التوسعات الأورومية وأثرها في الوجود الصومالي بالقرن الإفريقي: قراءة في التاريخ والذاكرة الشفوية

لقد رأيت بعض القوميين المعاصرين من مثقفي الأورومو قد حنقوا عليّ بسبب استدلالي في مقدمة مقالي السابق بما أورده الراهب والمؤرخ الحبشي بحري (Bahrey)، الذي يُعدّ مؤلفه المعروف باسم Zenahu le Galla، العائد إلى نحو سنة 1593م، شهادةً تاريخية قريبة زمنيًا من أحداث التوسعات الأورومية الكبرى التي شهدها القرن السادس عشر.

ولم يكن استدلالي به بقصد الاستفزاز، وإنما لما رأيته من أهمية مؤلفه في مساعدة الباحث على فهم الكيفية التي وصف بها أحد الكتّاب القريبين زمنيًا من تلك الأحداث التحركات الأورومية، وتنظيم الجماعات المشاركة فيها، وتأثيرها في القوى السياسية القائمة آنذاك.

وكان ذلك مع علمي بأن بحري ليس بالضرورة مصدرًا محايدًا؛ لأنه كتب من داخل بيئة دينية وسياسية حبشية تأثرت بتلك الصراعات، فضلًا عن إدراكي أن التسمية التاريخية الواردة في عنوان مؤلفه تُعدّ اليوم مسيئة لدى كثير من الأورومو.

ولم يكن قصدي تبنّي أفكاره وأحكامه دون تمحيص، وإنما أردت من الاستشهاد بما نقله إثبات أن الحديث عن التحركات الأورومية في القرن السادس عشر ليس اختراعًا حديثًا، مع التأكيد على ضرورة إخضاع روايته للنقد التاريخي، وعدم التسليم بجميع أحكامه وتفسيراته.

ومما يؤيد ذلك أنني استندت بعده مباشرة في مقالي السابق إلى المؤرخ الأورومي محمد حسن (Mohammed Hassen)، الذي تصدّى لنقد التصورات القديمة عن تاريخ الأورومو في كتابه The Oromo and the Christian Kingdom of Ethiopia, 1300–1700، وهو كتاب يتناول التاريخ الأورومي في إطار زمني أوسع من القرن السادس عشر.

وقد ميّز محمد حسن بين الوجود الأورومي السابق للتوسعات الكبرى وبين التحركات العسكرية والسياسية والسكانية التي شهدتها الفترات اللاحقة.

ولم يكن قصدي من الجمع بين الاستشهاد بالمؤرخين بحري ومحمد حسن إلا بيان حدوث توسعات أورومية في القرن السادس عشر، على حساب ممالك الحبشة المسيحية، وكذلك على حساب الممالك والسلطنات الإسلامية التي شاركت قبائل صومالية وعفرية في قيادتها بالمنطقة، ومنها سلطنة عدل وسلطنة الأجوران.

ومما يعزز وجاهة ما ذهبت إليه أن المصادر التاريخية، في حدود ما وقفت عليه منها، لم تسجل صراعًا بين الصوماليين والأورومو قبل القرن السادس عشر؛ إذ لم تكن مناطق التماس بينهما قد اتسعت إلا مع التوسعات الأورومية نحو المناطق التي تسكنها القبائل الصومالية. وفي المقابل، كانت الصراعات بين المملكة الحبشية المسيحية، المرتبطة تاريخيًا بالأمهرة والتغراي، وبين الممالك والسلطنات الإسلامية ذات الصلات التاريخية بالصوماليين والعفر، قد تواصلت في القرن الإفريقي قرونًا قبل تلك التوسعات.

