اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / نظرة في زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد إلى الصومال

نظرة في زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد إلى الصومال

زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد أبي أحمد إلى الصومال تندرج في إطار شرح التوجه الجديد لأبي أحمد بخصوص علاقات بلاده مع الدول التي تربطها علاقات فاترة أو متوترة نكهتها التوجّس من أطماع توسعيّة واستعماريّة تستهدفها من إثيوبيا كالصومال وإريتريا، أو الخشية من الاستحواذ على حصصها من مياه نهر النيل كمصر والسودان، بغرض تطمين تلك الدول والكشف لها عن عزم إثيوبيا على التحول الكلّي وإعادة صياغة علاقاتها معها على أسس مباينة لنهج الاستقواء والعسكرة والتدخل الذي سادها في الحقب الماضية، وبما يحقق مصالح جميع الأطراف. كما أعرب عن ذلك آبي أحمد في لقائه مع الرئيس الصومالي من عزم بلاده طيّ صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة.

وبالنظر إلى مخرجات اللقاء بين الرئيس فرماجو ورئيس وزراء إثيوبيا فإنّ نقاطا مثل التأكيد على ضرورة التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين لتأمين مستقبل مزدهر لشعوبهما، وإزالة عقبات تنقل المواطنين والبضائع بين الجانبين، ومدّ الطرق البرّيّة الرابطة بينهما، وكذلك الاتفاق على استثمار مشترك في أربعة موانئ رئيسية صوماليّة، فإنها بنود عمليّة تمسّ الدوافع الكامنة وراء حالة الضبابيّة والفتور في العلاقات بين الدولتين، وتعمل على إزالة مسبباتها.

فوفق كثير من المراقبين يعتبر هاجس البحث عن منفذ بحري تتواصل من خلاله مع العالم أكبر باعث للدولة الإثيوبية الحبيسة على التدخّل في الصومال المجاور والمطلّ على أطول ساحل في إفريقيا، هذا التدخل الذي يعدّ أكبر عقبة أمام مساعي استعادة النظام والاستقرار في الصومال تؤدّي إلى فشلها أو تعطلها، حيث تعمل إثيوبيا ضمن هذا التدخل على تقوية موقف الحكومات الإقليمية وتأليبها ضدّ الحكومة الفيدراليّة، لتأمين استفادتها من موانئ هذه الأقاليم وحصولها على تعاونها الأمني مقابل توفير بعض المكاسب الشخصيّة والإقليمية لرؤساء الحكومات والمتمثلة في الحصول على المال والسلاح ودعمهم وحمايتهم ضدّ خصومهم ومنافسيهم في إدارة الإقليم.

إذن فالاتفاق المعلن على شراكة استثماريّة في الموانئ الصوماليّة كان البند الرئيسي الذي تتبع له بقيّة البنود خاصّة، وقد نتج عن تحوّل استراتيجي من الجانب الاثيوبي أفرزه انسداد أفق تأمين مصالح إثيوبيا في البلاد وحمايتها من خلال لعبة التدخّل بعد نسف الحكومة الصوماليّة الفيدراليّة اتفاقيّة الشراكة في ميناء بربرة بين جمهورية صوماللاند المعلنة من جانب واحد ودولة الإمارات وإثيوبيا الموقعة بغياب الحكومة الفيدراليّة، ما يعني ضمنا عمليّة مقايضة تضع فيها الصومال موانئها الرئيسية تحت خدمة إثيوبيا مقابل كفّ إثيوبيا عن التدخّل في سياسة البلاد وتجميد علاقاتها الخصوصيّة مع رؤساء الأقاليم واعتبار الحكومة الفيدراليّة هي القناة الوحيدة لإقامة العلاقات مع الصومال وعقد الصفقات والاتفاقات. يوضح ذلك عدم وجود مكاسب ملموسة للطرف الصومالي في نقاط الاتفاق بحجم المكسب الإثيوبي في الحصول على إدارة منافذ بحريّة، وتحرير الحركة والتنقل على الحدود بين البلدين وإلغاء الرسوم الجمركيّة وتسهيل الحصول على الوثائق والتراخيص للتجار بين البلدين للربط بين هذه المنافذ وبين أديس بابا. إضافة إلى أنّ حجم التبادل التجاري بين إثيوبيا والصومال من الضآلة بحيث لا يستدعي كل هذا الاهتمام والترتيبات.

وفي كلّ الأحوال إذا أحكم الطرفان وضع تفاصيل الشراكة وتحديد أدوار وحصص كلّ بدقة وقدر له النجاح يعدّ هذا الاتفاق فرصة تاريخية للبلدين لتجاوز مربع الحروب والمكايدات وارتياد آفاق التكامل التنموي والاقتصادي لتحقيق الرفاهية والتقدّم لشعوب البلدين ويتوقع منه أن يقود البلدين إلى الاستقرار الاقتصادي وتحقيق مستوى أعلى لتنمية البلدين الذين يعانيان من الفقر والتخلف وآثار الاضطرابات والتخبط السياسي والحروب الأهلية والنزاعات الحدودية، كما يفتح الباب أمام الصومال لعقد شراكات أخرى مع إثيوبيا تستفيد منها في مجالات حيويّة تتفوق فيها إثيوبيا كالطاقة الكهربائية.   

إلّا أنّ الوقت لم يحن بعد للتغزل بتوحيد البلدين الذي أشارإليه آبي لدى حديثه عن حاجة بلاده إلى رفع مستوى هذا التعاون إلى مستوى تكامل اقتصادي بل إلى مستوى توحيد البلدين ضمن وحدة أوسع تشمل كلّ دول القارّة الإفريقيّة سيقود لآبي مسعى تحقيقها. وقد جرى على نطاق واسع النظر إلى هذه الجزئيّة من خطاب آبي على أنه مازال يسعى إلى ذات الأهداف الاستعمارية التي فشل أسلوب العنف والتدخّل في تحقيقها، ولكن هذه المرّة بأسلوب الدبلوماسية الناعمة. وفي حال صدقت هذه النظرة فإنّ الاتفاق سيتحول إلى كارثة ماحقة على البلدين سيدفع الشعبان ثمنها باهظا، وستترك بالمنطقة آثارا ستعاني منها لأحقاب. وعلى القيادات الصومالية والإثيوبيّة أن تكون حذرة من انجرارها نحو سيناريوهات كهذه في لحظة انجذاب عاطفي. فثمت الكثير من العوامل التاريخيّة والعرقيّة والثقافيّة والدينيّة التي لا يمكن معها التفكير في الترتيب السياسي لتوحيد البلدين. 

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن عبد الناصر معلم محمد

عبد الناصر معلم محمد
أكاديمي وباحث في المركز

اترك رد