدية لأراضيها.

خطورة التهميش وفرص الاستيعاب


خلال العقود الأخيرة من الحروب الأهلية في الصومال، تعرض إقليم شبيلي السفلى لمحاولات عديدة من جماعات مسلحة وقوى وافدة للسيطرة على الأراضي الخصبة ومصادرة ممتلكات السكان الأصليين. هذا الضغط المستمر دفع أبناء بيمال إلى تنظيم صفوفهم وتطوير آليات دفاعية شرسة، مستلهمين روح أجدادهم المقاومين، لرفض أي شكل من أشكال التهميش أو الإزاحة القسرية من موطنهم التاريخي.
وبالتالي، ينبغي على المسؤولين وصناع القرار في العاصمة مقديشو ومدينة بيدوة، عاصمة ولاية جنوب غرب الصومال، إعادة النظر في رؤيتهم وانطباعهم تجاه قبيلة بيمال ودورها في الاقليم، كما ينبغي تصحيح قراراتهم تجاهها؛ لأن فرص استيعابها أكثر بكثير من فرص تهميشها. فإن استيعاب هذه العشيرة وعدم التفريط في حقوقها يعتبر أحد أبرز عوامل النجاح في الانتقال إلى مرحلة تنمية إقليم شبيلي السفلى، بهدف رفع مستوى الإنتاج الزراعي والحيواني القومي، وذلك كجزء من الخطط الحكومية الرامية إلى تنويع مصادر الدخل وضمان الأمن الغذائي في البلاد.
يجب على صناع القرار في الصومال إدراك أن المحاولات الجارية، وعلى مقدمتها ما تقوم به إحدى شركات الاتصالات الكبرى في مقديشو من أجل نهب أراضي قبيلة بيمال، لن تنجح، وسيكون مآلها إلى الفشل، كما فشلت المحاولات السابقة. ولا يمكن، بطبيعة الحال، أن تنجح عناصر قبلية مدفوعة من سياسيين ورجال أعمال جشعين في مقديشو فيما فشل فيه الاستعمار الإيطالي، الذي حاول في مطلع القرن العشرين أن ينهب الأراضي البيمالية المحاذية لنهر شبيلي والمحيط الهندي، ويقيم فيها مستوطنات إيطالية، فأن صلابة أبناء بيمال وقوة شكيمتهم أفشلتا تلك المساعي، وعاد الإيطاليون إلى بلادهم وهم يجرون أذيال العار والخزي.

خالد إبراهيم

باحث في تاريخ الصومال
زر الذهاب إلى الأعلى