كما أن الصراعات التاريخية التي خاضتها الممالك والسلطنات الإسلامية ذات الصلات الوثيقة بالقبائل الصومالية ضد المملكة الحبشية، قبل التوسعات الأورومية الكبرى في القرن السادس عشر، تشهد على الحضور الصومالي السياسي والعسكري في مناطق واسعة من القرن الإفريقي، بما فيها سهول الحبشة ومرتفعاتها. وقد بلغ هذا الحضور ذروته خلال حملات الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي، التي امتدت إلى أعماق الأراضي الحبشية وتخوم شَوَى. ومن ثم، فإن تصوير الصوماليين بوصفهم وافدين حديثين إلى المنطقة يتجاهل تاريخًا طويلًا من الحضور والتفاعل والصراع، وإن ظل تحديد مواطن الاستيطان وحدودها في كل مرحلة مسألة تستلزم دراسة الشواهد التاريخية الخاصة بها.

وكذلك فإن قيام سلطنتَي الأجوران ومقديشو، وما تمتعتا به من نفوذ سياسي واقتصادي وتجاري في مناطق واسعة من شرق إفريقيا، ولا سيما حوض نهر شبيلي والمناطق الواقعة بين نهري شبيلي وجوبا، فضلًا عن ارتباطهما بالموانئ الساحلية وشبكات التجارة البحرية الممتدة عبر المحيط الهندي إلى آسيا، يقدّم شاهدًا تاريخيًا مهمًا على رسوخ الوجود الصومالي في المنطقة. فقد نشأت في ظل هذه السلطنات كيانات سياسية ومراكز تجارية ومجتمعات إسلامية ذات صلات تاريخية وثيقة بالصوماليين، قبل التوسعات الأورومية الكبرى في القرن السادس عشر. ومن ثم، فإن هذا الحضور السياسي والسكاني والاقتصادي، وما ارتبط به من نفوذ إقليمي وعلاقات تجارية واسعة، يدحض تصوير الوجود الصومالي في شرق إفريقيا بوصفه وجودًا طارئًا أو حديث العهد.

وفي هذا السياق تبرز أهمية ما سطّره المؤرخ إي. آر. تورتون (E. R. Turton) في دراسته المنشورة سنة 1975م عن التحركات السكانية في منطقة جوبا–تانا؛ إذ تستمد هذه الدراسة أهميتها من تركيزها الجغرافي على المنطقة الممتدة بين نهري جوبا وتانا، وهي منطقة محورية لفهم العلاقات التاريخية بين الجماعات الصومالية والأورومية وغيرها من الجماعات التي استوطنت تلك الأنحاء.

وقد قدّم تورتون إعادة تقييم لتسلسل التحركات السكانية في تلك المنطقة، وتناول العلاقات التاريخية بين الغَرّي والأورما وجماعات أخرى، وأشار إلى أسبقية وجود الغَرّي، أو أسلافهم، في أجزاء من المنطقة على وصول جماعات الأورما التي تناولتها دراسته.

وكان قصدي من الاستشهاد به تقديم إطار بحثي لمناقشة التحركات السكانية التي شهدتها هذه المنطقة، والتي ما تزال آثارها ممتدة إلى يومنا هذا، مع إبراز ما أورده تورتون بشأن أسبقية وجود قبيلة الغَرّي العريقة، المنسوبة في الموروث النسبي الصومالي إلى قبائل سَمال، في النطاق الجغرافي والتاريخي الذي درسه. فقد تناول كذلك ما ارتبط بالتوسعات الأورومية من تغيرات ديموغرافية في المنطقة، وما صاحبها من تراجع انتشار بعض جماعات الغَرّي والبانتو في مناطق كانت تقطنها، وانتقالها إلى مناطق أخرى.

ولا أخفي أن من مقاصدي في إيراد هذه الشواهد التاريخية تذكير بعض القوميين الأوروميين، الذين يروّجون روايات مخالفة لما تثبته المصادر التاريخية، يزعمون فيها أن الصوماليين مجرد وافدين حديثين إلى تلك المناطق، وأنها كانت أراضي أورومية خالصة انتزعها الصوماليون بالقوة في عهد الممالك الإسلامية المعروفة بممالك الطراز، محاولين تقديم هذه الادعاءات بوصفها حقائق تاريخية مسلَّمة دون إقامة الدليل عليها.

