التصعيد العسكري في مناطق جنوب غرب الصومال: الأسباب والسيناريوهات المحتملة

مقدمة


تشهد مدينة بيدوة عاصمة ولاية جنوب غرب الصومال، في الآونة الأخيرة، تصعيدا أمنيا، وذلك على خلفية الصراع بين القوى السياسية الصومالية من نحو، وبين أطراف إقليمية من نحو آخر. يسعى كل طرف إلى تحقيق مكاسب سياسية وأمنية في المناطق الواقعة جنوب غرب الصومال ذات الأهمية الاستراتيجية لجميع الأطراف، ولا سيما لبعض القوى الإقليمية.
تتعرض مدينة بيدوة منذ الإطاحة بالرئيس السابق عبد العزيز محمد حسن لفتاغرين في 30 مارس/آذار 2026، لهجمات متكررة تشنها قوات موالية له بهدف استعادة السيطرة على المدينة. وفي المقابل تواصل الحكومة الفيدرالية دفع قوات كبيرة إلى المنطقة، معززة بالسلاح الجوي، وتنفذ الطائرات الحكومية في بعض الأحيان، رغم نفيها ذلك، هجمات جوية على مراكز القيادة والسيطرة لقوات لفتاغرين، وكان من أبرز تلك الهجمات التي استهدفت منزل جنرال مهدي، صهر الرئيس عبد العزيز لفتاغرين، في بلدة دولو الحدودية، وذلك في إشارة إلى الأهمية التي تشكلها مدينة بيدوة بالنسبة للحكومة الفيدرالية وقوى إقليمية داعمة لها.
في هذه الورقة أحاول قراءة هذه التطورات وتأثيراتها على المشهد السياسي والأمني في البلاد، بالإضافة إلى أبعادها الإقليمية والصراع الإثيوبي والمصري، والدور التركي الجديد في الصومال.
وتنطلق القراءة من أن ما يحدث في بيدوة ومناطق جنوب غرب الصومال عمومًا لا يمكن اعتباره صراعا محدودا على السلطة، وإنما هو جزء من تنافس إقليمي واسع يمكن أن يؤثر على التوازنات السياسية الداخلية وموازين القوى الإقليمية في منطقة القرن الإفريقي، وهناك احتمال بأن يتطور ويكون مقدمة لتغيرات كبرى في الصومال.


لماذا التنافس على هذه المنطقة؟


تحتل ولاية جنوب غرب الصومال موقعًا حيويًا ذا أهمية استراتيجية، ليس فقط بكونها منطقة زراعية خصبة، وإنما أيضًا إطلالتها الاستراتيجية على المحيط الهندي، وموقعها الحدودي مع إثيوبيا، الأمر الذي يجعلها محط أنظار للقوى السياسية الصومالية والقوى الإقليمية الأخرى المتنافسة.
وبالتالي سعت الحكومة الفيدرالية خلال السنوات الماضية إلى تعزيز سلطتها ونفوذها السياسي في منطقة جنوب غرب الصومال، إلا أن هذه الاستراتيجية، فيما يبدو، انتابها الاهتزاز على خلفية تباين الرؤى بين الرئيس حسن شيخ محمود وعبد العزيز لفتاغرين، حاكم جنوب غرب الصومال السابق، بشأن التنافس الإقليمي في الصومال، وغياب الثقة بين الطرفين حول طبيعة النتائج المرجوة من الانتخابات البرلمانية المقبلة، ما دفع الحكومة إلى اتخاذ قرار بإسقاطه بالقوة العسكرية بعد تعذر إزاحته بالوسائل الناعمة.
في 30 مارس/آذار 2026، أعلنت الحكومة الصومالية عن سيطرتها على مدينة بيدوة، واستقالة عبد العزيز لفتاغرين من منصبه بعد السماح له بمغادرة البلاد والسفر إلى العاصمة الكينية نيروبي. في موازاة ذلك، غادرت قوة كبيرة موالية لفتاغرين مدينة بيدوة متمركزة في المناطق البدوية المحيطة بالمدينة.
ومنذ ذلك الحين تعيش مدينة بيدوة، عاصمة ولاية جنوب غرب الصومال، في حالة من التوتر والتصعيد العسكري، في ظل غياب مؤشرات على إمكانية التوصل إلى حل سياسي لإنهاء الأزمة. وعلى العكس من ذلك، تشير المعطيات على الأرض إلى إمكانية اتساع رقعة المواجهات، مما ينذر بمرحلة جديدة من الصراع على النفوذ والسيطرة في منطقة جنوب غرب الصومال.

جنوب غرب الصومال… محور المشروع السياسي للرئيس حسن شيخ


تعد ولاية جنوب غرب الصومال في الوقت الحالي أبرز الولايات الداعمة لمشروع الرئيس حسن شيخ محمود السياسي، وبالتالي فإن سقوطها سيمثل انتكاسة سياسية وأمنية كبيرة لهذا المشروع الهادف إلى إعادة رسم معادلة جديدة في الصومال، ومؤشرا على احتمال خسارة الرئيس في الانتخابات المقبلة أمام المعارضة، وذلك في ظل إعلان المحكمة العليا في البلاد عن إلغاء نتائج انتخابات ولاية غلمدغ ومطالبتها بإعادتها، وبروز خلافات تلقي بظلالها على الانتخابات المتوقعة إجراؤها في ولاية هرشبيلي نهاية الشهر الجاري. كما أن سقوط مدينة بيدوة يمثل فرصة مهمة لقوى المعارضة الساعية إلى دفع الرئيس حسن شيخ نحو النزول من الشجرة وقبول إجراء انتخابات توافقية تحظى بقبول جميع الأطراف، بما فيها ولايتا بونت لاند وجوبالاند، اللتان تمثلان رأس حربة المعارضة.

ما هي القوى الاقليمية المتنافسة على جنوب غرب الصومال؟


إضافة إلى ما سبق، تشتد حدة التنافس على ولاية جنوب غرب الصومال بين قوى إقليمية تتقاطع أو تتعارض مصالحها في الصومال، أبرزها: تركيا ، ومصر، وإثيوبيا. فالأولى لديها علاقات وثيقة مع الحكومة الصومالية الفيدرالية، معززة بالعديد من الاتفاقيات، وخصوصا فيما يتعلق بالتعاون العسكري والأمني والاقتصادي، وتسعى إلى ترسيخ نفوذ دائم داخل مؤسسات الدولة الصومالية، وبما يسمح لها التصرف بشكل منفرد بالاستغلال من ثروات الصومال. كما هو معروف، تدعم تركيا وحدة “النسر”، أبرز الوحدات الخاصة في الجيش الصومالي، تدريبا وتسليحا، والمقدرة عددها بـ4000 جندي، وهي اليد الطولى للحكومة الفيدرالية للوصول إلى المناطق الحساسة، وخصوصا المناطق الحدودية مع كينيا وإثيوبيا. ووفق بعض التقارير، تعمل تركيا على تعزيز حضورها العسكري في مدينة بيدوة من خلال توسيع مطار بيدوة وإنشاء مدرج خاص لطائرات أف 16 التركية وحظائر ومنشآت داعمة. وأضافت التقارير إلى أن تركيا عقدت اتفاقية مع شركة محلية لبناء المدرج والمنشآت العسكرية الأخرى. كما أشارت التقارير أيضًا إلى سعي تركيا إلى توسيع حضورها السياسي والعسكري في منطقتي شبيلي السفلى والوسطى القريبتين من العاصمة مقديشو، والحصول على موطئ قدم لها في منطقة كسمايو الساحلية التي يمر بها خط الاستواء. أما مصر فعينها على الحدود مع إثيوبيا منذ إبرام اتفاقية مع الصومال في شهر أغسطس عام 2024م ونشرها أكثر من 1000 جندي مصري في مقديشو، كما تتحدث بعض التقارير بغية التأثير على ما يجري داخل إثيوبيا، وخصوصًا في المناطق الأورومية والصومالية، ولذلك في حال استقر الأمر في مناطق جنوب غرب الصومال لصالح الحكومة الصومالية الحالية، فإن ذلك سيمنحها فرصة مهمة للعب دور فيما يجري في إثيوبيا.
وبالنسبة لإثيوبيا، تساورها شكوك تجاه العلاقة المتنامية بين الصومال ومصر، ولا سيما في ظل إمكانية توظيف هذه العلاقة كورقة ضغط في مسار النزاع المائي بين البلدين. وفي هذا الإطار، ينبغي الإشارة إلى أن إثيوبيا تنظر، منذ انهيار الدولة الصومالية عام 1991، إلى مدينة بيدوة باعتبارها منطقة نفوذ ذات أهمية استراتيجية وجزءا من منظومة أمنها القومي، وبالتالي لا تبدو مستعدة للتخلي عن نفوذها في المنطقة لصالح قوى إقليمية أخرى.


مآلات الصراع والسيناريوهات المحتملة


على الرغم من تقديرات أطراف مؤيدة للحكومة الفيدرالية بشأن صعوبة سقوط مدينة بيدوة في أيدي القوات الموالية لعبد العزيز لفتاغرين، إلا أن الأخيرة تتبع استراتيجية تقوم على الاستنزاف التدريجي. ويتجلى ذلك بشكل واضح عبر الهجمات التي تشنها على القوات الحكومية المنتشرة في أطراف المدينة، بهدف دفعها إلى الانسحاب أو الانهيار جراء الضغوط العسكرية، وأنها تعول على مسألتين رئيسيتين: الأولى استمرار الخلافات السياسية بين الحكومة والمعارضة بشأن الانتخابات وما قد يترتب عليها من تفاقم في الوضع الأمني بالبلاد، والثانية الدور الإثيوبي. تراقب إثيوبيا الوضع الأمني في مدينة بيدوة عن كثب وتبدي شكوكها حول دور مصري محتمل في المنطقة. ولذلك، في حال قررت إثيوبيا الانخراط في هذا الصراع بصورة أكثر وضوحا، فقد يمنح ذلك قوات لفتاغرين فرصة لتحقيق مكاسب عسكرية، وبما قد يمكنها من استعادة السيطرة على المدينة والعودة إلى السلطة.
والجدير بالإشارة في هذا السياق أن إعلان عشائر في محافظة شبيلي السفلى انفصال الإقليم عن ولاية جنوب غرب الصومال، وسيطرتها على مدينة مركه عاصمة المحافظة، من شأنه أن يساهم في تعقيد المشهد أمام صناع القرار في مقديشو وبيدوة؛ لأنه من الصعوبة بمكان التعامل مع جبهتين في آن واحد، في ظل ما يفرضه ذلك من ضغوط أمنية وعسكرية وسياسية متزامنة.
وبناء على هذه المعطيات، يمكن القول إن هناك أربعة سيناريوهات رئيسية محتملة لمسار ومآلات الصراع في ولاية جنوب غرب الصومال:
1- أن تنجح الحكومة الفيدرالية في تحقيق أمرين أساسيين، أولهما: الحفاظ على ولاء العشائر في مناطق باي وبكول ودفعهما إلى القتال إلى جانبها ضد قوات لفتاغرين، والأمر الثاني يتمثل في إقناع إثيوبيا باتخاذ موقف محايد لما يجري في المنطقة والامتناع عن دعم لفتاغرين أو توفير بيئة آمنة للإمدادات. في حال تمكنت الحكومة من تحقيق هذين الشرطين، فإن نظام آدم مذوبي سيبقى في تلك المنطقة لفترة طويلة، لكن كثيرين يبدون شكوكهم حيال ذلك، وخصوصا فيما يتعلق بموقف إثيوبيا والاستعداد للحفاظ على الحياد تجاه الصراع.
2- السيناريو الثاني: حدوث تصدعات وانشقاقات داخل جبهة الحاكم الجديد للولاية، ما يمهد الطريق لدخول قوات لفتاغرين إلى مدينة بيدوة. وهذا يعد احتمالًا واردًا بدرجة كبيرة، نظرًا لطبيعة وتركيبة النظام الجديد في بيدوة واعتماده الكبير على دعم الحكومة الفيدرالية، الأمر الذي قد يجعله أكثر عرضة للضغوط والانقسامات الداخلية في حال تراجع هذا الدعم أو تعرضه لاختبارات سياسية وعسكرية.
3- السيناريو الثالث: أن يتشكل تحالف بين لفتاغرين وميليشيات مسلحة في مناطق أخرى، بما يؤدي إلى اتساع رقعة الاشتباكات واستمرار الصراع لفترة طويلة.

4- السيناريو الرابع : أن تنجح المحاولات السرية الهادفة إلى اقناع رئيس ولاية جنوب غرب الصومال السابق لفتاغرين أو بعض أعوانه ومقربين منه بالتنازل ، .وقبول التفاوض مع حاكم الولاية الجديد آدم مذوبي في بيدوة لإنهاء القضية بالطرق الدبلوماسية

زر الذهاب إلى الأعلى