جذور الإسلام في شرق أفريقيا: قراءة نقدية في الروايات العُمانية

والمعروف أن الإسلام وصل من جزيرة العرب إلى شرق أفريقيا منذ عهد الصحابة، بدءًا بالهجرتين الأولى والثانية إلى الحبشة، ومنذ ذلك الحين لم تزل آثار هاتين الهجرتين بادية في تلك المنطقة. ثم تتابعت الهجرات لاحقًا، ولا سيما من مصر إبّان الصراعات السياسية بين الأمويين والعباسيين، حيث كانت شرق أفريقيا –وخاصة المناطق الساحلية المحاذية لمصر– موضع استقرار لكثير من تلك الهجرات، أو محطة عبور نحو شمال وغرب أفريقيا حيث أسهم ذلك في تكوين كثافة إسلامية ملحوظة في تلك السواحل، تعزّزت باندماج الوافدين مع السكان المحليين، في ظل ما اتسم به الطرفان من أخلاق طيبة وروح من التسامح الديني.

فهناك تأسست مدن وقرى عديدة استوطنها الطرفان معا كأمة مسلمة واحدة، وعاشوا فيها حياةً مندمجةً اندماجًا كاملًا، نشطت فيها الحركة التجارية والثقافية، مما جعل تلك المنطقة مأوى لكل مسلمٍ وتاجر، حتى تكوَّن مجتمعٌ متماسك متقارب في ملامحه ولونه، بل وحتى في لغته؛ إذ نشأت في تلك البيئات لغات متعددة إلى جانب الحبشية والعربية. ثم انتشر هؤلاء في المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر والمحيط الهندي، من أوفات (عفت) إلى مقديشو ولامو، حتى بلغت طلائعهم موزمبيق في وقت مبكر، حيث أقاموا هناك ممالك إسلامية، من أشهرها ممالك الطراز الإسلامية، وسلطنة مقديشو بقيادة قبيلة الأجوران، التي كان لها دور بارز في انتشار الإسلام على ساحل شرق أفريقيا إلى مزنبيق.

غير أن بعض الكُتّاب من العمانيين ذهبوا إلى القول بأنهم أصحاب الدور الرئيس في نشر الإسلام أو في بناء تلك الممالك، بل زعم بعضهم أنهم كانوا سببًا في إدخال قبائل الأجوران في الإسلام، مع إقرارهم في الوقت نفسه بوجود الإسلام في تلك المناطق قبل قدومهم، حين وفدوا إليها في بادئ الأمر لاجئين. ولا شك أن للعمانيين دورًا مهمًا لاحقًا، خاصة بعد تولّيهم الحكم في بعض المناطق مثل باتا وممباسا، حيث أسهموا في تقليص نفوذ الأجوران في تلك الجهات، وذلك نتيجة اندماجهم وانخراطهم في المجتمعات والقبائل الإفريقية، مما رجّح كفّتهم في تلك المناطق، في حين كانت القبائل الصومالية –في تلك المرحلة، وإلى حدٍّ ما حتى اليوم– تميل إلى قدر من التحفّظ تجاه الاختلاط بالأمم الأخرى.

غير أنه من المؤسف أن يذهب بعض الكُتّاب إلى الادعاء بأن الوافدين من عُمان هم أول من نشر الإسلام في شرق أفريقيا، بل تمادى بعضهم إلى الزعم بأن قبائل الأجوران دخلت في الإسلام على أيدي أفراد وافدين من عُمان، في محاولة لإضفاء فضلٍ لم يثبت لهم تاريخيًا. وفي المقابل، يذكر التاريخ أن أوّل من هاجر إلى شرق أفريقيا من العمانيين هما (سليمان وسعيد ابنا عباد الجُلندى) من آل الجُلندى، وذلك فرارًا من بطش جيش الحجاج بن يوسف الثقفي عام (82هـ)، حيث توجّها إلى أرخبيل «لامو» الكائن حاليًا في كينيا على الساحل الأفريقي، والتي كانت آنذاك تحت حكم سلطنة الأجوران صاحبة الفضل بنشر الإسلام في القبائل الوثنية في تلك المناطق مما جعلها موضعًا مناسبًا للهحرة واللجوء لكل مسلم من الجزيرة ومن الفارس وغيرها من الأراضي الإسلامية

