تُعدّ المؤسسة العسكرية في أي دولة الركيزة الأساسية لحماية السيادة الوطنية من أطماع العدوان الخارجي، كما تمثل الضامن الرئيس لترسيخ الأمن والاستقرار وصون كيان الدولة. وفي هذا السياق، يحتلّ الجيش الوطني الصومالي مكانةً محورية في مشروع بناء الدولة وإعادة ترسيخ هيبتها بعد عقود من الاضطرابات والصراعات. غير أنّ هذه المؤسسة الحيوية تواجه تحديات معقدة تتجاوز حدود الميدان العسكري، وفي مقدمتها خطر فوضى التسييس والتجميع العقدي، وهما ظاهرتان تهددان جوهر الجيش إذا لم تتم معالجتهما ضمن رؤية وطنية شاملة تقوم على ترسيخ المهنية العسكرية وتعزيز الانضباط وصون حياد المؤسسة عن التجاذبات السياسية والأيديولوجية.
الجذور البنيوية للتسييس والتجميع العقدي داخل الجيش الوطني الصومالي
تعود جذور هذه الأزمة إلى بنية ثلاثية الأبعاد تتمثل في: القبلية، والانتماءات العقدية، وطبيعة النظام الفيدرالي نفسه؛ إذ شكّلت القبلية والتيارات الدعوية من أبرز العوامل التي أسهمت سلبًا في إضعاف السيادة المركزية وانحلالها في مراحل سابقة. وفي المقابل، لم تُولِ المساعي الدولية والإقليمية المبذولة لإعادة بناء الوحدة واستعادة النظام السيادي اهتمامًا كافيًا بمعالجة هذه الإشكالية من جذورها، بل اتجهت نحو تبنّي صيغة “4.5”، التي كرّست منح القبيلة شرعية سياسية وقانونية، رغم ما تحمله من آثار سلبية على بناء الدولة وتماسكها.
.وعلى هذا الأساس، تَشَكَّلَت بنيةُ معظمِ المؤسسات الحكومية، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، بما يعكس امتداد هذا الخلل البنيوي إلى أبرز أجهزة الدولة الحيوية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تعرّض هذا البناء المؤسسي لاختراق من قِبَل جماعات دينية متباينة، اتخذت من هذا السياق مدخلًا لبسط نفوذها وتعزيز شبكات الولاء داخل أجهزة الدولة، الأمر الذي أسهم في تعميق التداخل بين الانتماءات غير الوطنية والبنية الرسمية.
وفي الإطار ذاته، أسهم النظام الفيدرالي، القائم على تقسيم البلاد إلى وحدات شبه مستقلة تتمتع بدرجات متفاوتة من السيادة، في تكريس نزعة الانفراد بإدارة الملف الأمني خارج نطاق الإطار القانوني الناظم، بما أفضى إلى تحويل المؤسسة العسكرية الوطنية إلى ساحة للتفاوض والمساومة بين مراكز القوى المختلفة، وهو ما انعكس سلبًا على وحدة القيادة والسيطرة، وأضعف مستوى الانضباط العسكري، وقوّض الوظيفة الوطنية للجيش.
وتفاقمت هذه الإشكاليات بفعل النزاعات المتكررة بين الأحزاب السياسية على السلطة، التي ألقت بظلالها المباشرة على الجيش الوطني الصومالي، إذ امتدت آثارها إلى بنيته المؤسسية فأضعفت تماسكه المهني، ودفعت به أحيانًا إلى دوائر الاستقطاب السياسي، بما يهدد وحدة صفوفه ويقوّض طابعه الوطني الجامع. وفي ظل هذه الظروف، قد تنزلق المؤسسة العسكرية إلى حالة من التشظّي، تتجاذبها ولاءات ضيقة بين حماية تيار سياسي حاكم مؤقت وأطراف معارضة تسعى بدورها إلى تحقيق مكاسب سلطوية.
ويزداد هذا الواقع تعقيدًا بفعل البيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها الجيش، ذات البنية القبلية التي تفاعلت تاريخيًا مع فترات من غياب السلطة وسيادة القانون، ما يتيح للفاعلين السياسيين فرصًا أوسع لاستغلال هذه البنية، وإضعاف الروابط المؤسسية، وتحويل الجيش من كيان وطني متماسك إلى تشكيلات تخدم مصالح فئوية ضيقة. ويترتب على ذلك أثر سلبي مباشر على الانضباط العسكري، وقد يؤدي أحيانًا إلى تحوّل الولاء من الدولة إلى أجندات متفرقة.
وتتفاقم هذه الإشكالية أيضًا في آليات التعيين داخل المؤسسة العسكرية، حيث تُسجَّل في بعض الحالات تعيينات لقيادات عليا استنادًا إلى اعتبارات سياسية أو حزبية، دون الالتزام الكافي بمعايير الكفاءة والخبرة والتأهيل العلمي، ما يُضعف مهنية القيادة العسكرية ويؤثر سلبًا على ثقة المجتمع بالجيش، وفاعلية منظومة القيادة والسيطرة، وقدرة القيادة على إصدار وتنفيذ الأوامر بكفاءة وانضباط عبر مختلف الوحدات والتشكيلات.
ويزداد الوضع تعقيدًا أكثر مع بروز قوى شعبية مسلّحة كبيرة العدد تقاتل إلى جانب الجيش الوطني، والتي قد تُسهم – على الرغم من دورها في مواجهة التهديدات الأمنية – في إرباك عملية التنظيم العسكري والتأثير على وحدته المؤسسية. ومن أبرز هذه التشكيلات مليشيات “معوسلي”، التي تقوم بنيتها على أسس قبلية، وتتلقى توجيهاتها في كثير من الأحيان بشكل مباشر من شيوخ العشائر أو فاعلين سياسيين محليين، الأمر الذي يطرح تحديات جدّية تتعلق بوحدة القيادة، وتماسك القرار العسكري، وضبط سلوك هذه القوى ضمن إطار الدولة.
استشراء الولاءات العقدية داخل الجيش الوطني الصومالي
لقد شكّلت الولاءات العقدية إحدى أخطر الأزمات التي اجتاحت بلادنا منذ انهيار النظام المركزي، إذ أسهمت في تفكيك الروابط الوطنية والأخوية بين أبناء الشعب، وامتد تأثيرها إلى المساجد والمدارس الإسلامية ومؤسسات التعليم الديني وخلاوي القرآن، مما أضعف النسيج الاجتماعي وغرس بذور الانقسام التي أفضت لاحقًا إلى بروز جماعات متطرفة تتبادل فتاوى التكفير.
ومع تصاعد تهديدات حركة الشباب الإرهابية، وما خلّفته من دمار واسع عبر الألغام والمتفجرات واستهدافها للمراكز التعبدية والتعليمية التابعة لمدرسة الأشاعرة والطريقة القادرية على وجه الخصوص، تدخلت بعض الطرق الصوفية للدفاع عن كيانها وهويتها الدينية، ووقفت إلى جانب الجيش الوطني الصومالي، لتكون إحدى الركائز المهمة في مواجهة الإرهاب والمساهمة في حماية استقرار الدولة.
ورغم كونها حليفًا تكتيكيًا للجيش الوطني الصومالي، فإن لهذه الطرق استراتيجيات أمنية وطموحات سياسية تنطلق من رؤى جماعية ومبادئ عقدية خاصة بها، وهو ما قد يعقّد أحيانًا عملية التنسيق مع المؤسسة العسكرية، ويستدعي في المقابل وضع سياسات وطنية واضحة تضمن تكامل الجهود في مواجهة التحديات الأمنية، دون التأثير على حياد الجيش أو استقلالية قراراته.
وفي هذا السياق، وبعد عرض خطة دمج عناصر أهل السنة والجماعة في الجيش الوطني من قبل وزارة الدفاع نجحت الحكومة في ضمّ عدد من عناصر هذا التيار في إقليمي جدو وغلغدود إلى الجيش الوطني الصومالي خلال فترات زمنية مختلفة، في خطوة هدفت إلى توحيد القوى العسكرية وتعزيز بنية المؤسسة الدفاعية للدولة. ومع ذلك، حمل هذا الاندماج تحديات جديدة تتعلق بالانضباط المهني والولاءات الداخلية، ما استدعى ضرورة وضع سياسات واضحة لمتابعة عملية الدمج وضمان وحدة الجيش، والحفاظ على كفاءته الوطنية بعيدًا عن تأثير الانتماءات العقائدية أو القبلية.
ورغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الحكومة من خلال برامج التدريب الاندماجي، والتمارين الضابطية المتقدمة، والترقيات التنظيمية الهادفة إلى تعزيز التنسيق وسدّ الثغرات الناجمة عن التباينات داخل صفوف الجيش الوطني، فإن هذه الإشكالية لا تزال قائمة. إذ يواصل بعض الضباط المنتمين إلى الطرق الصوفية ممارسة طقوسهم الدينية واحتفالاتهم العقدية وشعائرهم المنهجية داخل المقرات العسكرية والكليات التدريبية، وحتى في بعض الجبهات القتالية.
وقد يؤدي ذلك إلى تحويل المؤسسة العسكرية إلى ساحة استعراض فئوي، ينشغل فيها بعض الأفراد بانتقاد أو إدانة جماعات دينية مدنية من المجتمع الصومالي والإشادة بجماعات أخرى، الأمر الذي قد يسهم في تعميق الانقسامات الاجتماعية وتهديد السلم الأهلي. كما قد يضعف تماسك الجيش الوطني ويقوّض مبدأ حياد المؤسسة العسكرية، ويتعارض مع القواعد المهنية المتعارف عليها في الجيوش النظامية الحديثة.
وتبدو حدة هذه الأزمة أحيانًا أكبر من القدرة الاستيعابية لقيادة الأركان، إذ تجد نفسها في مواجهة تدفّقات مستمرة من مظاهر التسييس والتأثيرات المرتبطة بالطقوس الدينية التي تتسرّب إلى بعض وحدات الجيش، دون أن تُطرح حتى الآن آليات مؤسسية واضحة لمعالجة هذه الظاهرة أو الوقاية من آثارها.
ومما يجدر التنويه إليه أن العرف العسكري يقوم أساسًا على مبدأ ترتيب الرتب وسلسلة القيادة الهرمية، بما يضمن وضوح الصلاحيات وانضباط الأوامر ووحدة القرار داخل المؤسسة العسكرية. غير أن هذا المبدأ لم يحظَ في بعض الأحيان بالاهتمام الكافي، حيث مُنحت أعداد تفوق الحاجة الفعلية ترقياتٍ إلى رتبٍ عسكريةٍ عالية بصورة تفتقر إلى الضوابط القانونية والمهنية، وكان من بين هؤلاء أفراد ينتمون إلى بعض الطرق الصوفية أو أمراء ميليشيات قبلية، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول معايير الترقيات ومدى انسجامها مع القواعد العسكرية النظامية، وهو ما انعكس بدوره في إضعاف فعالية التسلسل القيادي، بل وأدى في بعض الحالات إلى تعطيلٍ جزئي في أداء قيادة أركان الجيش.
سيادة الدستور ومدوّنة السلوك العسكري في ضبط القيادة العسكرية
وبرغم جسامة هذه التحديات، فإن الإطار الدستوري والقانوني القائم يوفّر في ذاته أدوات كافية لمعالجة الأزمة، غير أن الإشكال الجوهري يكمن في ضعف الالتزام بتطبيقه وإنفاذه على نحو صارم في الواقع.
وفي هذا الخصوص، تنص الفقرة الأولى من المادة التسعين من دستور جمهورية الصومال الفيدرالية على أن رئيس الجمهورية هو القائد العام للقوات المسلحة، ويتمتع بصلاحية تعيين قادة أركان الدفاع والأمن، فيما تخوّله الفقرة الثانية من المادة ذاتها صلاحية إعفائهم من مناصبهم بناءً على توصية من مجلس الوزراء. وبناءً على ذلك، فإن الإشكالية المطروحة لا تتعلق بمنازعة هذه الصلاحيات الدستورية أو الحدّ منها، بقدر ما تتصل بكيفية توظيفها على نحو يحقق الغاية التي شُرعت من أجلها.
إذ كان من الممكن، في ظل هذه الصلاحيات الواسعة، أن يُسهم مكتب رئيس الجمهورية في ترسيخ دعائم مؤسسية راسخة داخل الجيش الوطني، وتعزيز مهنية قياداته، وتفعيل آليات المحاسبة والانضباط بصورة مستمرة وأكثر صرامة، بما يضمن حماية مصالح المؤسسة العسكرية وصون طابعها الوطني.
وفي الإطار ذاته، تنص المادة السادسة والعشرون بعد المئة من الدستور على أن واجب الجيش الوطني الصومالي يتمثل في الدفاع عن الشعب دون تمييز، وصون وحدة أراضي الجمهورية وسيادتها، كما تؤكد خضوع إدارة الجيش لأحكام الدستور والقوانين المنظمة له وتعليمات الانضباط العسكري، وهو ما يرسّخ الأساس القانوني الذي ينبغي أن تقوم عليه مهنية المؤسسة العسكرية وانضباطها.
كما تنص المادة السابعة والعشرون بعد المئة على أن القوات المسلحة، وفي مقدمتها الجيش الوطني الصومالي، مُلزَمة بصيانة القيم الأخلاقية للمهنة العسكرية، والالتزام الصارم بالانضباط، واحترام سيادة الدستور، وصون حقوق المؤسسات الديمقراطية والمدنية، فضلًا عن مراعاة التعددية، والقبول بمبدأ المساءلة، والتحلّي بالحياد المؤسسي.
وتؤكد المادة ذاتها كذلك أهمية تثقيف أفراد القوات المسلحة بأحكام الدستور، وبالالتزامات الناشئة عن الاتفاقيات الدولية التي تُعدّ جمهورية الصومال طرفًا فيها، بما يعزّز وعيهم القانوني ويرسّخ التزامهم بالمعايير الوطنية والدولية الناظمة للعمل العسكري.
ويُضاف إلى ذلك ما تُثبته مدوّنة السلوك العسكري للجيش الوطني الصومالي، حيث ينصّ البند الثالث والثلاثون منها على أن من الواجبات المُحتَّمة على كل عضو في الجيش الوطني التضحية بنفسه في سبيل الدفاع عن الشعب ووحدة أراضي الجمهورية، دون تردّد أو تمييز.
كما تنصّ المادتان الثالثة والخمسون والرابعة والخمسون من المدوّنة على حظر مشاركة أفراد الجيش في الأنشطة التي تنظمها المنظمات، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو دينية، وحظر مزاولتهم لأي عمل خارج الإطار العسكري، وذلك حفاظًا على الحياد ووحدة الجيش وتماسكه.
.وتؤكّد المادة السابعة والخمسون من مدوّنة السلوك العسكري هذا التوجّه، من خلال حظر أي أشكال التجمّع غير الرسمي داخل المؤسسة العسكرية، بما في ذلك إقامة الأنشطة أو الطقوس الجانبية، أو الانخراط في تجمعات قائمة على الولاءات الخاصة، لما لذلك من أثرٍ سلبي على وحدة الجيش وانضباطه.
كما تُبيّن المادة الثانية والستون من مدوّنة السلوك العسكري واجبات القادة العسكريين، حيث تؤكد أن على كل ضابط أن يُدرك أن الرتبة العسكرية والقَسَم الممنوح له إنما وُجِدا لخدمة الوطن والعمل العسكري، وأن يحرص على ترسيخ احترام القوانين العسكرية وأحكام الدستور لدى الجنود.
وبالإضافة إلى ذلك، ينظم قانون العقوبات للقوات المسلحة الصومالية الإجراءات التأديبية، ويعمل ضمنه دائرة قضائية تتمتع بالنيابة العامة، إلى جانب قيادة قانونية تضم عدة مديريات تؤدي مهامها القضائية والتدريبية الموكلة إليها. ورغم هذه الأطر القانونية والتنظيمية، يظل تفعيل القوانين والممارسات بشكل كامل متباطئًا، ما يحد من قدرة المؤسسة العسكرية على ضبط سلوكياتها، وتعزيز الانضباط المهني، وتحقيق النضج المؤسسي المطلوب لضمان أداء فعال ومستدام.