وقد بلغ الأمر ببعض أصحاب هذه الطروحات أن استشهدوا بأسماء مدن ومناطق صومالية عديدة، منها هرجيسا وعبود واق، بل وحتى مقديشو وجيجيغا وغاريسا ، محاولين تفسير أسمائها على أنها دليل على انتمائها التاريخي إلى الأورومو، ومتجاهلين ما تضمنته المصادر التاريخية من شواهد على الوجود الصومالي القديم في مناطق واسعة من القرن الإفريقي، تمتد، بحسب ما تثبته روايات وشواهد تاريخية، من مدينة الجبرتي أو الجبرة، وزيلع، وهرر، وهواش، ودير داوا، وصولًا إلى منطقة الوقعة عند تخوم أديس أبابا الحالية، وكذلك منطقة مويالي الى ضفاف نهر تانا الكيني قبل موجات التوسع الأورومي التي شهدها القرن السادس عشر وما تلاه.

وقد كثرت في أوساط بعض السياسيين والمثقفين الإثيوبيين، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تصريحات وكتابات وخطابات ذات طابع تحريضي، تشكك في الحقوق التاريخية للصوماليين في أراضيهم ومدنهم. ومن ذلك ما نُسب إلى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في حديثه عن مدينة زيلع، وما أُثير بشأن تصريحاته عن مدينة دير داوا ووصفها بأنها مدينة أورومية.

وكذلك الحال في مدينة بالي، التي تشهد، بحسب ما يُثار بشأنها، محاولات لإحداث تغيير ديموغرافي ممنهج وقسري، تترافق مع نشر دعايات مغرضة تسعى إلى نفي صلاتها التاريخية بالصوماليين، وتهميش حضورهم وامتدادهم التاريخي فيها.

وليست مدينة مويالي ببعيدة عن هذه التطورات؛ إذ تتصاعد بشأنها خطابات ومحاولات للتشكيك في الحضور الصومالي المتجذر فيها، وفي الحقوق التاريخية والاجتماعية والسياسية للصوماليين في تلك المدينة، بما من شأنه تأجيج التوتر وإثارة النزاعات بين الجماعات السكانية المتجاورة.

ولذلك لم يكن قصدي من ذكر تلك الأحداث واستحضار تلك الوقائع التاريخية إلا التذكير بما كانت عليه أحوال شعوب المنطقة، وما شهدته من صراعات وتحولات، وما كان للإسلام من دور في جمع شمل قطاعات واسعة منها، وإقامة روابط دينية واجتماعية وثقافية بينها امتدت عبر القرون. وما تزال الذاكرة الجماعية للشعب الصومالي تحتفظ بكثير من الروايات المتعلقة بتلك الأحداث، وما أعقبها من تحولات تاريخية واجتماعية ودينية، وما نشأ في ظل الإسلام من صلات جمعت الصوماليين والأورومو، بوصفهم من شعوب القرن الإفريقي.

كما لم يكن مقصدي من الاستشهاد بهذه المصادر إنكار الوجود الأورومي في أجزاء من شرق إفريقيا، أو نفي حقوق الأورومو التاريخية والمعاصرة، وإنما الرد على الروايات الأورومية التي تنكر الوجود الصومالي السابق في تلك المناطق، وتصور الصوماليين وكأنهم جماعات وافدة استولت على أراضٍ لم تكن لها بها صلة تاريخية.

فكما أن الاعتراف بالوجود الأورومي قبل القرن السادس عشر لا ينفي حدوث توسعات أورومية لاحقة وما ترتب عليها من تغيرات ديموغرافية، فإن الاعتراف بتلك التوسعات لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لإنكار الوجود الصومالي الأقدم في المناطق التي تشهد عليه الأدلة التاريخية.

وأود أن أستشهد هنا أيضًا بالروايات الشفوية الصومالية التي تتناقلها الأجيال، كما يستشهد بعض المثقفين الأوروميين بالروايات الشفوية الموروثة لدى جماعتهم؛ إذ تروي الذاكرة الجماعية الصومالية تعرض أعداد كبيرة من أفراد بعض القبائل الصومالية للقتل على أيدي الجماعات الأورومية التي شاركت في تلك التوسعات.

