مقالات

هل نسيتُم المناضل القائد والكاتب الماهر؟

لعل البعض يفتش القائد في أول الوهلة في صفوف الحركات البعث الإسلامي أو ما يسمى الصحوة الإسلامية المعاصرة، والأخرون لعلهم أن يبحثوا ضمن أهل التطرف والانحياز الذين استباح ألسنتهم قبل أصابعهم بدماء المسلمين الأخيار وأعراض المجاهدين الأحرارولكنّ مناضلنا القائد وكاتبنا الماهر هو صاحب المقام الأول في ديوان الأحرار الذي نذر نفسه الدفاع عن الشرف والكرامة حتى انتقل من هذا الدار الفانية كبيراً وشامخاً ورافع الأنف، عفيف اليد واللسان، وعابداً وزاهداً عن الذنيا وملذاتها وهو يرجوا لقاء ربه.. ذلكم الشيخ القائد المجاهد الذي ناضل وكافح سلاح القلم قبل سلاح البندقية صاحب الموهبة الفذة والرمز الأول الشيخ إبراهيم عبد الله محمد ماح.

ما أكتبه ليس من باب الحماس أو الانفعال على الرغم من انزعاجنا ما أثارت إليه قناة يونفرسل Universal tv  في الآونة الأخيرة من الإهانة والتطفل حول خلفاء قائدنا وأماء أهلنا وعلى رأسهم القائد أدمرال محمد عمر عثمانحفظه الله ونصرهوهذه الفعلة المشينة نعرف بأنّ غرضها ليس إلا للذنيا يصيبها أو دراهم يشحتها، ولكني أنقل هنا بعض الأخبار المليحة والأحداث المستريحة غائبة عن الأذهان والجنان قبل الأبدان غير ذاكرة وحاضرة لدى الأحباب والأحرار، وهذفها الوفاء وإبراز ما نكنّ من المحبة والود لأهلنا هنا وهناك في دوحتنا الكبيرة المترامية الأطراف رغم الحالة الصعبة والظروف السيئة التي تعيش أمتنا من انقسام داخلي وانشغال بحدود صنعها الجبناء من أبناء جلدتنا في داخل مملكتنا الحبيبة تاركين بثغورنا التي طالما كان يتغنى العلماء والأدباء وأهل الحل والعقد يوم كانت أمتنا معافى وشجاعة لا تخاف في الله لومة اللائم، بل كانت ترى بأن رزقها بيد ربّها وحده لا بأقلام الأعداء أو الأحباب من الجنّ والإنس سواء كانوا  أفراداً  أو كتلةً، وطنيةً أو أجنبيةً.

كيف لا أسطر بعض كلمات تجاه تلك الشخصية المنسية المغمورة، المناضل القائد والكاتب الماهر الذي نذر نفسه بالبحث والجهاد وإثبات الوجود ليعيش حراً أبياً كما ولدته أمه وقد استقى من المعين الصافي وأكل من الثمرة اليانعة التي غرسها الإمام أحمد بن إبراهيم جران، واعتنى بها المجاهد مقتل طاهررحمهم الله جميعاً

وحتى حينما نقل المهام وقيادة الأمة إلى أمين وشجاع أخر لم تهدأ نفسه وكان يزاحم خليفته في المشورة ونقل الخبرة والحنكة ويوصي على الثبات وعدم اصغاء الضعفاء وذي النفوس السيئة ، بل ويدعوا للجماعة النصر في آل الليل وأطراف النهار، مع أنّه لم يذهب بعيداً عن الميدان بل نزل ضيفاً على قائد الإمارات وسلطانها الشيخ زايد بن سلطان آل النهيان واستقر بجوار نمر الشارقة وسلاسة القواسم الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسم حاكم الشارقة.

عرفتُ ذلك كله عند لقائنا لأول مرة في الخرطوم عاصمة الصمود  والأحرار على هامش مؤتمرالإسلام في إفريقيا بعد 14 قرناًالذي نظمت جامعة إفريقيا العالمية في عام 2006م بالتعاون مع منظمة العالم الإسلامي الليبية. وكم كانت فرحتي وبهجتي كبيرة عندما وصلتني دعوة مشاركة ندوة نظمها طلابنا في الخرطوم على هامش المؤتمر، بل عندما جعلوني أجلس بين جبلين شامخين فضيلة الشيخ المناضل إبراهيم عبد الله محمد ماح، وسعادة الدكتور محمد حاج مختار صاحب القلم الحر والفكر النير الذي لا يتزحزح أمام الرياح الهوجاء، ولم أمتلك نفسي تلك الليلة واقتصرت كلمتي تجاه القائد على الرغم أنّ كلماتي وإثرائي للشيخ لم تعجبه بل وطلب مني التوقف وعدم البوح ما لا فائدة فيه .. وبعد هذا الموقف تعمقت في نفسي عظمة الشيخ المناضل ونزاهته وتواضعه الجم بعيداً عن السمعة والرياء.

