يقول المفكر إبراهيم السكران في كتابه (مآلات الخطاب المدني) : ” تجد بعض الكتاب يميل إلى التحذلق والتقعر في الكتابة وعدم القصد إلى المعاني مباشرة، حيث يشعر أن طرح الفكرة في قالب مباشر يبدد وهجها، وأن وضع الفكرة في طرق ملتوية يبهر القارئ ويجعله يذعن للنتيجة” .
في عالم القراءة والثقافة توجد ديكتاتورية خفية يمارسها بعض الكُتّاب عبر نصوصهم، حيث يتعمدون صناعة الغموض والتعقيد لإبهار القارئ وإيهامه بأنهم أصحاب عبقرية استثنائية وعمقٍ لا يُدرك بسهولة.
ومع الوقت، تجد القارئ يشكك في قدراته الذهنية والفكرية، ويظن أن عجزه عن الفهم دليل على ضآلة ثقافته أو قصور عقله، بدل أن يتساءل إن كان الخلل في النص ذاته .
ولم تكن هذه الظاهرة وليدة عصرنا الحديث، كما رأينا في بعض كتب فلاسفة الغرب ومفكريها, بل عرفها تراثنا الإسلامي منذ زمنٍ مبكر .
يقول ابن تيمية في كتابه( الرد على المنطقيين) وهو يصف هذه الظاهرة : (( فإن من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم، أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته؛ لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم فيحب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات )) .
ومن الأسباب التي تدفع القارئ إلى الانبهار بهذه النصوص المعقدة هواعتقاده الراسخ بأن العمق والتعقيد أمران متلازمان، فيتصور أن كل فكرة غامضة لا بد أن تخفي وراءها معنى عظيما يستحق التأمل والتفكيك. غير أن هذا التصور ليس صحيحا دائما؛ فالأفكار العميقة ليست بالضرورة معقدة .
فالكاتب المتمكن هو القادر على إيصال أكثر الأفكار تعقيدا بأبسط لغة وأوضح صورة، لأن مهمة الكتاب ليست إرباك القارئ، بل بناء جسرٍ بين الفكرة والمتلقي .
يقول الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة ) : (( فإني قد رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب، قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات، وإنما مصدر كفرهم سماعهم أسماء هائلة، كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس، وإطناب طوائف من متبعيهم في وصف عقولهم ودقة علومهم، وأنهم مع رزانة عقلهم منكرون للشرائع، فلما قرع ذلك سمعهم، تجملوا باعتقاد الكفر، فأية رتبة في عالم الله أخس من رتبة من يتجمل بترك الحق تقليدا، والبله من العوام بمعزل عن فضيحة هذه المهواة، فليس في سجيتهم حب التكايس بالتشبه بذوي الضلالات )) .
وقد تحدث كثير من المفكرين الغربيين عن هذه الظاهرة .
يقول الفيلسوف الأمريكي ((جون سيرل )) وهو ينتقد الغموض المتعمَّد في كتابات الفيلسوف الفرنسي ((جاك دريرا)) : ((ميشيل فوكو ذات مرة صور أسلوب دريدا في الكتابة بأنه يمارس إرهاب الغموض، ذلك أن نص دريدا مكتوب بلغة غامضة جدا لدرجة أنك لا تستطيع أن تستوعب بالضبط ماهي الفكرة؟ لأجل ذلك هو غامض، ثم بعد ذلك إذا أراد شخص أن ينتقد النص يقول له دريدا : أنت أسأت فهمي، أنت مغفل»، من أجل ذلك هذا إرهاب)) .
النص الدي لم يستطع فوكو وسيرل المتخصصين بالفكر الغربي لغموضه وركاكته, فكيف يُنتظر من القارئ المسلم الشرقي أن يفهمه بسهولة؟ ومن هنا يتضح أن الغاية في بعض هذه الكتابات ليست إيصال فكرة نافعة بقدر ما هي صناعة الانبهار وإخضاع القارئ لسلطة النص وهيبة الكاتب .
ومن الأسباب التي تدفع بعض الكُتّاب إلى تعقيد نصوصهم، إلى جانب رغبتهم في إظهار العمق والعبقرية، سعيهم أحيانا إلى إيجاد مخرج حين تتهاوى حججهم أو تضعف براهينهم. فالغموض في مثل هذه الحالات يتحول إلى وسيلة للاختباء خلف اللغة الثقيلة والتراكيب الملتبسة، بحيث يصعب على القارئ الإمساك بمواضع الخلل أو مساءلة الفكرة بوضوح .
يقول أستاذ الفلسفة الأمريكي سترومبرج (ت: ٢٠٠٤م)، وهو متخصص في تاريخ الفكر الأوروبي: ((من الواضح أن معرفة ماركس بتاريخ الفكر والفعل البشريين أقل بكثير من أن تساند عمومياته الجريئة، ولذلك انعطف إلى استعمال لغة غامضة، بغية إخفاء بعض المشاكل أو القضايا الصعبة)) .
وفي مثل هذه الحالة يظنّ القارئ المسكين أن هذا التعقيد المصطنع دليل على عمقٍ فكري، مع أنه في الحقيقة سطحيةٌ متخفية خلف ستارٍ من الغموض .
وقد ذكر المفكر الاسترالي ((بيتر سينجر)) بعض هذه المواقف، وهو متخصص في فلسفة الأخلاق، يقول: ((البعض اتهم هيجل بأنه دجال يستر الأفكار الفارغة بالعبارات الغامضة المقصودة بهدف إلقاء مسحة عمق عليها)) .
لذالك إذا تحول النص إلى متاهة من الركاكة والتراكيب الملتبسة، فغالبًا ما يكشف ذلك عن خللٍ في الفكرة نفسها أو عجزٍ عن البرهنة عليها بصورة متماسكة. فالأفكار حين تستقر بوضوح في ذهن الكاتب تنعكس بطبيعتها في لغة واضحة ومنظمة، لأن مهمة الكتابة ليست تعقيد الحقيقة، بل تبسيطها وتقديمها في أكثر صورها صفاءً وإقناعا .
بقلم : عبدالله محمد حسن(سرحال)





