قبل سنوات، كتبت مقالاً قصيراً بعنوان “دعاة بلا دِعاية”، ونشرته آنذاك في منصات التواصل الاجتماعي، وقد طالعه من طالعه واستفاد منه من استفاد. والآن، أعيد النظر فيه استطلاعاً وتنقيحاً، فأضفت إليه بعض الفوائد، وسأنشره عبر “مركز مقديشو للبحوث والدراسات”، جزاهم الله خيراً والقائمين على هذا المركز على جهودهم المقدرة.
أولاً: لماذا هذا العنوان؟
سميت المقال بهذا الاسم لما رأيته من بعض الدعاة الذين يتطاولون بالقدح في أكابر العلماء الأجلاء، الذين أفنوا أعمارهم في خدمة دين الله تعالى. لذا، سألط الضوء على سماتهم وأفكارهم، مع تقديم نصائح لهم، مستفتحاً ذلك بالحديث عن أسلوب الدعوة إلى الله وآدابها.
قال تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَـٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِیلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِینَ﴾ [النحل: ١٢٥].
هذه الآية الكريمة هي أصل من أصول الدعوة الإسلامية، وهي التي ترسم منهجها؛ لأن استجابة المدعو مرهونة -بعد توفيق الله- بأسلوب الداعي والوسيلة المستخدمة. يقول الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيرها:
”أمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يُوعظ المسلمون إلى يوم القيامة”.
ويقول ابن القيم رحمه الله:
”جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق؛ فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق: يُدعى بطريق الحكمة. والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر: يُدعى بالموعظة الحسنة. والمعاند الجاحد: يُجادل بالتي هي أحسن”.
فالداعي يجب أن يتخلق بخلق الرسول الكريم ﷺ، فهو يمثل الرسول ويحمل دعوته، والرسول ﷺ يقول: “مَن يُرِدِ اللَّهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ”.صحيح
التعصب الحزبي ونقد العلماء
نرى في هذه الأيام ردوداً وخلافات حادة بين بعض الدعاة الصوماليين، والأقبح من ذلك ادعاء كل حزب أو جماعة أنها على الحق المحض وما سواها باطل، وهذا هو التعصب الديني بعينه.
تجد أحدهم يُكفّر أو يبتدع الآخر في مسألة فرعية تحتمل الاختلاف. نعم، هناك علم الجرح والتعديل، ولا يوجد إنسان خالٍ من العيوب، وذكر أخطاء العلماء في هذا الباب من أنفع الأبواب لتمييز الصالح من الطالح، لكن الطعن في العلماء بلا أدلة هو من أكبر مشكلات العصر.
ما أحوجنا اليوم إلى النقد البناء لا الهدّام! فالنقد البناء نصيحة، والنقد الهدام فضيحة، ولا يفرق بينهما إلا أهل العلم والمصلحون.
*إشكالية الفهم*
قصة واقعية
لا نمانع التجمع على الخير، لأن يد الله مع الجماعة، لكن المشكلة في حصر الحق في فئة واحدة. لقد شاهدت مقطع فيديو لأحد العلماء المشهورين في الصومال وهو يقرأ لطلابه في مسألة (وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد)، وهي مسألة خلافية فرعية مشهورة، فأيّد الشيخ أحد الأقوال ثم قال لطلابه: “هناك من يقول إن الثلاث تُحسب واحدة، فلا تلتفتوا لقولهم ولا تُفتنوا عن دينكم!”.
تأمل معي يا قارئي اللبيب عبارة “لا تفتنوا عن دينكم”! أين ضياع الدين في مسألة فقهية فرعية؟ إن هذه الطريقة في الإلقاء تجعل الطالب يظن أن من يخالف شيخه فقد جاء بدين مغاير، وهذا تضليل خطير منتشر بين بعض دعاة الصومال.
لذا، على العلماء والدعاة أن يدركوا أن اختلافهم هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد. كما يجب التفريق بين العالم و الداعية؛ فالعالم هو المرجع في المسائل المعقدة وهم الذين قال الله عنهم ﴿فَسۡـَٔلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾النحل ٤٣، أما الداعية فهو من يعظ الناس ويذكرهم بالله، وكل عالم داعية، وليس كل داعٍ عالماً.
*سمات دعاة الدعاية*
١.الرد والنقد قبل الفهم الكامل.
٢.تتبع سقطات وأخطاء العلماء.
٣.الحسد والبغض الدفين.
٤.طلب الشهرة والرياء في دين الله.
٥.قلة الإخلاص (والله أعلم بالسرائر).
٦.الطعن المباشر في العلماء.
٧.الحماسة المفرطة في الجدل والخصومة، رغم قول النبي ﷺ: “أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لمن تركَ المِراءَ وإنْ كان مُحقًّا“.صحيح
٨.التركيز على المسائل الخلافية وتسليط الضوء عليها لإثارة الفتن.
٩.تغليب مصلحة الجماعة أو الحزب على مصلحة الأمة والدين.