ولمن لا يعرف المناضل المجاهد فهو الشيخ عبد الله محمد ماح من مواليد مدينة قلافو في الصومال الغربي ، عام 1941م ، تربى وترعرع في مسقط رأسه، ودرس العلوم الإسلامية من حفظ القرآن الكريم ، وتهجى العربية ثم تعلم قواعد اللغة العربية وآدابها والفقه الشافعي ، فلما استقام رحل إلى خارج البلاد وخاصة المملكة العربية السعودية ، وانضم بجامعة الإمام محمد بن سعود سنة 1966م وتخرج في عام 1970م . فلما عاد إلى الصومال أصبح مدرساً بالمدارس  الثانوية الصومالية ابتداءً من سنة 1973م ، ثم أصبح عضواً في اللجنة المركزية لجبهة تحرير الصومال الغربي عام 1989م ، وفي عام 1991م اختير رئساً للجبهة الوطنية لتحرير أوغادينيا واستمر هذا المنصب حتى عام 1998م، الجدير الذكر أنّ إطلاق الجبهة باسم الأوغادين جاءت من أصوات غير أغادينية ومن نفوس حية غير مريضة وخاصة من شخص قبيلته در ، ولا مشاحات في الاصطلاح ولكن فقط عند الأحرار المعافى من الأمراض الخبيثة والتقاليد البالية ، لأنّ القوم كانوا يدركون مهامهم ولمن يكون في صفهم ويشارك  مع همومهم حتى التحرير وإذلال المحتل، أو العيش تحت خيمة الشرف والكرامة وعدم ضياع التاريخ وما حقق الأجداد من عزّ  ونصر.

ثم تفرغ  الشيخ إلى النواحي الثقافية حيث أسس مركز الإقليمي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية في القرن الإفريقي عام 1999م ، كما تفرغ تكملة كتابه تحفة الأفياء بمسيرة التحرير والتعريب في القرن الإفريقي الذي استغرق سنيناً عديداً في أعداده وجمعه. ورغم تلك الظروف والحالة الكئيبة كانت تبرز موهتبه ويقطع وقت راحته إلى التأليف والبحث فألف كتباً عدةً.

وتوفي الشيخ المجاهد في 22 في شهر يونيو عام 2008م في أبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة بعد كفاح دام نصف القرن وترك مدرسة جهادية ذات ملحمة سنفونية لذيذة يروق لها الأحرار المتعطشون إلى بهوى الحرية والشرف وكرامة الحياة قبل الممات، كما ترك أربع بنات وأربعة أولاد عدا الأحفاد والأحباب.. فرحماك يا ربنا الرحمن الرحيم على عبدك ابن عبد الله بن محمد ماح ، نسألك أن تنزله على منازل المجاهدين ومرتع الصالحين في جناتك العلى وضيافتك العظمى ، وأنت الغفور الكريم.

كما ترك تراث مكتوب صدرت من شاهد على عصره ومحيطه رفض أن يغفل عما كان يجري حوله مهما كان الأمر وأينما يكون القدر، وسطرت أصابعه البريئة بتاريخ بلاده وواقع مجتمعه،  وهي اليوم بمثابة كنز ثمين ومصدر مهم تعمد علي الأجيال القادمة. ومن بين هذه المؤلفات:

الهزيمة الثالثة

هذا الكتاب يتحدث عن الكفاح التاريخي للصومال الغر بي ضد الاستعمار الحبشي. ويناقش المؤلف بجلاء الصراع المرير بين العنصرين الصومالي والإيثوبي على تراب القرن الإفريقي منذ انتشار الإسلام في المنطقة. ومن ناحية الأخرى فإن الكتاب يعطي للقارئ فكرة عن الدولة  والثورات  وحركات التحرير التي قامت في منطقة الأوغادين. ويتضح أن الكتاب يحمل في طياته بعض الصور المشرقة من تاريخ الصومال الهام، ويبرهن على وحدة أصول شعوب أروما والصومال وعفر، وأنها هي الأغلبية في العصر والعدد والعقيدة ، والمساجد في القرن الإفريقي ومما  يجعل أنهم مؤهلون في القيادة لمنطقة القرن الإفريقي. والكتاب يسلط الضوء على بعض الحقائق التاريخية والسياسية والدينية التي رافقت تطورات النزاع بين الصومال وقومية أمهرة  عبر القرون. والكتاب يتكون من خمسة فصول ، وربما يلاحظ القاري طول بعض الفصول ، وإيجاز بعض الفصول الأخرى في الأنباء نظراً للظروف التي يصدر فيها الكتاب والتي تتطلب سرعة التبفيذ في جبهة القتال وجبهة السياسة والإعلام. ويمتاز المؤلفرحمه اللهأنه يشرح بعض الأحداث التاريخية وعلى كل الحال فقد طبع الكتاب بمطبعة مكتبة النهضة المصرية في القاهرة عام 1982م ويقع 145 صفحة.