وأما الأسرة الحارثية والإخوة السبعة وغير من الوافدين مثل الشيرازيين، فلم يكونوا إلا وافدين إلى مقديشو أو نزلاء وتجارًا، وكان دورهم يقتصر على التحالف مع السلاطين الصوماليين. إذ ظلّ الحكم في مقديشو عبر العصور منذ نشأتها بيد سلاطين صوماليين، مثل سلطنة الأجوران وسلطنة هراب، حتى أواخر القرن الثامن عشر، إلى أن برز لاحقًا نفوذ سلاطين زنجبار العُمانيين في أجزاء من السواحل الصومالية الجنوبية، ومنها بعض أحياء مقديشو الساحلية مثل حمروين وشنغاني، حيث أقاموا في تلك الأحياء تحصيناتٍ وسورًا عازلًا فصل تلك المناطق عن بقية المدينة التي كانت خاضعة لسلطنة قبائل هراب بقيادة إمام آل يعقوب الأبغالي.

وقد كان للجدار العازل الذي بناه العُمانيون في مقديشو حكاياتٌ كثيرة، سواء في فترة وجودهم أو بعد انتقال السيطرة إلى المستعمر الغربي، الذي حوّله بدوره إلى وسيلةٍ للفصل العنصري؛ إذ لم يكن يُسمح لأصحاب البشرة السمراء بالاقتراب منه، فضلًا عن دخوله، إلا لمن مُنح رخصةً خاصة للدخول في أوقاتٍ محددة من النهار، في حين كان يُحظر عليهم المبيت داخله ليلًا.

وقد تولّى أول نائب للسلطان في تلك الأحياء من مدينة مقديشو عام 1807م، وكان يُدعى سليمان بن أحمد، وقد لقّبه الصوماليون بـ«الدوين» (أبو عيون كبيرة). واستمر هذا النفوذ حتى عام 1888م، حين بدأت نهايته، وظهرت مرحلة جديدة تمثّلت في خضوع المنطقة للاستعمار الغربي، بعد أن آلت السيطرة على المدينة إلى القوى الاستعمارية عبر مفاوضاتٍ طويلة جرت بين العمانيين وتلك القوى، وانتهت إلى تنازل العمانيين عن نفوذهم في تلك الأحياء من المدينة مقابل ثمنٍ بخسٍ محدود كان يُدفع بصورة سنوية.

وقد كان الصراع بين العمانيين وسلطنة هراب محتدمًا في مقديشو منذ البداية وحتى مجيء الاستعمار الغربي، ولم يهدأ يومًا، بل امتدّ إلى مناطق أخرى مثل مركة، وعدلي، وهوبيو، حيث كان يمتلك العمانيون بنادق وقوارب وعساكر شبه نظامية وعبيد مرتزقة،، فضلا عن ذلك كله تحالفوا مع بعض القبائل الصومالية، مثل قبيلة المحيرتين بقيادة السلطان يوسف كيندي وابنه علي، وقبيلة الجنلدي حيث شهدت تلك المواجهات أحداثًا دامية أودت بحياة كثيرين من أتباع السلطنة، الذين كانوا يدافعون عن أرضهم بوسائل بسيطة كالرماح والنبال بصدور عارية، في ظل غياب الأسلحة النارية لديهم آنذاك التي عند غيرهم من العمانيين والقبائل المتحالفة معها .. وسنفصل تلك الأحداث الدامية والجرائم التي ارتكبت ضد سكان تلك المناطق الساحلية من أتباع سلطنة هراب بمقال مستقل بإذن الله تعالى.

بقلم: علي أحمد محمد المقدشي

زر الذهاب إلى الأعلى