أخبارمقالات

عباقرة لهم أصول في منطقة القرن الإفريقي (38) العلامة الشيخ علي ميه البكري(2)

العلامة الشيخ علي ميه البكري (2)

زهده وبٌعده عن الخلاف والمنازعات المدهبية:

لكل داعية أو صاحب فكرة  طريقة وأسلوب يتبع في سبيل نشر أفكاره وتحقيق أهدافه وما يصبو إليه من إيصاله، بل ويحرص على أن تكون هذه الطريقة أو الأسلوب أقرب طريقة توصل إلى تحقيق الهدف لكي يراها على أرض الواقع، ومن هنا كان الشيخ علي ميه حريصاً بكل الحرص على عدم الخوض في المجادلات الدينية والخلافات المذهبية رغم تواجد الساحة الصومالية في تلك الفترة بعض الطرق الصوفية الأخرى كالقادرية والصالحية، وهكذا ربى أتباعه ومريديه،  إلا أن الشيخ علي ميه لم يصدم مع هؤلاء بحيث لم تسجل نزاع في المسائل الدينية، وهذا الأمر هو الذي جعل الشيخ محبوباً لدى المجتمع بسبب بُعده عن ما يؤدي إلى الفرقة والمشاجرة حتى ” احتل العلامة الشيخ علي ميه مكانة ومنزلة عالية بإصلاح المجتمع وتنظيمه ونشر التعاليم الإسلامية الصحيحة بعيداً عن خلق حساسيات بالطرق الصوفية الأخرى، ووقف حياته على تعليم الناس وتبصرهم بأمور دينهم ، وأنفق حياته مذكراً ومعلماً ومصلحاً، كما كان زعيماً زحياً وإماماً شعبياً وجاهداً عظيماً ومحرر العقول الإسلامية من الجمود والأساطير، ونشر المحبة والمودة واقتلاع جذور الأحقاد والبغضاء من النفوس، وتأليف القلوب على الله ، والسغي للإصلاح بين المتخاصمين وإحياء القيم الإسلامية، وأن تكون الأخلاق الصوفية هي الرباط الذي يربط بين الناس جميعاً، فتقوى العلاقات بينهم ، ويشعرون بالصفاء و المودة والإخاء..” [1]

أثر الشيخ علي ميه البكري الديني والعلمي:

كل من يتتبع حياة الشيخ علي ميه يدرك بأنّه – رحمه الله – ترك أثراً  كبيراً في الحياة الدعوية والعلمية في الصومال بحيث تخرج على يديه عدد كبير من العلماء والوجهاء الذين أصبحوا فيما بعد شخصيات أضاءت البلاد بعلومهم بعد تأسيستهم أورقة ومراكز دينية وعلمية في أكثر من مكان، وقد سبق أن ذكرنا إلى أؤلئك العلماء والدعاة الذين كانوا وكلاء للشيخ في نشر تعاليم الإسلام وأحكامه.

ومن هؤلاء  أيضاً أحد أعلام بلادنا الذين قضوا حياتهم في نشر العلم والمعرفة الدكتور علي حسن محمد علي هرم التعليم والتربية، لأنّ ينحدر من منطقة عيل طير في إقليم غلغدود، وقد نشأ وترعرع هناك وخاصة في قرية مسغ واي  Masagawaayحيث تعلم القرآن حتى حفظه على ظهر الغيب، ثم انتقل من البادية إلىقرية مسغ واي التي أسسها الشيخ إبراهيم شيخ محمود الأبغالي أحد أتباع الشيخ علي ميه، والذي حينما توفى تولى قيادة الناس  ابنه الشيخ سعيد إبراهيم، ولما توفي ورثه القيادة الشيخ عامر شيخ إبراهيم وهو شيخ القرية وشخ طريقة الأحمدية من تلاميذ شيخ علي ميو البكري. والسيد علي حسن تعلم في مساجد وموالع قريته بدءا بعلم الفقه عليى يد الشيخ إبراهيم بن شيخ محمود المؤسس وأخوه الشيخ أدم شيخ محمود ، ولما استوى ساعده وتكونت حصيلته العلمية انتقل السيد علي حسن محمد إلى العاصمة مقديشو والتحق بالمدارس العربية التي كانت يسمى مدرسة معلم جامع إلى أن وصل إلى المستوى العالي من التعليم، وقد اشترك بناء الثقافة والتعليم في المدارس والمعاهد والجامعات. وسعادة الدكتور أنجز بعض بحوث علمية مفيدة في التاريخ العلوم السياسية.

وممن أفلح المدرسة البكرية  فضيلة الشيخ محمد خيري – وهو جد شيخنا وحبيبنا فضيلة الدكتور يوسف بن أحمد الشيخ محمد خيري الحسني العيري من قبائل هبر غدر- والشيخ محمد خيري هذا كان ممن تتلمذ علي يد الشيخ محمد بن الشيخ علي ميّة، وكان ضليعا بالفقه الشافعي ، وكان من قادة الطريقة الأحمدية، متحمسا لنشرتها، لذلك طوى الأرض فرسخا فرسخا للدعوة إلى الطريقة الرحمانية، وصار مع الداعية الشيخ آدم يري إذ الأخير تزوج أخته ” مكة خيري” المدفونة مع زوجها الحاج آدم في مسجد ” ورطيغلى” عند سوق المواشي القديم. وجده هذا كان من سكان ” حَرَطيرِ” ثم في رحلات الدعوية دخل في مدينة ” هبيو” وكان يحكمها آنذاك “علي يوسف” فأسس فيها مدرسة ، وكان برفقته “الحاج أحمد ليبان والحاج آدم حسن يري” عندها أمر علي يوسف بحرق المدرسة، وطرد الدعاة بقصة مشهوره، عندها دخل جده في مدينة طوسمريب فخلف والد فضيلة الدكتور الشيخ يوسف كما ذكر ذلك الدكتور نفسه- حفظه الله – وإذا كان الشيخ محمد خيرى جاهد في ربوع منطقة القرن الإفريقي لنشر علوم الإسلام وأحكامه فإنّ فضيلة الدكتور – سدده الله- يشارك مع إخوانه المسلمين في نشر الإسلام وعلومه في شمال أروبا ولاسيما في مملكة السويد، وقد استفاد من دروسه وخطبه وعلمه خلق كثير ، نسأل الله أن ينصر من ينصر دينه.

ولست أنسى أحد الشباب الدعاة في مملكة النرويج وخاصة مدينة ليلي هبر في محافظة أبلان الشيخ شريف مختار وهو أحد الأحفاد الشيخ علي ميه بما يبدله من جهود دعوية ليست في منطقته فحسب وإنما جولاته وصولته في ربوع أروبا مع جماعة التبليغ والدعوة، بالإضافة إلى ما يقومه من نشاط دعوي في المركز الإسلامي في منقطته.

وقبل ختام حديثنا عن تاريخ حياة الشيخ علي ميه والتي عرفنا من خلالها بأنّ فضيلة الشيخ علي بن حاج بن أحمد بن صديق البكري  الدرقبي المركي رحمه الله، أحد الأعلام المشهورين ليس في منطقة القرن الإفريقي وإنما على مستوى منطقة شرق إفريقيا وخاصة من أهل تنزانيا، وكان من أقطاب الطريقة الأحمدية ولواءها في جنوب البلاد، وانتشرت رسالته حتى على مستوى الصومال الكبير في منقطة القرن الإفريفي. وكان الشيخ علي ملما باللغة العربية وأدابها من علم البلاغة والمنطق ، وكذا علم المعاني، وكان صاحب علاقات واسعة ، ليس على مستوى الصومال فحسب، وإنما على مستوى ساحل الشرق الإفريقي ، وكانت له مراسلات واتصالات بينه وبين سلاطين سلطنة زنجبار الإسلامية الذين ينحدرون من أصول عمانية من آل البوسعيدي ، علما أن عائلة الشيخ علي ميو أيضاً تنحدر من نسب عماني. أما كتابه: “وردية الليب في فضل الحبيب” يتناول سيرة الرسول  – الله صلي الله عليه وسلم – وقد ألّف الشيخ علي بن حاج بن أحمد بن صديق البكري الصديقي، لطلب من الوالي  البو سعيدي في سلطنة زنجبار حيث أرسل إلى الشيخ علي بن مي بن حاج علي ، الساكن على مدينة مركة وسأله الحيّ أفضل أم الميت؟. وذلك أن أحد القساومة النصارى جاء إلى الوالي البور سعيدي فطرح عليه السؤال الحيّ أفضل أم الميت فأجاب الوالي بأن الحيّ أفضل من الميت، فقال القسّ  إذاً عيسى أفضل من محمد، لأنّكم تقولون إنّ عيسى حي لم يقتل بل رفعه الله و أنه سينزل في آخر الزمن ، ومحمد مات ، فتحيّر الوالي ، وراسل  إلى الشنميخ علي بن مي المركي الصومالي رسالة يطلب فيها إجابة هذا الأمر .  والشيخ بدوره  وضع كتاباً يجيب فيه عن هذا السؤال،  وقد بدأ المؤلف حديثه بمعنى الفضيلة ومدولها مازجاً كلامه بالمنطق وعلم الكلام ، وناقش الأفضلية حيث بحث المسألة برمّتها في منظور حسّي ، واستدل الشيخ علي بن مي في ذلك من الكتاب والسنة وبعض أقوال العلماء كالشيخ أحمد بن حجر الهيتمى والشيخ جلال الدين السيوطي والشيخ محمد البوصيري والشيخ إبراهيم بن محمد البيجوري . والكتاب يحوي بعض الأشعار والقصائد ، . واختتم  الشيخ كتابه  بقصيدة شعرية يمدح فيها الرسول ويظهرحبّ  الرسول – الله صلى الله عليه وسلم –  والكتاب مازال مخطوطاً في 12 ورقة في كل ورقة 13 سطراً. ومهما كان فإنّ فضيلة الشيخ علي ميه له كتاب آخر وهو ” العينية لعقيدة الأشعرية”  ويتناول في العقيدة الأشعرية المنتشرة في القطر الصومالي في تلك الفترة كما هو بائن في عنوانه.

مصادر تاريخ الشيخ علي ميه:

واستجابة لبعض الإخوة من الباحثين أعرض هنا بعض المصادر والمراجع التي تؤرخ فضيلة الشيخ علي ميه وحركته العلمية والدعوية  وهي كثيرة ومن ذلك: “أذكار السادات الأحمدية”  للشيخ محمد بن شيخ حسن طيري، وهي رسالة تخص تراجم بعض العلماء الصوفية في القطر الصومالي. ومن بين العلماء الذي أتى ترجمتهم في الكتاب ما قام به الكاتب ترجمة الشيخ حسن معلم البصراوي القائد الروحي لطريقة الأدريسية في الصومال من حيث تعريفه، ولادته، أوصافه، رحلاته في طلبه العلمي، تربيته و طريقته، بعض من حكمه قبل وفاته. كما ترجم الشيخ علي ميو البكري المركي وغيره من العلماء الأعلام. والرسالة مطبوعة ضمن مطبوعات مطبعة الصومال بمقديشو – الصومال.

ومن هذه المصادر التي أرّخت حركة الشيخ كتاب ” الحدائق النورانيّة في أذكار الحلقات الرحمانيّة” للشيخ محمّد عبد الصمد البلعدينسبة إلى مدينة  بلعد في محافظة الشبيلي الوسطى التي تبعد عن مقديشو العاصمة 60 كم، وهو –أي الشيخ محمد البلعدي من العلماء الشباب الذين تربوا على الحلقات العلمية في الصومال، وله ميل إلى النواحي الزهد والتصوف، ومن هنا كتابه ” الحدائق النورانيّة في أذكار الحلقات الرحمانيّة” له قيمة خاصة مما أدى إلى طبعه عدة مرات في داخل الصومال من مطبعة بنادر: مقديشو، الطابعة الثانية ،سنة 2007م ، علما أن المطبعة الأولى كانت في عام 2004م بمقديشو.

أما كتاب ” وردية اللببب في فضل الحبيب” لصاحب الشأن فضيلة الشيخ علي ميه نفسه فيه فوائد كثيرة رغم أنّ الشيخ يناقش قضية خاصة بعيدة عن حياته إلا أنّ أسباب تأليف الكتاب لها قيمتها الخاصة، وقد جاء أخبار هذا الكتاب  من خلال سلسلة مقالات تناولت فيها أخبار التراجم وسير الأعلام في التراث الإسلامي والصومالي في الحلقة 4 في شبكة الشاهد العربي قبل فترة،وقلنا يومها أنّ كتاب: ( وردية اللببب في فضل الحبيب) كتبه الشيخ علي بن حاج بن أحمد بن صديق البكري الصديقي، وهو من الكتب والرسائل التي أنتجها أهل الصومال والتي تحدثت عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم،  وكان سبب تأليف هذا الكتاب أن الوالي البو سعيدي سلطان سلطنة زنجبار أرسل إلى الشيخ علي بن ميه بن حاج علي الساكن على مدينة مركة وسأله الحيّ أفضل أم الميت؟. وذلك أن أحد القساوسة النصارى جاء إلى الوالي البو سعيدي فطرح عليه السؤال: الحيّ أفضل أم الميت فأجاب الوالي بأن الحيّ أفضل من الميت، فقال القسّ إذاً عيسى أفضل من محمد، لأنّكم تقولون إنّ عيسى حي لم يقتل بل رفعه الله و أنه سينزل في آخر الزمن ، ومحمد مات ، فتحيّر الوالي ، وراسل إلى الشيخ علي بن ميه المركي الصومالي رسالة يطلب فيها إجابة هذا الأمر .والشيخ بدوره وضع كتاباً يجيب فيه هذا السؤال، وقد بدأ المؤلف حديثه معنى الفضيلة ومدولها مازجاً كلامه بالمنطق وعلم الكلام ، وناقش الأفضلية حيث بحث المسألة برمّتها في منظور حسّي ، واستدل الشيخ علي بن ميه في ذلك من الكتاب والسنة وبعض أقوال العلماء كالشيخ أحمد بن حجر الهيتمى والشيخ جلال الدين السيوطي والشيخ محمد البوصيري والشيخ إبراهيم بن محمد البيجوري، والكتاب يحتوي على بعض الأشعار والقصائد ، واختتم الشيخ كتابه بقصيدة شعرية يمدح فيها المؤلف الرسول ويظهرحبّ الرسول – الله صلى الله عليه وسلم – والكتاب مازال مخطوطاً في 12 ورقة في كل ورقة 13 سطراً .

وأورد عبد الرحمن محمد النجار في كتابه “الرحلة الدينية في إفريفيا” ، الدار النهضة ، القاهرة ،1980م ، بعض معلومات مفيدة عن الشيخ علي ميه وطريقته الأحمدية. أما الدراسات الأكاديمية فأول بحث علمي تناول في حركة الشيخ علي ميه وحركته  الدعوية ودوره في نشر الإسلام في منطقة شرق إفريقيا يكون الدكتو  محمد عبد الله النقيرة قي كتابه “انتشار الإسلام في شرقي إفريقية ومنهاضة الغرب له” ، دار المريخ للنشر ، الرياض 1402هـ- 1982م.

ويعتبر دراسة المؤرخ الصومالي الراحل الدكتور أحمد جمعالي محمد رحمه الله” دور جنوب الصومال في الدعوة الإسلامية ( 1889م – 1941م) ” من أفضل دراسات أكاديمية كتبت عن تاريخ الشيخ علي مية وجهوده الدعوية في المنطقة في رسالته العلمية والتي نال من خلالها درجة الدكتوراه في التاريخ الحديث من قسم التاريخ و الحضارة الإسلامية التابع بكلية الأداب بجامعة أم درمان الإسلامية، 1429 / 2008م.

والحق أنّ دعوة الشيخ علي ميه وحركته الإصلاحية تحتاج إلى أكثر من بحث ودراسة ، وحبذا لو كان ذلك بأقلام صومالية لها قدرتها العلمية ، وقريبة إلى المنطقة لكي تتطلع على أرشيف الشيخ ومكتبه الخاصة في مركه، وكم كنت تمنيت أن تتناول أقلام أهلنا عن ” المدرسة البكرية في مدينة مركه الساحلية” وأكثر من مرة أوصيت ذلك أقرباء الشيخ، كما أوصيت ذلك مركز مقديشو للبحوث والدراسات وبعض طلابنا في مراحل الدراسات العليا والذين أحتك معهم هنا وهناك في أكثر من وجه.

مرجع

– – أحمد جمعالة محمد : دور علماء جنوب الصومال في الدعوة الإسلامية ( 1889م – 1941م) ، مرجع سابق ص 212.

[1]

د/ محمد حسين معلم علي

من مواليد مدينة مقديشو عام 1964، أكمل تعليمه في الصومال، ثم رحل إلي المملكة العربية السعودية ليواصل رحلته العلمية حيث التحق بجامعة أم القرى قسم التاريخ الإسلامي حيث تخرج في عام 1991م، ونال الماجستير بنفس الجامعة في عام 1998م ،كما واصل دراسته في كل من السودان والنرويج، حيث نال درجة الدكتوراة بجامعة النيلين عام 2006م، أما في مملكة النرويج فقد تخصص بالدراسات التربوية وكذا الثقافات واللغات المتعددة في جامعة همر بالنرويج. وعمل أستاد التاريخ والحضارة الإسلامية في الجامعة الإسلامية في مقديشو - الصومال، وهو عضو في عدد من المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، أصدر "ديوان الشاعر بعدلي" عام 2002م ، و"الثقافة العربية وروّادها في الصومال" عام 2010م، وله عدة بحوث أخرى، يقيم الآن بالنرويج .

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات