بسبب الصراعات على أساس الانتماء القبلي، والهوية القومية التي تسود منطقة شرق أفريقيا ، وجنوب الجزيرة العربية جعلت كثير من الشباب الصومالي يشعرون بأن هويتهم وتاريخهم مستهدفتان ومهددتان، فلذلك باتت الهوية الصومالية والانتماء القبلي يشغلان حيزا كبيرا في تفكيرهم تتداخل فيه عدة عوامل يهيمن عليها العامل القبلي. وفي ظل هذا الوضع المشحون بالتوترات والصراعات القبلية يسعى البعض إلى إضفاء طابع تاريخي وحضاري على انتمائهم القبلي، مع سبق الاصرار والترصد في إلحاق العوامل التاريخية والحضارية بتفكيرهم العشائرية والقبلية، وتسخير التاريخ في خدمة القبيلة.
الافت عند فئة واسعة من الشباب في الصومال ميلاً لتبني أحكام مسبقة بشأن قضايا تاريخية هامة متعلقة بتاريخ بلادهم أو اختلاق معلومات من نسيج خيالهم، ثم اعتبارها من المسلمات ، وترديدها بكل ثقة عبر الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي دون تقديم أي معلومات صحيحة أو دراسة موثوقة مستندة إلى حقائق ملموسة تدعم مزاعمهم. ومن بين القضايا التي يثار حولها الجدل قضية المماليك الإسلامية ، والسلطنات القبلية ، والشخصيات القيادية ، والسلاطين التي مرت على منطقة شرق إفريقيا.
ومن المفارقات العجيبة والغريبه في ذات الوقت، وفي ظل الانفجار المعلوماتي الهائل، والتدفق المعرفي، وسهولة الوصول إليه، تتنامي ظاهرة الادعاءات والمزاعم الوهمية، التي يتبناها كثير من الصوماليين بما في ذلك النخب والمثقفين حول سلطنات، وشخصيات برزت في تاريخ شرق إفريقيا خلال فترات غابرة. ومن المحزن أن هذا السرد التاريخي المبالغ فيه لا يعكس على الواقع الصومالي اليوم ، ولا يبرز أي صلة أو موروث يمكن ربطه بالحضارة العريقة المزعومة، وذلك بسبب غياب أي مظهر من مظاهر الحضارة والعمران في الصومال والذي من المفترض أن تتركه هذه السلطنات اوالشخصيات التاريخية بعد أفولها ، كأثر يُعاين في الميدان أو كذكرى تروى في كتب التاريخ مثل أي حضارة أو مماليك مرت عبر التاريخ البشري.
وعلى الرغم من افتقار هذه الادعاءات إلى الأدلة التاريخية أو المادية ، وتناقضها مع ما ورد في بطون الكتب التاريخية الموثوقة، فقد ترسخت لدى البعض كحقائق لا تقبل النقاش. والغريب أن بعض المثقفين الذين يفترض بأنهم مطلعون على التاريخ قد وقعوا في فخ هذه الروايات واعتمدوا على مزاعم لا تصمد أمام النقد العلمي.
ومثال ذلك ما زعم أحد الباحثين في التاريخ الصومالي في مقال نشر في موقع مركز مقديشو للبحوث والدراسات، حيث ذهب الكاتب إلى أن من نشر الإسلام في شرق أفريقيا هم الصوماليون الأجوران، وأن الإسلام كان منتشرا في شرق أفريقيا فبل مجيء العرب، هذا الزعم يفتقر الي أدلة تاريخية أو مصادر موثقة. وهذا ما لم يقدمه الكاتب.
لقد وقع الكاتب في جملة من التناقضات التي تنقض وتدحض مزاعمه تتمثل في، أولا: أقرّ بأن وصول الإسلام في شرق إفريقيا كان في وقت مبكر من فجر الإسلام، بواسطة العرب، ولكنه لاحقا ادعى أن الأجوران هم من نشروا الإسلام في منطقة لامو وممباسا، مع أنه لم يوضح من هم الاجوران تحديدا؟ أهم من العرب ام من(جنس)الصومال؟، واذا سلمنا أنهم صوماليون، فإن ما أورده يتعارض مع ما ذهب اليه الدكتور عبدالرحمن باديو احد أبرز المؤرخيين الصوماليين المعاصرين حيث أشار الدكتور باديو إلى أن حكم أجوران بدأ في القرن الثالث عشر الميلادي واستمر إلى القرن السابع عشر، وأنهم من نشروا الإسلام في ممباسا ولامو، مع ما لدينا من تحفظ على الجملة الأخيرة. ويتنافى هذا الزعم أيضا ما ذهب إليه جمهور المؤرخين والجغرافيين المسلمين الأوائل الذين كتبوا عن شرق أفريقيا لا سيما ما يعرف اليوم بالصومال المعروفة تاريخيا بـ (بلاد البربر) ولم يرد في أي مصدر من مصادر التاريخ الإسلامي ذكرا للصومال أو لسلطنة أجوران أو سلطنة هراب، كل ما ورد ذكره هو اسم “البربر” وهو الإسم الذي كان يطلق على كل سكان شرق إفريقيا باستثناء جنس الحبشة والزنج.
