قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36].
قد اختار الله تعالى من الأزمنة أزمنةً خصَّها بفضلٍ وتعظيمٍ وتكريم، ومن ذلك الأشهر الحرم، قال سبحانه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: 68].
تعالوا نتعايش مع آية من آيات القرآن الكريم، نتأمل ما فيها من المعاني، ونتفكر في أحكامها الشرعية التي تحملها في مضمونها ومنطوقها، ونتدبرها لتكون لنا تذكرةً وعظة: قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36].
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾، والعدة من العدد، وهي بمعنى المعدود، كما في قوله تعالى:
﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: وما جعلنا عددهم إلا فتنةً للذين كفروا.
والشهور: جمع شهر، والمعنى: إن عدد الشهور عند الله، أي في حكمه وقضائه، اثنا عشر شهرًا مع العلم أن المراد بها هنا الشهور التي تتألف منها السنة القمرية أو الهلالية، وهي الشهور التي يعتد بها المسلمون في صيامهم وحجهم وأعيادهم وسائر أمورهم، وهي: المحرم، وصفر، وربيع الأول، وربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
وقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، أي: فيما كتبه الله سبحانه وأثبته في اللوح المحفوظ، وأوجب على عباده العمل به منذ خلق السماوات والأرض.
وفي هذا بيان أن كون الشهور اثني عشر شهرًا حكمٌ أثبته الله تعالى في كتابه الذي كتب فيه كل ما هو كائن في قضائه وقدره، وأن عليها مدار الأحكام الشرعية، قال سبحانه: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، أي: إن هذه الشهور الاثني عشر منها أربعة أشهر حرم، كانت الجاهلية تعظمها وتحرم القتال فيها، وهي: رجب مضر، وثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
والحكمة في تحريمها: أنها شُرعت لأجل أداء مناسك الحج والعمرة؛ فحُرِّم قبل شهر الحج شهر ذو القعدة لأن الناس يقعدون فيه عن القتال، وحُرِّم ذو الحجة لأنهم يؤدون فيه الحج ويشتغلون بالمناسك، وحُرِّم بعده شهر المحرم ليرجع الناس فيه إلى بلادهم آمنين، وحُرِّم رجب في وسط العام لأجل زيارة البيت والاعتمار لمن يأتي إليه من أقصى جزيرة العرب ثم يعود إلى وطنه آمنًا، كما قال ابن كثير رحمه الله.
ولهذا كانت العرب في الجاهلية تعظم حرمة هذه الأشهر الأربعة، غير أنهم كانوا يتلاعبون بها في بعض الأحوال، فيؤخرون المحرم إلى صفر، وصفر إلى ربيع الأول، وهكذا، حتى يقع الحج في غير وقته. فلما حج النبي ﷺ في حجة الوداع كان ذو الحجة في موضعه، فقال ﷺ في خطبته المشهورة: «إنَّ الزمانَ قد استدارَ كهيئتِه يومَ خلقَ اللهُ السماواتِ والأرضَ، السنةُ اثنا عشرَ شهرًا، منها أربعةٌ حُرُم، ثلاثةٌ متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجبُ مضرَ الذي بين جمادى وشعبان» متفق عليه من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
وسمَّاه النبي ﷺ رجب مضر؛ لأن بعض قبائل العرب كانت تغير أسماء الأشهر وتبدلها، فكانت قبيلة مضر تحرم رجبًا في موضعه بين جمادى وشعبان، فخصه النبي ﷺ بهذا الوصف.
والمعنى من تعظيم الله تعالى تعظيمها نعظم ما عظَّمه سبحانه، فإن هذه الأشهر عظيمة القدر والمكانة في شرع الله، ومن تعظيم المؤمن لربه أن يعظم حرماته وشعائره، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30] كما قال سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
وإذا كان أهل الجاهلية يعظمون هذه الأشهر بالامتناع عن القتال فيها، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه فلا يؤذيه ولا يعتدي عليه؛ فإن المؤمن أولى بتعظيمها، لا تقليدًا، بل تعبُّدًا واتباعًا لما شرعه الله ورسوله ﷺ إذ أن النبي ﷺ كان يبين لأصحابه حرمة الأزمنة والأمكنة، ويعلمهم تعظيمها حيث كان يقول في خطبته ليوم النحر: «أيُّ يومٍ هذا؟… أيُّ شهرٍ هذا؟… أيُّ بلدٍ هذا؟… فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا…» رواه البخاري.
وفي هذا الحديث إقرار النبي ﷺ لحرمة الأشهر الحرم وتحديدها، وهي الأشهر التي كان أهل الجاهلية يمتنعون فيها عن القتال.
ولهذا قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. أي: إن ما أخبر الله به من كون الشهور اثني عشر شهرًا، ومنها أربعة حرم، هو الشرع المستقيم، وما يجب على المؤمن امتثاله من تعظيم ما عظمه الله.
وأما قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ فمعناه: لا تظلموا أنفسكم بفعل المعاصي وترك الطاعات؛ ولهذا قال قتادة رحمه الله: “العمل الصالح أعظم أجرًا في الأشهر الحرم، والظلم فيهن أعظم من الظلم فيما سواهن، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا” وهكذا فسره ابن عباس رضي الله عنهما: المراد النهي عن استحلال الحرام والغارة فيهن.
وقد اختلف العلماء في عود الضمير في قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾، فقيل: يعود إلى جميع الشهور الاثني عشر، أي لا تظلموا أنفسكم في جميع السنة بفعل ما نهى الله عنه، وقيل: يعود إلى الأشهر الأربعة الحرم، لأنها خُصَّت بمزيد من التعظيم والتشريف.
وقال الشيخ السعدي رحمه الله: يحتمل أن يكون الضمير عائدًا إلى الأشهر الحرم، وأن النهي عن الظلم فيها مخصوص بزيادة التحريم، لأن الظلم فيها أعظم من غيرها.
ومن مسائل ذلك: حكم القتال في الأشهر الحرم، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن تحريمه باقٍ، واستدلوا بالنصوص الواردة في ذلك، وذهب آخرون إلى أن تحريمه نُسخ بعموم الأمر بقتال المشركين، وحملوا قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ على أنه أمر بالاجتماع والتحزب على من يقاتل المسلمين، وأن قتالهم يكون بحسب اجتماعهم وعدوانهم.
وقال ابن كثير رحمه الله: يحتمل أن تكون الآية مستأنفة في الحض والتحريض على اجتماع المسلمين في مواجهة المشركين، ويحتمل أنها أذنت بالقتال في الشهر الحرام إذا بدأ المشركون بالقتال، كما قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.
ثم ختم الله الآية بقوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. أي: اعلموا أن الله مع أهل التقوى بعونه ونصره وتأييده، فاحرصوا على تقوى الله في السر والعلن، والقيام بطاعته، ولا سيما عند الشدائد ومواطن القتال، فإن الإنسان قد يضعف عن التقوى في مثل هذه الأحوال، والمؤمن مأمور بأن يلتزم حدود الله في كل حال.
بقلم: علي أحمد محمد المقدشي





