بقلم / سعيد حاشي ورسمه
عضو المفوضية الوطنية المستقلة للانتخابات بالصومال ـــ سابقا
من المحزن أن نلاحظ شابا صوماليا يحمل شهادة جامعية، قضى سنوات طويلة يبحث عن فرصة عمل تسمح له بتوظيف معرفته ومهاراته لخدمة بلاده، بينما تزداد حاجة الدولة إلى الكفاءات والخبرات في مختلف المجالات.
إن هذه الصورة، التي أصبحت تنتشر في مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا، تستحق منا انتباها جادا ومسؤولا، ليس فقط لمعالجة مشكلة البطالة بين الشباب، وإنما أيضا لحماية حق المواطن في العمل، والاستثمار في الإنسان الصومالي، والاستفادة من الطاقات والكفاءات الوطنية التي تمثل ثروة حقيقية للبلاد.
ومن هنا تتضح الحاجة إلى إنشاء سياسة وطنية محددة ومدروسة لسوق العمل، تأخذ بعين الاعتبار متطلبات البلاد الحالية والمستقبلية.
الاستثمار الحقيقي لا يقتصر فقط على إنشاء الطرق والمباني والمشاريع، بل يبدأ أيضا بالاستثمار في الإنسان؛ من خلال التعليم والتدريب والتأهيل وتوفير فرص العمل، ليصبح الشاب الصومالي قادرا على الاعتماد على ذاته والمساهمة بشكل فعال في بناء اقتصاد بلاده ومستقبلها.
فالإنسان هو من يؤسس المؤسسة، وينظم الشركة، ويشغل المصنع، ويبتكر التكنولوجيا، ويقدم الخدمة، ويقود عملية النمو.
لذا فإن تأهيل الشباب وتدريبهم وتوفير فرص العمل لهم يجب أن يكون على رأس الأولويات الوطنية، خصوصا أن الشباب يشكلون 75% من المجتمع الصومالي، وأن عدم الاستفادة من طاقاتهم يعني ببساطة هدر جزء كبير من رأس المال الوطني.
السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو: ماذا يحدث عندما يفقد الشباب الأمل؟
هذه قد تكون اللحظة الأكثر وجعا، فالشاب الذي يقضي سنوات في الدراسة، ثم يتخرج، ويبدأ البحث عن عمل دون جدوى، قد يبدأ ببطء في فقدان الأمل ويشعر بأن مستقبله ليس له مكان في وطنه.
من هنا تنطلق مغامرة البحث عن بديل، فيتوجه نحو البحر، وقد يعرض حياته للخطر في طرق الهجرة الصحراوية.
من المحزن أن نفقد شابا صوماليا في البحر أو الصحراء في حين كان يمكن، من خلال سياسة أفضل لسوق العمل، أن يكون فعالا داخل بلاده، وأن يساهم في تطوير اقتصاده ومجتمعه.
فإلى متى سيبقى شبابنا يواجه هذا الخيار المؤلم؟
مسؤولية الكفاءات في الصومال
ومن هنا، لا تقع المسؤولية على الحكومة فقط، فالصوماليون الحاصلون على شهادات متقدمة والذين يمتلكون خبرات واسعة داخل البلاد وخارجها، والذين يعملون حاليا في المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية والجمعيات الخيرية والشركات الخاصة، تتحمل عليهم أيضا مسؤولية وطنية.
لذا يجب أن تصبح ثقافة تبادل المعرفة جزءاً من العمل المؤسسي، حيث يمكن للمستشار الصومالي، والمهندس، والطبيب، والمحاسب، والإداري، والخبراء في مجالات متنوعة، أن يشاركوا في تدريب الموظفين الجدد وتأهيلهم لتولي المسؤوليات في المستقبل.
يمكن للمؤسسات أن تطبق برامج للإرشاد والتدريب أثناء العمل، مما يضمن عدم حصر الخبرة في فرد واحد، بل انتقالها لجيل جديد من الموظفين.
المعرفة التي لا تشارك مع الآخرين قد تندثر مع صاحبها، بينما المعرفة التي تنقل وتوثق وتدرس تصبح رأس مال قومي دائم.
إن حل هذه المشكلة لا يعتمد على قرارات عشوائية أو إجراءات مؤقتة، بل يتطلب استراتيجية وطنية شاملة تشارك فيها الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمؤسسات التعليمية.
من العناصر الرئيسية لهذه الاستراتيجية:
- تحديد المجالات التي تتطلب فعلا مهارات.
- توزيع العمالة حسب احتياجات فعلية لسوق العمل.
- إقامة بعض عقود الخبراء والمستشارين وفقاً لخطط محددة لتأهيل الكوادر الوطنية ونقل المعرفة والخبرة لهم.
- تحسين التعليم الفني والمهني ليتماشى مع متطلبات سوق العمل.
- تقديم برامج تدريبية تطبيقية للخريجين الجدد.
- تطوير قاعدة بيانات وطنية شاملة للوظائف والمهارات.
- تحفيز القطاع الخاص على إعداد وتوظيف الشباب من الصومال.
- قياس نتائج سياسات التشغيل بشكل دوري، وتعديلها حسب المعطيات والاحتياجات الفعلية.
كلمة أخيرة
شباب الصومال ليسوا عائقا أمام الدولة؛ بل هم ثروتها البشرية وآفاقها المستقبلية.
يحق للشاب الصومالي أن يحصل على فرصة للتعليم والعمل والنمو في وطنه، كما أنه من واجب الدولة توفير هذه الفرصة، ومن واجب المؤسسات بين دعم تدريباته، بالإضافة إلى أنه من واجب أصحاب الخبرات تبادل معارفهم معه. وهذا هو الاستثمار الذي لا ينتهي، ورأس المال الذي يجب ألا نفقده.
المشروع الذي نحتاجه اليوم هو تطوير الإنسان الصومالي المتمكن من المهارات ولديه القدرة على قيادة وطنه بنفسه.
على سبيل المثال، عند تعيين خبير أو مستشار في تخصص معين، يجب ألا تقتصر مهامه على تقديم الاستشارات والخدمات الفنية فقط، بل ينبغي أن تشمل أيضًا تدريب وتأهيل الموظفين الجدد، مما يتيح لهم اكتساب المهارات والخبرات من خلال التطبيق العملي والممارسة اليومية تحت إشرافه.
يجب أن يتم توضيح هذا الالتزام بشكل صريح في عقد العمل وفي الوصف الوظيفي ومهام الخبير أو المستشار، بحيث يعتبر نقل المعرفة والخبرة وتنمية مهارات الموظفين المحليين جزءًا أساسيًا من واجباته المهنية. يجب أن تشمل مؤشرات تقييم أدائه نجاحه في نقل خبراته ومهاراته للموظفين الذين يقوم بتدريبهم، ودرجة تطور قدراتهم و استقلاليتهم في تنفيذ مهامهم.
لذا فإن الغرض من الاستعانة بالخبراء والمستشارين ليس ملء الوظائف بشكل دائم، بل الاستفادة من معرفتهم لفترة معينة، مع تهيئة الكوادر المحلية القادرة على القيام بهذه المهام مستقبلاً، مما يساعد على تحقيق الاستدامة في سوق العمل.
وبذلك يصبح الخبير / المستشار جزءاً من مشروع تطوير القدرات الوطنية، وليس مجرد موظف يشغل مركزاً لسنوات عديدة دون أن تتشكل كفاءات ذات خبرات عالية.
نحن بحاجة إلى التحول من فكرة “احتكار المعرفة” إلى فكرة “توسيع وتكييف المعرفة ونقلها إلى مواطني الوطن”.
عديد من الأشخاص يتحدثون عن أن بعض المهن تتطلب مهارات وخبرات غير متوفرة لدى الشباب في الصومال. قد يكون هذا صحيحاً، لكنه لا يمكن أن يكون سبباً دائماً. السؤال السهل هو: كيف سيتمكن الشاب الصومالي من اكتساب الخبرة إذا لم يمنح فرصة للعمل والتدريب؟
لا يأتي الإنسان إلى الحياة وهو خبير. التجربة لا تقتصر على الشهادة الأكاديمية فحسب، بل تكتسب عبر سنوات من التعلم والتدريب والتطبيق والعمل تحت إشراف ذوي الخبرة.
كل متخصص نراه اليوم بدأ في وقت ما كموظف جديد، ثم تعلم وتطور واكتسب المهارة حتى صار خبيرا.
وبالتالي، فإن منع الشباب الصومالي من فرص العمل بحجة عدم توفر الخبرة قد يؤدي إلى حلقة مفرغة: لا عمل لأنه لا يمتلك الخبرة، ولا خبرة لأنه لم ينل عملا.
يجب كسر هذه الحلقة من خلال سياسة وطنية مدروسة.





