الصومال ومجموعة شرق أفريقيا:(EAC)بين الفرص الاقتصادية والمكاسب الوطنية والمخاطر المحتملة

أصبحت عضوية الصومال في مجموعة شرق أفريقيا (EAC) واحدة من أهم التحولات الإقليمية في السنوات الأخيرة. ففي 4 مارس 2024 أصبحت الصومال الدولة الثامنة في المجموعة، التي تضم أيضاً بوروندي وكينيا ورواندا وجنوب السودان وتنزانيا وأوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

لكن أهمية هذه العضوية لا ينبغي أن تُفهم من زاوية واحدة. فهي تحمل فرصاً كبيرة للصومال والمواطن الصومالي، وفي الوقت نفسه تفرض تحديات ومخاطر تحتاج إلى إدارة واعية.

أولاً: أهم المكاسب

1- حرية الحركة
من أبرز فوائد التكامل الإقليمي تسهيل حركة مواطني الدول الأعضاء. وهذا يمكن أن يفتح أمام الصوماليين فرصاً أكبر للسفر والعمل والدراسة والتجارة داخل المنطقة، وفق القواعد والالتزامات المعمول بها.
2- توسيع سوق العمل

بدلاً من الاعتماد على سوق العمل المحلي فقط، يستطيع الصوماليون المؤهلون الاستفادة من سوق إقليمية أكبر. ويمكن أن تستفيد قطاعات مثل الصحة والتعليم والهندسة وتكنولوجيا المعلومات والنقل والخدمات من ذلك.

لكن الاستفادة لن تكون تلقائية؛ فالمنافسة ستزداد أيضاً، ولذلك يجب أن تستثمر الصومال في تدريب وتأهيل مواطنيها.

3- التجارة والاستثمار

عضوية EAC يمكن أن تساعد في تخفيض الحواجز أمام التجارة الإقليمية وتشجيع الاستثمار. ويمكن للصومال أن يستفيد من موقعه الجغرافي وثروته الحيوانية والسمكية وقطاع الخدمات والموانئ والنقل واللوجستيات.

4- الاستفادة من الموقع الاستراتيجي

يمتلك الصومال ساحلاً طويلاً على المحيط الهندي وموقعاً يربط شرق أفريقيا بالقرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية. ويمكن لهذا الموقع أن يمنح الصومال دوراً مهماً في التجارة والنقل والخدمات اللوجستية الإقليمية.

5- تطوير مؤسسات الهجرة والحدود

التكامل مع EAC يمكن أن يدفع الصومال إلى تحديث أنظمة الهجرة والجوازات والحدود، وتطوير استخدام البيانات البيومترية والأنظمة الرقمية، وتحسين إجراءات المسافرين.

وهذا لا يعني حدوداً بلا رقابة، بل حدوداً أكثر تنظيماً وذكاءً.

6- فرص للشباب

يمكن أن يستفيد الشباب الصومالي من فرص التعليم والتدريب والعمل والاستثمار في دول المنطقة. كما يمكن أن يؤدي الاحتكاك بالأسواق الإقليمية إلى نقل الخبرات والمهارات إلى الصومال.

ثانياً: الأضرار والمخاطر المحتملة

1- زيادة المنافسة على الوظائف

من أكبر التحديات أن حرية الحركة قد تؤدي إلى منافسة أكبر داخل سوق العمل الصومالي.

إذا لم يحصل الشباب الصومالي على تعليم ومهارات مناسبة، فقد تكون الشركات والمؤسسات أكثر ميلاً إلى توظيف أشخاص يمتلكون خبرات ومهارات أعلى.

لذلك فإن الانفتاح الإقليمي يجب أن يسير بالتوازي مع تطوير التعليم والتدريب المهني.

2- احتمال خروج الكفاءات

قد يستفيد الأطباء والمهندسون والمبرمجون وغيرهم من سهولة الانتقال إلى الأسواق الأكثر جذباً داخل EAC.

وهذا قد يؤدي إلى فقدان بعض الكفاءات إذا لم توفر الصومال بيئة عمل ورواتب وفرصاً مهنية قادرة على الاحتفاظ بها.

3- المنافسة على المنتجات المحلية

فتح الأسواق يمكن أن يكون فرصة للمستهلك، لكنه قد يضغط على بعض المنتجين المحليين إذا أصبحت المنتجات القادمة من دول أخرى أكثر قدرة على المنافسة من حيث السعر أو الجودة.

لذلك تحتاج الصناعات والمنتجات الصومالية إلى التطوير حتى تستطيع المنافسة داخل السوق الإقليمية.

4- تحديات الأمن والحدود

زيادة حركة الأشخاص والبضائع تعني أيضاً زيادة الحاجة إلى أنظمة أمنية وهجرية أكثر تطوراً.

وقد تستغل شبكات الجريمة المنظمة أو الاتجار بالبشر أو تزوير الوثائق أو تهريب الأشخاص زيادة الحركة إذا كانت أنظمة الرقابة ضعيفة.

ولهذا فإن حرية الحركة يجب أن تسير مع أمن الحدود، وليس على حسابه.

5- الضغط على الخدمات

زيادة حركة السكان والعمال والطلاب قد تخلق ضغطاً على بعض الخدمات العامة، خصوصاً في المدن الكبرى، إذا لم تكن هناك سياسات واضحة للإقامة والعمل واستخدام الخدمات.

6- تفاوت القدرة الاقتصادية

الدول الأعضاء ليست متساوية في حجم اقتصاداتها أو مستوى بنيتها التحتية. ولذلك فإن الشركات الصومالية الصغيرة قد تواجه منافسة قوية من شركات أكثر خبرة ورأس مالاً.

وهذا يتطلب دعماً حقيقياً للمؤسسات الصومالية الصغيرة والمتوسطة.

ثالثاً: كيف يحول الصومال المخاطر إلى فرص؟

المطلوب ليس الانغلاق خوفاً من المنافسة، ولا الانفتاح دون استعداد.

الحل هو الاستعداد للانفتاح.

ويحتاج الصومال إلى:

  • تطوير التعليم والتدريب المهني.
  • حماية وتطوير الإنتاج المحلي.
  • دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.
  • تحديث أنظمة الجوازات والهجرة والحدود.
  • تطوير أنظمة مكافحة تزوير وثائق السفر.
  • تعزيز تبادل المعلومات مع دول EAC.
  • وضع سياسات واضحة للعمالة والإقامة.
  • جذب الاستثمارات بدلاً من الاكتفاء بفتح السوق.
  • إعداد الشباب للمنافسة في سوق العمل الإقليمي.

الخلاصة

عضوية الصومال في EAC تحمل فرصاً حقيقية ومخاطر حقيقية.

فالانفتاح يمكن أن يمنح الصوماليين حرية أكبر في الحركة والعمل والتجارة والاستثمار، لكنه في الوقت نفسه سيضع الاقتصاد والعمالة والمؤسسات الصومالية أمام منافسة إقليمية أكبر.

لذلك فإن السؤال الأهم ليس: هل عضوية EAC جيدة أم سيئة؟

بل السؤال هو:

هل الصومال مستعد للاستفادة من الفرص وحماية مصالحه في الوقت نفسه؟

إذا استطاعت الصومال تطوير مؤسساتها، وتأهيل شبابها، وحماية أمن حدودها، ورفع قدرة اقتصادها على المنافسة، فإن العضوية يمكن أن تصبح أداة مهمة للاندماج الاقتصادي والإقليمي.

أما إذا تم التعامل معها باعتبارها مجرد اتفاقية للسفر دون إصلاحات داخلية، فقد تكون بعض فوائدها محدودة، بينما تصبح المنافسة والتحديات أكثر وضوحاً.

إن نجاح الصومال في EAC لن يعتمد على فتح الحدود فقط، وإنما على قوة الدولة التي تقف خلف تلك الحدود.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى