الرهان المنتظر.
بقلم . د . عرفات عمر
ليست الأوطان مجرد حدودٍ على الخرائط، ولا مجرد أعلامٍ ترفرف فوق المباني الرسمية، بل هي ذاكرة شعب، وصوت أجيال، وأحلام بشر يريدون أن يعيشوا بكرامة وأمان. وحين تدخل الأوطان في دوامة الانهيار، لا تسقط المباني وحدها، بل تتعب الأرواح، وتشيخ الأحلام، ويصبح الإنسان غريبا حتى داخل وطنه. عندها، يتحول الانتظار إلى قدرٍ يومي، ويصبح السؤال المؤلم: متى يأتي الخلاص؟
لقد عاش الصومال سنوات طويلة بين أوجاع الحروب، وتصدعات السياسة، وثقل الفقر، ومرارة الهجرة، حتى كاد العالم يختصره في صور المجاعة والخراب والصراعات. لكن الحقيقة الأعمق من كل ذلك، أن هذا الوطن لم يفقد روحه بالكامل، وما زال في داخله نبضٌ يقاوم الموت، وإرادة تحاول أن تتمسك ببقايا الأمل رغم كل شيء.
إن الشعوب التي تتعرض للانكسارات الكبرى لا تحتاج فقط إلى الطعام والسلاح والمساعدات، بل تحتاج قبل ذلك إلى معنى يعيد إليها الإيمان بالحياة. لأن أخطر ما يصيب الأمم ليس الفقر وحده، بل فقدان الثقة بالمستقبل، والشعور بأن القادم لن يكون أفضل من الأمس. وعندما يفقد الإنسان ثقته بالغد، يبدأ الانهيار الحقيقي بصمتٍ داخل النفوس قبل أن يظهر في الشوارع والمؤسسات.
ومن هنا تنطلق سلسلة “الفجر المنتظر”؛ هذه السلسلة التي لا تبحث فقط في أزمات الواقع، بل تحاول أن تفتح نافذة نحو المستقبل، وأن تطرح الأسئلة التي يخاف الكثيرون من مواجهتها. إنها محاولة لفهم لماذا تعثرت أوطاننا، وكيف يمكن أن تنهض من جديد، وما الذي يجب أن يتغير حتى لا يبقى الإنسان الصومالي أسيرا للخوف والانتظار والخذلان.
وفي هذا المقال، نقف أمام قضية مصيرية تتجاوز السياسة والاقتصاد، وهي قضية “الرهان المنتظر”. فما هو الرهان الحقيقي الذي يمكن أن ينقذ الصومال من دوامة الانهيار؟ هل هو رهان السلطة؟ أم رهان الثروة؟ أم رهان التدخلات الخارجية؟ أم أن الرهان الأعظم يبقى دائما هو الإنسان نفسه؟
إن الأمم لا تُولد من جديد بالصدفة، بل حين تدرك أن مستقبلها لا يصنعه الآخرون، وإنما تصنعه إرادتها، ووحدتها، وقدرتها على تحويل الألم إلى بداية جديدة. ولذلك فإن الرهان المنتظر ليس مجرد فكرة عابرة، بل سؤال وجود يتعلق بمصير وطنٍ بأكمله، وبقدرة شعبه على أن ينتصر على سنوات التعب الطويلة، ويصنع فجرا يليق بتضحياته وآلامه وآماله . في حياة الشعوب لحظاتٌ لا تُقاس بالأيام، ولا تُحدَّد بالساعات، بل تُقاس بقدرتها على أن تصنع مصيرها بنفسها. وهناك أوطانٌ تمرّ عليها السنون وهي تبحث عن طريق النجاة، بين ركام الحروب، وضجيج الأزمات، وانهيار الأحلام، لكنها رغم ذلك تبقى واقفةً على أعتاب الأمل، تنتظر رهانا جديدا يعيد إليها الحياة. ذلك هو “الرهان المنتظر”؛ الرهان الذي لا يقوم على المصادفة، بل على وعي الإنسان، وإرادة المجتمع، وإيمان الأمة بأنها قادرة على النهوض مهما اشتد الظلام.
إن أعظم رهان في هذا العصر ليس المال، ولا السلاح، ولا النفوذ السياسي، بل الإنسان نفسه. فالإنسان الواعي هو القادر على إعادة بناء الدولة حين تنهار، وإحياء المجتمع حين يتفكك، وصناعة الأمل حين يهاجر الجميع نحو اليأس. لذلك فإن الأمم التي استثمرت في الإنسان انتصرت، حتى وإن كانت فقيرة الموارد، بينما سقطت أممٌ امتلكت الثروات لكنها أهملت العقول والكرامة والعدالة.
لقد أصبح عالمنا اليوم يعيش على صراعاتٍ مفتوحة، تتنافس فيها القوى الكبرى على النفوذ والمصالح، بينما تدفع الشعوب الضعيفة الثمن من أمنها واستقرارها ومستقبل أبنائها. وفي منطقتنا، وخاصة في القرن الإفريقي، تتعقد الأزمات يوما بعد يوم، بين الفقر، والبطالة، والهجرة، والانقسامات السياسية، وتراجع التعليم، وتفكك المؤسسات. وهنا يظهر السؤال الكبير: ما هو الرهان المنتظر الذي يمكن أن ينقذ أوطاننا من هذا المصير المقلق؟
إن الرهان الحقيقي يبدأ من بناء الوعي. فالأمم لا تنهض بالشعارات وحدها، بل بالفكر القادر على فهم الواقع وتحليله ومواجهته. إن الشباب اليوم يقفون في مفترق طرق خطير؛ إما أن يتحولوا إلى قوة للبناء والتغيير، أو يصبحوا وقودا للصراعات والانقسامات والهجرة. ومن هنا فإن الاستثمار في التعليم، والإعلام الواعي، والثقافة، ليس ترفا فكريا، بل ضرورة وجودية لبقاء الدولة والمجتمع.
والرهان المنتظر أيضا هو رهان العدالة. فلا يمكن لأي وطن أن يستقر إذا شعر المواطن أن كرامته مهدورة، أو أن الفرص محتكرة لفئة دون أخرى. العدالة ليست مجرد قوانين تُكتب، بل شعور عام بأن الإنسان محفوظ الحقوق، محترم القيمة، قادر على أن يحلم دون خوف. وعندما تغيب العدالة، تتحول المجتمعات إلى ساحات غضب وصراع، ويصبح الانهيار أمرا متوقعا مهما بلغت قوة الدولة.
كما أن الرهان المنتظر هو رهان الوحدة الوطنية. فالأوطان التي تتنازعها القبائل، أو الطوائف، أو المصالح الضيقة، تظل ضعيفة أمام أي تحدٍّ خارجي. إن قوة الوطن ليست في كثرة الشعارات الوطنية، بل في قدرة أبنائه على تجاوز خلافاتهم من أجل مستقبلٍ مشترك. فالوطن لا يبنى بالخصومات الدائمة، بل بالتسامح، والحوار، والإيمان بأن المصير واحد مهما اختلفت الانتماءات.
ولا يمكن الحديث عن الرهان المنتظر دون التوقف عند معاناة الشباب العاطلين عن العمل، الذين يحملون الشهادات لكنهم يعيشون على هامش الحياة. إن البطالة ليست أزمة اقتصادية فقط، بل جرح نفسي واجتماعي ينهك الإنسان ويجعله يشعر بالعجز والضياع. وحين يفقد الشباب الأمل في أوطانهم، تبدأ الهجرة، ويتحول البحر إلى مقبرة للأحلام، وتصبح الغربة بديلا قاسيا عن الوطن. لذلك فإن خلق فرص العمل، ودعم المشاريع، وتمكين الشباب، هو رهان مصيري لا يقل أهمية عن الأمن والسياسة.
ثم يأتي رهان الإعلام، ذلك السلاح الخطير الذي أصبح يصنع العقول ويوجه المجتمعات. فالإعلام الواعي قادر على بناء ثقافة السلام والانتماء، بينما الإعلام الفوضوي قد يحول المجتمع إلى ساحة للكراهية والإشاعات والانقسامات. ولهذا فإن مسؤولية الكلمة اليوم أصبحت أعظم من أي وقت مضى، لأن الكلمة قد تبني أمة، وقد تهدم مستقبلا كاملا.
إن الرهان المنتظر ليس حلما مستحيلا، لكنه يحتاج إلى إرادة حقيقية، وإلى قيادات تؤمن بالإنسان قبل السلطة، وبالوطن قبل المصالح الضيقة. كما يحتاج إلى شعبٍ يدرك أن التغيير لا يأتي فجأة، بل يولد من الصبر والعمل والتضحيات الطويلة.
ورغم كل ما يحيط بأوطاننا من أزمات، يبقى هناك فجرٌ منتظر. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تعبت كثيرا، قادرة أيضا على أن تنهض بقوة أكبر. وما دام في الأمة عقل يفكر، وقلب يؤمن، وشباب يحلم، فإن المستقبل لم يمت بعد.
فالرهان المنتظر ليس مجرد مشروع سياسي أو اقتصادي، بل هو رهان على أن الإنسان الصومالي ما زال قادرا على استعادة مكانته، وبناء وطنٍ يحفظ الكرامة، ويمنح أبناءه الأمل، ويجعل من المستقبل مساحةً للحياة لا للخوف.
الخاتمة
وفي نهاية هذا التأمل الطويل، يبقى السؤال قائما أمام الجميع: ماذا بعد كل هذا الألم؟ هل سيبقى الصومال يدور في الحلقة نفسها من الأزمات والانقسامات والانهيارات، أم أن هناك لحظة تاريخية قادمة يستطيع فيها أن يغير مساره نحو الحياة؟
إن الرهان المنتظر ليس رهانا على المعجزات، ولا على الوعود السياسية المؤقتة، بل هو رهان على وعي الإنسان الصومالي، وعلى قدرته في أن يدرك أن الأوطان لا ينقذها الخارج مهما قدم من دعم، إذا كان الداخل منهكا وممزقا وفاقدا للثقة بنفسه. فالحقيقة التي أثبتها التاريخ دائما، أن الأمم التي نهضت لم تكن أقوى من غيرها في المال أو السلاح، لكنها كانت أقوى في الإرادة والإيمان بالمستقبل.
إن الصومال اليوم يقف بين طريقين: طريق الاستمرار في دوامة الانتظار والضياع، وطريق المواجهة الحقيقية مع أسباب الانهيار. مواجهة الجهل بالتعليم، والفرقة بالوحدة، واليأس بالأمل، والفساد بالعدالة، والخوف ببناء دولة يشعر فيها الإنسان أن له قيمة وكرامة ومستقبلا.
لقد أتعبت الهجرة أبناء هذا الوطن، وأرهقت البطالة أحلام الشباب، وأثقلت الصراعات كاهل المجتمع، حتى أصبح كثيرون يشعرون أن النجاة الفردية أهم من بقاء الوطن نفسه. لكن الأوطان لا تبقى حية إلا حين يؤمن أبناؤها أن خلاصهم الفردي لا معنى له إذا غرق الوطن بأكمله.
ورغم كل هذا السواد، ما زال هناك فجر ينتظر الصومال. فالفجر لا يولد من الراحة، بل يولد من رحم المعاناة الطويلة، ومن إصرار الشعوب التي ترفض أن تتحول إلى مجرد ذكرى في صفحات التاريخ. وما دام هناك طفل يحلم بالتعليم، وأم تدعو لوطن آمن، وشاب يؤمن بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل، فإن الأمل ما زال حيا، وإن هذا الوطن لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
وسيأتي يوم يدرك فيه العالم أن الصومال لم يكن مجرد أرض أنهكتها الحروب، بل شعبا كان يقاوم بصمت، ويحاول أن يحافظ على ما تبقى من روحه وسط العواصف. وعندها، لن يكون “الرهان المنتظر” مجرد عنوان في سلسلة “الفجر المنتظر”، بل سيكون بداية ميلاد وطنٍ جديد، وطنٍ يعرف أخيرا أن الفجر لا يأتي لمن ينتظره بالبكاء، بل لمن يصنعه بالصبر والعمل والإيمان .