ثانيا: يشير الكاتب الى أن سليمان وسعيد ابنا عباد الجلندى وصلا الى شرق إفريقيا في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي أي في القرن الأول الهجري وهذا بمثابة إثبات ضمني من الكاتب أن وجود العرب في شرق إفريقيا أسبق من الأجوران بمدة طويلة، لأن الدكتور باديو أعاد بداية فترة حكم أجوران إلى القرن الثالث عشرالميلادي. ولذلك كان الأولى بالكاتب أولا إثبات وجود سلطنة أجوران في تلك الفترة المبكرة أي القرن الأول الهجرى، وهو ما يبدو مستحيلا نظرا لعدم وجود أي أدلة أو إشارات تأكد على وجود تلك السلطنة (سلطنة أجوران) التي كانت تتمتع بهذ النفوذ، والقوة والاتساع الجغرافي حسب وصف الكاتب.
ثالثا: أن أغرب ما تناوله الكاتب في زعمه قوله: إن قبائل الصوماليين هم من أسسو مدن منطقة بنادر، وهذا زعم لا أظن أن أحدا قد سبق إليه، إذ أن المشهور لدى جميع الصوماليين عكس ذلك، ولا يحتاج إلى دليل لأن السكان الأصليين في مدن بنادر معروفون وموجودون إلى حد الآن بسماتهم الخاصة. وهم ما يسميه الصومالون GEBIL CAD وتعني ذوي البشرة البيضاء مما يدل على أصولهم العربية غير الصومالية. وبالفعل تعود أصولهم الى قبائل جنوب الجزيرة العربية.
وهناك أيضا دلائل وآثار مادية عديدة من بينها نقوشات وكتابات في بعض مساجد مقديشو، ومركة وبراوة، وبعض القبور التي تعود لهذه العناصر، اكتشفتها الباحثين الإيطاليون أثناء الاستعمار الإيطالي في الصومال. أقدم كتابة مؤرخة وجدت في مقديشو وهي تاريخ بناء مسجد أو تاريخ وفيات والتي يعود تاريخها لقرن الثاني الهجري، وقد جمع الإيطالي انريكو جرولي عدة مخطوطات عربية في مقديشو أبرزها: وثيقة اتفاق قبائل مقديشو لاختيار سلطان لهم بعد ثلاثة قرون بدون سلطان إنما كان يدير أمورهم شيوخ القبائل كل قبيلة لها شيخها. (وفيما يتعلق بعدم وجود ملك أو سلطان لمقديشو فقد ذكره المؤرخون والجغرافيون المسلمين الأوائل مثل ابن سعيد ، وياقوت الحموي). ومخطوطة أخري لسيدة توثق عتق عبدها. وكذلك عدة كتابات علي القبور بإسم المتوفي وبتاريخ الوفاة.
والمعروف أيضا أن قبائل الصومال بدو رُحّل يعيشون حياة الترحال ولم يعرفوا التمدن والاستقرار إلا خلال فترة متأخرة. ولا نبالغ إذا قلنا أن الجد أو الجد الثاني لكل فرد من الصوماليين الذين يسكنون اليوم في مقديشو وُلدوا في البادية. وإن التمدن والتحضر أو الاستيطان لم يعرفه الصوماليون إلا في وقت متأخر لا يتعدى ثلاثة أو أربعة أجيال على أحسن الأحوال.
أما ما يتعلق بقبيلة هراب القاطنة حول مقديشو فقد ظهر نفوذها في القرن الثامن عشرالميلادي تقريبا خلال رحيل البرتغاليين من سواحل شرق إفريقيا وصعود نفوذ العمانيين. فقصتهم معروفة من خلال الروايات الشعبية التي توضح كيفية قدومهم الى مقديشو.
اذاً السؤال الذي يطرح نفسه هو: من أين للكاتب ما ذهب اليه بخصوص سلطنة هراب؟.
والجدير بالذكر أن تواجد العرب في الصومال كان قبل الإسلام، وكانت لهم صلات وعلاقات تجارية مع شرق إفريقيا قبل الإسلام ، وأقاموا مراكز تجارية في المناطق الواقعة على طول السواحل والمناطق الداخلية، وأن هذه العلاقة استمرت وتعززت بعد الإسلام، وأخذت طابعا دعويا إلى جانب طابعها التجاري، لدعوة السكان المحليين الي الإسلام. ومع مرور الوقت تحولت هذه المراكز التجارية الي مستعمرات.
ملحوظة: أنا هنا لا أدافع عن مزاعم العمانيين ولا أتبناها، بل أحاول فقط تفنيد وتوضيح بعض ما ورد في مقال الكاتب المشار أعلاه.





