صفةُ الرعوية أو البداوة من أقبح الصفات التي قد تُوصَف بها أمة أو مجتمع، ومدى ابتعاد المجتمع عن البداوة يرتبط بازدهاره في جميع جوانب حياته. وسِمة البداوة مرهونة بالتربية ونشأة المرء، ولا تكاد تفارق الشخص ولو كان يعيش في أزهر بقعة في العالم.
الجانب السياسي
قدَّمتُ هذا الجانب لأن السياسة هي القيادة، وهي التي تُصلح مشكلات المجتمع أو تُفسده، فهي كالقلب في الجسد؛ إذا صلح صلحت جميع مكونات الحياة الصومالية، وإذا فسد فسدت كذلك. والسياسة من: ساس يسوس، أي يدير. وقد قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:
«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي».
والسياسة هي إصلاح أمور الدنيا بالدين، ولا يصلح لها إلا الصالحون العارفون بحقوق الله عليهم وحقوق العباد، وهذا هو الأصل.
لكن سياسة الصوماليين مغايرة تمامًا لما ذكرنا؛ لذا فإن سياسة الصومال تحتاج إلى عقلية مغايرة، عقلية تُشبه سياسات العالم المتحضر، لأننا جعلنا أمورنا القيادية مرتبطة بالقبلية، ونظام 4.5 السائد في البلاد، وهذا من صفات الطابع الرعوي لدى الصوماليين.
والجدير بالذكر أننا إذا احتجنا إلى طبيب يداوي أو مهندس يبني البيوت اخترنا الأفضل، ولم نختر الأقرب نسبًا، ولا يفكر أحد في المحسوبية أو القبلية. لكن إذا تعلق الأمر بالسياسة والشأن العام، فسرعان ما نفكر بعقلية القبيلة. لذا فالمجتمع الصومالي يرى الممتلكات الفردية أهم من الممتلكات العامة؛ فالرجل يعمل في شركته الخاصة بأفضل وسيلة يعرفها، خاليًا من الرشوة والسرقة، أما إذا تولى منصبًا في الدولة فإنه قد يعمل بأسوأ وسائل الفساد والرشوة والنهب، والأدهى أن هذا الفكر أصبح مقبولًا لدى بعض أفراد المجتمع، وهذا دليل على غياب الوعي بأهمية الممتلكات العامة.
وفي الصومال عمومًا، ليست جميع المناطق سواءً في التعامل مع الجانب السياسي، فبعضها أفضل من بعض. فشمال الصومال أفضل نسبيًا من جنوبه؛ إذ تُقام فيه انتخابات حرة يختار الشعب فيها رؤساءهم كل خمس سنوات، وإن كانت لا تخلو من السياسة القبلية، فالأحزاب السياسية في الشمال (صومال لاند) مبنية أيضًا على القبلية.
وقد قال الكاتب عباس محمود العقاد في كتاب الإسلام وحضارة الإنسانية نقلًا عن الكاتب إ. م. لويس:
«وأهم ما في الكتاب من وجهة النظر إلى الحياة العصرية تحقيق المؤلف عن الأحزاب السياسية وأسباب التقارب أو التباعد بين أعضائها، وخلاصته أن العصبية القبلية هي الصلة الكبرى التي تربط بين الهيئات السياسية في الشمال، وأن العوامل المحلية ونفوذ الشخصيات التي تهيمن عليها تحل محل هذه الصلة في الأقاليم غير الرعوية، وأن المذاهب الأوروبية التي نجحت في اجتذاب بعض الصوماليين إليها إنما نجحت لتوكيدها شريعة المساواة بين الأجناس البشرية أو لتوكيدها مبادئ الديمقراطية بين الحكومات ورعاياها، ولا يخفى أثر الإسلام في كل عامل من هذه العوامل بين المسلمين وغير المسلمين».
ولا يمكن أن تجتمع القبلية وسياسة الناس؛ لأن النظام القبلي يخدم أفراد القبيلة المحدودة، ولا يُرجى من المسؤول الذي انتُخب بنظام قبلي أن يخدم جميع أفراد الوطن. أما إذا انتُخب بطريقة عامة، وكان المواطنون سواءً في الترشيح والانتخاب، بعيدًا عن القبلية، فإننا سنختار مسؤولًا يعرف حقيقة مسؤوليته ويخدم جميع أفراد المجتمع. لذا فعلى المجتمع الصومالي أن يفيق ويرتقي عن هذا النظام الرعوي، وينتقل إلى نظام حضاري.
وفي أواخر القرن الماضي تولى العسكر حكم الصومال عبر انقلاب، وحكموا البلاد أكثر من عشرين سنة. لكن تخبط نظام محمد سياد بري في إدارة المسؤولية؛ إذ حارب الرابط المتين والعروة الوثقى للمجتمع الصومالي، وهو الدين، وأخذ بدلًا من ذلك بالنظام الاشتراكي الذي لا يوافق الطابع الرعوي الصومالي ولا الوازع الديني للمجتمع. ولهذا انهار النظام في نهاية المطاف، وانساقت البلاد إلى نعرات قبلية جاهلية.
وكل ذلك كان نتيجة للطابع الرعوي في نفس قيادة الثورة؛ فالقيادة الواعية والحضارية تفهم عقيدة المجتمع الذي تحكمه، وتدرك صفاته المتجذرة عبر التاريخ. لكن قيادة الثورة لم يكن لديها فهم واضح لمعتقدات الشعب، ولا لعواقب الاشتراكية الماركسية التي تبنتها، وهل يتقبل المجتمع الصومالي ذلك الفكر أم لا. وهذه أسئلة لم يطرحوها على أنفسهم.