تحفة الأوفياء لمسيرة التحرير والتعريب في القرن الإفريقي

يعدّ هذا الكتاب من أضخم الكتب التي ألفت في تأريخ منطقة القرن الإفريقي، وعلى الرغم من أنه غير منتظم وغير متناسق في مادته العلمية المتناثرة في ثنايا الكتاب إلا أنه يعتبر موسوعة تاريخية غنية بمعلومات مفيدة  قد لا تجد غيره لاسيما في القضايا التي عاصر بها المؤلف والتي شكلت هاجسه وأثرت على تفكيره، وهذا الأمر واضح فيما جاء في الكتاب وفي ترتيب فصوله. والكتاب يتناول الصراع الصومالي الحبشي أو بالأجراء الصراع بين المسجد والكنيسة ، ويكشف الصمود المسلمين في منطقة القرن الإفريقي أمام تحديات الطغيان المسيحي الصليبي الإيثوبي المتحالف مع الغرب، وحينا مع الشرق ، والمؤلف تحدث عن الحقب التاريخية المختلفة وأدوار هذا الصراع غير أنه ركز على الصراع الصومالي الإيثوبي في العصر الحجيث ، ودور جبهة التحرير الصومالي الغربي (ONLF) ، وأغلب المعلومات المعاصرة مستمدة من خلال خبرته ومعايشته بالأحداث التي عكس هموم المؤلف تحليل الأحداث بعداّ إسلامياً وعربياً ، كما أصلّ  تبعية القرن الإفريقي للمنطقة العربية دينياً وتاريخياً وحضارياً ، والحقيقة أن الباحثين لا يستغنون عن المعلومات الغزيرة التي وردت في الكتاب، وكذا بعد الوثائق والخرائط التي جاءت ، ملحقة في ذيل الكتاب. مثل ما ورد في صفحة 696 ، حيث يذكر بعض الأخبار التي تشير إلى أن سلطة مكلة بلقيس وصل إلى أرض الصومال، لاسيما مدبنة أيلayl الساحلية في شرقي الصومال وإلى مدينة هرر..  ، وكذا علاقة هذه الملكة بملكة أرويللو الصومالية Arawello . وقد طبع الكتاب بالإمارات العربية المتحدة على نفقة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسم حاكم الشارقة ، دون ذكر اسم المطبعة في عام 2001م ويقع الكتاب في 736 صفحة.

أوغادين يتحدى

هذا الكتاب من مجموعة رسائل نضالية وحماسية  ويقع تقريبا 40 على صفحة، وطبع في السوادان عام 1994م.

تفسير التاريخ

الكتاب طبع في بداية العام 1992م، علما أنّ الكتاب مترجم أيضا باللغة الصومالية.

حرب الخرائط في القرن الإفريقي وهلع الأثيوبي من التغيير الحضاري

حد علمي كان هذا الكتاب مخطوطا غير المطبوع ، وقد أخبرني المؤلفرحمه اللهأثناء لقائي معه في الخرطوم بالسودان في شهر نوفنبر عام 2006م وعلى هامش مؤتمر الإسلام في إفريقيا بعد 14 عاما بأنّ الكتاب تحت الطبع ولا أدري الآن مصيره.

أصول الكلمات الصومالية بالعربية

وقد أخبرني المؤلف بأن الكتاب على قيد تكملة.

د/ محمد حسين معلم علي

من مواليد مدينة مقديشو عام 1964، أكمل تعليمه في الصومال، ثم رحل إلي المملكة العربية السعودية ليواصل رحلته العلمية حيث التحق بجامعة أم القرى قسم التاريخ الإسلامي حيث تخرج في عام 1991م، ونال الماجستير بنفس الجامعة في عام 1998م ،كما واصل دراسته في كل من السودان والنرويج، حيث نال درجة الدكتوراة بجامعة النيلين عام 2006م، أما في مملكة النرويج فقد تخصص بالدراسات التربوية وكذا الثقافات واللغات المتعددة في جامعة همر بالنرويج. وعمل أستاد التاريخ والحضارة الإسلامية في الجامعة الإسلامية في مقديشو - الصومال، وهو عضو في عدد من المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، أصدر "ديوان الشاعر بعدلي" عام 2002م ، و"الثقافة العربية وروّادها في الصومال" عام 2010م، وله عدة بحوث أخرى، يقيم الآن بالنرويج .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى