يمكن أن نحدد السياسة الخارجية الصومالية في عهد الرئيس محمد سياد بري الذي جاء إلى السلطة بانقلاب عسكري في 21 أكتوبر عام 1969 بعناوين رئيسية، مثل: تأييد حركات التحرير الوطنية والمقاومة ضد الاستعمار، والنضال من أجل الحفاظ على الوحدة والقومية الصومالية، والاستمرار في المحافظة على سياسة عدم الإنحياز [1]بالإضافة إلى البحث عن دور ما في ملف البحر الأحمر الذي جعل الصومال ، مركز اهتمام دولي وإقليمي.
حرص الرئيس سياد بري الذي تولى السلطة في وقت يشهد العالم والقارة الإفريقية انقلات عسكرية ، وتدخلات أجنبية على إظهار نفسه كرئيس لا يسعى إلى التدخل في شؤون الدول الأخرى، ولا يريد الإنتهاك بشعار “الحياد الإيجابي” المرفوع منذ الاستقلال عام 1960[2]، ولكن في ذات الوقت كانت لديه رغبة جامحة في أن يكون الصومال عضوا نشطا في المؤسسات الدولية والإقليمية كالأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الإفريقية، ورابطة العالم الإسلامي، وجامعة الدول العربية، ومنخرطا بشكل فعال وغير مسبوق في التحالفات والتكتلات سواء على المستوى الإقليمي والدولي، بل وصل به الأمر إلى أن يطرح على رئيس اليمن الديمقراطية، مشروعا لإنشاء اتحاد بين الصومال، واليمن الديمقراطية، وجيبوتي. هذا المسعى تسبب للرئيس بري صداعا ، وحزمة مشاكل سياسية وإقتصادية وأمنية عويصة، كان بالإمكان التفادي منها، وأعداء تتربص به الدوائر، ولم ينجح في الجمع بين التناقضات حتى بين تحالفه مع الشيوعية من نحو، وتحقيق المصالح القومية، وشعاراته الداعية إلى السلام والتعاون على المستوى الاقليمي من نحو آخر ، ما أدى في نهاية المطاف إلى توتر العلاقة بينه والاتحاد السوفيتي، والعلاقة مع بلدان عربية كبرى مؤثرة بما فيها المملكة العربية السعودية التي كانت من أكثر البلدان العربية المنتجة للنفظ تفهما للمصاعب الاقتصادية التي كانت تمر بها الدول الإفريقية، واستعدادا لمنح هذه الدول سعرا منخفضا للنفط.
اتخذ الرئيس سياد بري منهجا مغايرا شكلا ومضمونا عن ثوابت السياسة الخارجية الصومالية المعمولة منذ الاستقلال والمستندة على مبدأ النأى بالنفس عن سياسة المحاور، وعدم إغضاب أي من المعسكرين الغربي والشيوغي، والعزف بجميع الأوتار والنغمات.
تبنى الرئيس بري سياسة خارجية تنتمي إلى المدرسة الشمولية تبدأ منه وتنتهي إليه، ولا تخضع للمناقشة ولا تعير للإعتبارات ووجهات النظر الأخرى أي اهتمام، وروج الشيوعية والماركسية كنظام سياسي واقتصادي واجتماعي”[3]، وفرضها على المجتمع الصومالي المحافظ دينيا وقبليا، وأرتبط في السنوات الأولى من حكمه بعلاقات قوية مع الاتحاد السوفيتي والدول المتحالفة معه مثل كوبا، وكوريا الشمالية، وليبيا ، وكان من أولى الدول التي اعترفت باليمن الجنوبية، والدولة الواحدة والعشرين التي اعترفت بجمهورية ألمانيا الديموقراطية ، وقرر إقامة علاقات دبلوماسية وتبادل السفراء معها ، وقد ترتب على ذلك وقف المعونة التي كانت تقدمها ألمانيا الغربية للشعب الصومالي، والتي كانت مهمة لمشروع بناء الدولة.
في 11 تموز يوليو عام 1974 أبرم الرئيس سياد بري معاهدة صداقة وتعاون مع موسكو ، وأصبح الصومال أول بلد إفريقي جنوب الصحراء يوقّع اتفاقية تعاون مع الاتحاد السوفيتي[4]، ما فتح الأبواب على مصراعيها لمساعدات الدول الشيوعية لتحل محل معونات الدول الغربية المشروطة بتحقيق الديمقراطية والانتفتاح السياسي والإقتصادي، غير أنه في الوقت ذاته، أبقى علاقاته مع الدول الأخرى المناهضة للاتحاد السوفيتي؛ مثل المملكة العربية السعودية كما هي دون الاصطدام معها بشكل مباشر رغم التباين الواضح في وجهات النظر بين الجانبين حيال التعامل مع المد الشيوعي في المنطقة، وأمن البحر الأحمر.
عرض الرئيس بري معالم سياسة خارجية مستوحاة من الفكر الشيوعي لكن بنكهة صومالية تنص على: ” أن الصومال بلد مسالم يحب السلام ، ويؤمن بقيمة العمل ، ودور العون الذاتي، والاعتماد على النفس كأساس صلب لعملية بناء الأمة في الوقت الذي يؤمن بجدوى التعاون مع جميع بلدان العالم الراغبة في ذلك وعلى قدم المساواة وصولا إلى ما فيه خير البشرية جمعاء”[5]. قال الرئيس سياد بري في إحدى خطاباته ” إننا لا نريد إشعال الحرب المهلكة في هذه الأجزاء من إفريقيا.. ولا تسعى الصومال إلى أن تكون عامل تفرقة في الصفوف الإفريقية فبدلا من ذلك فإنها تسعى جادة إلى تقوية أواصر الوحدة الإفريقية بجميع الوسائل الممكنة[6] . هذا المنحى اصطدم برأس أولويات الرئيس بري المتمثلة في إنهاء النزاع الحدودي مع الدول المجاورة، إثيوبيا وكينيا لصالحه، وتوحيد الأجزاء الصومالية الخمسة بالحيلة أو عن طريق القوة-رغم نفيه المتكرر بأنه يريد تحقيق مشروعه لتوحيد الأراضي الصومالية وإنشاء الصومال الكبير عن طريق استعمال العنف وإراقة الدماء- والكفاح من أجل انتزاع الحقوق ، وتصحيح أخطاء الإستعمار تحقيقا لشعار “إذا لم نكافح من انتزاع حقوقنا فليس في الوجود من سيمنحنا إياها بدون مقابل”[7].
كانت السياسة الخارجية الصومالية تجاه العالم في عهد الرئيس محمد سياد بري، تتحدد أيضا بمواقف تلك الدول تجاه النزاع الحدودي مع إثيوبيا، وأن هذه السياسية هي التي أدت في نهاية المطاف إلى قطع علاقاته مع الاتحاد السوفيتي الداعم الأول للصومال عسكريا واقتصاديا عام 1977م احتجاجا على انحياز الاتحاد السوفيتي لإثيوبيا بشأن قضية النزاع الحدودي مع الصومال، وتفضيله الشيوعية الإثيوبية على الشيوعية الصومالية إثر الإطاحة بالرئيس هيلاسلاسي آخر أباطرة إثيوبيا عام 1975م الموالي للغرب، وتولى منجستو هيلا مريم الشيوعي الماركسي السلطة في إثيوبيا . وبعد ذلك توجه الرئيس سياد بري نحو الدول العربية والإسلامية المناهضة للمد الشيوعي، وبدأت علاقاته مع الغرب تتطور بدعم من بعض الدول العربية وخاصة مصر والمملكة العربية السعودية، وتدفقت عليه المعونات الغربية لتصل إلى أكثر من 400 مليون دولار في عام 1983 وحده من بينها 120 مليون دولار من المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية[8]. وبلغت الشراكة بين الصومال والولايات المتحدة على سبيل الميثال اشتراك المقاتلات الأمريكية إف 15 مع الطائرات الصومالية في مناورات فوق مقديشو، وذلك في إطار مناورات النجم اللامع ، وتسليم المطارات والمواني كانت تستخدمها السوفيت للولايات المتحدة.
يمكن القول -رغم وجود بعض الأخطاء- إن الرئيس سياد بري سعى إلى وضع سياسة خارجية تتمتع بقوة التأثير والتأثر من خلال رفع مستوى اهتمام بلاده بما يحدث في العالم، وتعيين سفراء أكفاء لدى الدول المؤثرة ، والإسهام في تحقيق التعاون والتفاهم بين الأمم ، ولا سيما في الداوائر الثلاثة الإفريقية، والعربية ، والإسلامية، وتقديم أداء جيد في الاجتماعات والدوريات… التي تناقش الشؤون الدولية وخصوصا المتعلقة بقضايا الشرق الأوسط وعلى رأسها القضية الفلسطينية . هذه السياسة المفعمة بالحيوية والنشاط التي مارسها سياد بري شكلت نقطة إلتقاء بين الصومال وبعض الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي وجدت فرصة لتعزيز دورها في الصومال ودول القرن الإفريقي المطلة على الجانب الآخر من البحر الأحمر.
كان الرئيس بري يردد بأن نظرة بلاده الواقعية، ووقفاته الشجاعة بشأن القضايا الإقليمية والدولية حولت الصومال إلى دولة محورية في الإستراتيجية الدولية والإقليمية ، ووضعت خريطتها في موقع متقدم ضمن خريطة الدول الإفريقية والإسلامية المؤثرة[9] . لقد تحولت مدينة مقديشو في عهد الرئيس سياد بري وخاصة في السبعينات إلى محطة انظار العالم، ووجهة لرؤساء الدول الكبرى الساعيين إلى إيجاد حلول للمشاكل والأزمات التي تعصف القارة السمراء، ومنطقة الشرق الأوسط، فقد زارها العديد من رؤساء الدول الإفريقية والعربية من بينهم ، رئيس دولة الإمارت العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ووزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل بن عبد العزيز، والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وقيادات من منظمة التحرير الفلسطيني، والرئيس التنزاني نريري ، والرئيس الكيني جومو كينياتا، والرئيس السوداني جعفر نميري، والرئيس مبوتو ، ومنظمات المناهضة للتميز العنصري في جنوب أفريقيا، ومسؤلين رفيعي المستوى من الدول الغربية والاتحاد السوفيتي، واستضافت العديد من الإجتماعات الاقليمية وقمة الاتحاد الإفريقي… وكان مقررا أيضا أن يعقد فيها القمة العربية عام 1975 قبل أن يتم إلغائها بضغوط من دول عربية كبرى ممتعضة من علاقة الصومال مع الاتحاد السوفيتي.
هذه اللعبة، سمحت للصومال أن يلعب دور الوسيط في النزاع المحتدم بين دول إفريقية وعربية كالنزاع التنزاني – الأوغندى ، وفي إنهاء مقاطعة الدول العربية لمصر بعد معاهدة كامب ديفيد. وقام وزير الخارجية الصومالي عبد الرحمن جامع بري في تلك الفترة بزيارات خليجية وعربية شملت المملكة العربية السعودية، والكويت، وقطر ، والإمارات ، وسوريا لنقل رسالة من الرئيس بري لأقناع هذه الدول بإعادة مصر إلى جامعة الدول العربية ، وكذلك لعبت الصومال دورا في الجهود الإفريقية والعربية لحل النزاع الحدودي بين المغرب والجزائر. وأما عضوية الصومال في دول عدم الانحياز أعطاتها فرصة لقبولها كوسيط في بعض الصراعات الدولية. لكن الجدير بالإشارة إلى أن النزاع الحدودي مع إثيوبيا وكينيا شكل حجرة عثرة أمام تحقيق طموح ورؤية الصومال الخارجية في عهد الرئيس بري أو على الأقل قلل فرص نجاحها وتأثيرها؛ لأن النزاع الصومالي الإثيوبي، وقضية توحيد الأراضي الصومالية التي قسمها الإستعمار كانت أحدى أهم محددات علاقات الصومال مع دول العالم، ودورها في القضايا الإقليمية والدولية.
خلال المؤتمر الأفريقي في مقديشو، وضعت أسس جديدة لتعاون إفريقي- عربي موسع . فقد قررت الجامعة العربية فتح مكتب لها في أديش أبابا عاصمة إثيوبيا ومركز منظمة الوحدة الإفريقية. كما قررت منظمة الوحدة الإفريقية فتح مكتب لها في القاهرة وذلك لكسر طوق الجهل الذي يعيق بالعرب والإفريقين تجاه بعضهم بعضا. كما وافقت العديد من المصارف العربية على فتح فروع لها في عواصم إفريقيا وتمويل مشاريع التنمية الإفريقية وعلى الشروط التي منحها صندوق التنمية العربية ، وصندوق البنك الدولي للاعمار والتنمية . وقد قامت وفود إفريقية بزيارات إلى المملكة العربية السعودية والكويت وبلدان الخليج العربي لهذه الغاية. وكان وزير الخارجية الصومالي من أكثر المؤيدين لدور عربي أكبر في القارة الإفريقية .
المصادر والمراجع
[1] مجلة السياسية الدولية مجلة دورية تصدر عن مؤسسة الأهرام كل ثلاثة أشهر العدد 22 السنة السادسة أكتوبر 1970 الصفحة 889
[2] الحياد الإيجابي وسياسة الصومال الخارجية الدكتور محمود علي توريري ص 81
[3] مسيرة الثورة في ذكرها العاشر وزارة الإعلام والإرشاد القومي الصومالي مقديشو 1979 ص: 5
[4] السياسة الخارجية السعودية منذ عام 1945 دراسة في العلاقات الدولية د. عسان سلامة ص: 188 الطبعة الأولى 1980
[5] مسيرة الثورة في ذكرها العاشر وزارة الإعلام والإرشاد القومي الصومالي مقديشو 1979 ص: 5
[6] المرجع السابق ص: 6
[7]مسيرة الثورة في ذكرها العاشر وزارة الإعلام والإرشاد القومي الصومالي مقديشو 1979 ص: 5
[8] جريدة الرياض الصادرة عام في 2 فبراير عام 1984 الصفحة 21
[9] مسيرة الثورة في ذكرها العاشر وزارة الإعلام والإرشاد القومي الصومالي مقديشو 1979 ص: 5