وتذكر هذه الروايات أن التوسعات الأورومية في القرن السادس وما يليه عشر أدت إلى فقدان بعض القبائل الصومالية المسلمة أراضيها، وانفصال بعض عشائرها عنها، وتعرّض بعض تلك العشائر لضغوط دفعتها إلى تغيير دينها وعاداتها. ومن بين ما تتناقله الذاكرة الشفوية الصومالية روايات تنسب قبيلة البورانا، من حيث الأصل العرقي والنسب، إلى القبائل الصومالية المسلمة، وتعدّها جزءًا لا يتجزأ من قبائل دِر، المنحدرة بحسب الموروث النسبي الصومالي من إِرِر سَمال، قبل أن تجتاحها التوسعات الأورومية وتستوعبها ضمن جماعاتها، مما أدى، وفقًا لهذه الروايات، إلى تحوّل انتمائها القومي من الهوية الصومالية إلى الهوية الأورومية، وانتمائها الديني من الإسلام إلى المعتقدات الوثنية، غير أن بعض عشائر البورانا ما تزال تدين بالإسلام.

ومما تتناقله الذاكرة الشفوية الصومالية كذلك أن تلك التوسعات أدت إلى نزوح قبائل صومالية أخرى من مواطنها خلال تلك الفترة إلى مناطق بعيدة، ومن بينها، بحسب هذه الروايات، قبائل الرنديلة الموجودة حاليًا في مناطق من شمال كينيا، والتي تُعرف اليوم بوصفها جماعة إثنية مستقلة عن القبائل الصومالية المعروفة. وتذكر هذه الروايات أن بعض تلك الجماعات اضطرت إلى تغيير دينها وعاداتها من أجل ضمان بقائها والعيش بين جماعات وقبائل غير مسلمة.

وخلاصة ما أردت بيانه أن الاستشهاد برواية بحري، ودراسة محمد حسن، وبحث تورتون، إلى جانب الروايات الشفوية الصومالية، لم يكن غايته إثارة الخصومة بين الصوماليين والأورومو، وإنما الدعوة إلى قراءة التاريخ في سياقه الزمني والجغرافي، والتمييز بين الوجود القديم للجماعات البشرية وبين التوسعات السكانية والعسكرية التي شهدتها المنطقة في مراحل لاحقة.

وإذا كانت الروايات الشفوية جديرة بالاهتمام بوصفها جزءًا من الذاكرة التاريخية للشعوب، فإنها، شأنها شأن المصادر المكتوبة، تحتاج إلى المقارنة والتمحيص والتحقق، ولا سيما حين تتعلق بأصول الجماعات وانتماءاتها وما شهدته من نزاعات وتحولات دينية وقومية.

إن الاعتراف بالتاريخ الأورومي لا يقتضي إنكار التاريخ الصومالي، كما أن إثبات الوجود الصومالي القديم لا يستلزم نفي الوجود الأورومي في مواضع أخرى من المنطقة.

وما أرفضه هو أن تتحول القراءات القومية المعاصرة إلى وسيلة لمحو تاريخ طرف لمصلحة طرف آخر، أو أن تُسقط حدود الحاضر وهوياته على عصور كانت فيها حركة السكان والعلاقات بينهم أكثر تعقيدًا وتداخلًا.

فالتاريخ لا يُنصف بانتقاء شواهده، ولا تُصان حقوق الشعوب بإنكار ماضي جيرانها، وإنما تُصان الحقيقة بإخضاع جميع الروايات للبحث والنقد، والاعتراف بما تثبته الأدلة دون زيادة أو انتقاص. وهذا هو المنهج الذي قصدت اتباعه في مقالي السابق، وهو ما أؤكد عليه في هذا التوضيح.

بقلم: علي أحمد محمد المقدشي

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى